كتاب الإيمان 36

كتاب الإيمان 36

الدرس في كتاب الإيمان 36، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

دخول الجنة وشروط الإيمان

دخول الجنة مشروط بالإيمان الذي يشمل الإسلام والإيمان بالقلب واللسان والجوارح. الكافر والمشرك لا يدخلان الجنة حسب الحديث النبوي.

المحبة في الله وكمال الإيمان

المحبة في الله شرط لكمال الإيمان، وإفشاء السلام سبب للمحبة والألفة بين المسلمين. الهجران لأكثر من ثلاث أيام غير جائز.

أهمية إفشاء السلام وأجره

إفشاء السلام بين المسلمين سبب للمحبة والمودة وكمال الإيمان، ورتب عليه أجرًا عظيمًا يتراوح بين عشر إلى ثلاثين حسنة حسب الصيغة المستخدمة.

ختام بالصلاة على النبي

يُشير إلى جواز الصلاة على النبي عند الحاجة ويختم بالصلاة عليه وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو معاوية أو وكيع، ومن الجراح، عن الأعمش، قال: عن أبي صالح، أو ذكوان السمان، عن أبي هريرة، عبد الرحمن بن صخر على الأشهر، على اختلاف اسمه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». قال: وحدثني زهير بن حرب، أبو خيثمة، قال: أنبأنا جرير، عبد الحميد، عن الأعمش، قال: بهذا الإسناد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا» بمثل حديث أبي معاوية ووكيع. هذا الحديث بواب عليه الإمام النووي رحمه الله، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا»، هذا النفي على حقيقته وعلى ظاهره، أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمن. «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا»، تؤمنوا تشمل الإيمان والإسلام، الإيمان الباطن والإسلام الظاهر. ومر معنا أن الإيمان والإسلام كلمتان إذا اجتمعتا افترقتا، وإذا افترقتا اجتمعتا، فإذا ذكر الإيمان دخل فيه الإسلام، وإذا ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان. وإذا اجتمعا كان الإيمان في الأمور الباطنة، والإسلام في الأمور الظاهرة. فقوله: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا»، حتى تؤمنوا يشمل الإيمان والإسلام، إيمان القلب واعتقاده، ونطق اللسان، وعمل الجوارح، الإيمان بأركان الإيمان الستة، بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. وكذلك أيضا يشمل الإسلام، الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. فلا يدخل الجنة إلا مؤمن ومسلم، مؤمن بمعنى مؤمن وهو مسلم، وكل مؤمن مسلم. «حتى تؤمنوا» يعني إذا آمنتم فأنتم من أهل الجنة. وعلى هذا فالذي لا يؤمن ويكون كافرا لا يعتنق دين الإسلام، وإنما يعتنق غيره من الأديان، من يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو بثنية أو غيرها، هذا لا يدخل الجنة. قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿إِنَّ الدِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَمْ يَخْتَلِفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾. وهكذا أيضا من وقع في شيء من الشرك الأكبر، ولو كان ينتسب إلى الإسلام، فهذا إذا مات عليه لا يدخل الجنة؛ لأن الجنة محرمة على الكافر وعلى المشرك. ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾، ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا»، وهذا يدل على أنه يجب على كل عبد أن يؤمن بالله جل وعلا وبرسوله عليه الصلاة والسلام حتى يكون مؤمنا. فإن آمن بالله وكفر برسوله فهو كافر. كذبت قوم نوح المرسلين، كذبوا بنوح وهو رسول واحد، وأخبر الله عز وجل أنهم كذبوا بالمرسلين جميعا؛ لأن التكذيب برسول واحد فهو مكذب ببقية الرسل. فمن آمن بالأنبياء جميعا مثلا إلا النبي عليه الصلاة والسلام فهو كافر؛ لينفع هذا الإيمان حتى يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا من أسلم في الظاهر مع كفر باطنه لا يدخل الجنة، كالمنافق، المنافق مسلم في الظاهر لكن في الباطن كافر ليس بمؤمن، فلا ينفعه هذا الإسلام الذي يظهره حتى يؤمن. «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا»، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار». لأن شريعة النبي عليه الصلاة والسلام ورسالته عامة لجميع الثقلين. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. فيجب على الجميع أن يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، إذن فمن لم يؤمن فهو من أهل النار. «ولا تؤمنوا حتى تحابوا»، وهذا نفي للكمال. «ولا تؤمنوا حتى تحابوا» يعني لا يكمل إيمانكم حتى تحصل بينكم المحبة؛ لأن حصول البغضاء والشحناء والحسد بين المؤمن وأخيه هذا لا يخرجه من دائرة الإسلام، وإنما يكون منقصا لإيمانه. إن كان لأجل دنيا يبغضه بسبب ذلك، أو يكرهه بسبب ذلك، أو كذلك لأجل حسد على ما هو عليه من الخير، هذا معصية لا يكفر بذلك، لكن هذا منقص لإيمانه وإيمانه ناقص. فلا يكمل الإيمان حتى تحصل بينه وبين إخوانه المحبة في الله. «ولا تؤمنوا حتى تحابوا»، هذا يدل على أن المحبة الإيمانية ومحبة المسلم لأخيه هذه من أسباب كمال الإيمان. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». لا يؤمن يعني يكمل الإيمان حتى يكون على هذا الوصف، هذا الحال، أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وإذا أحب له ما أحب لنفسه فإنه من باب أولى أن يحبه، أن يحبه، فيحب له الخير الذي يحبه لنفسه، سواء كان خيرا دينيا أو خيرا دنيويا. «ولا تؤمنوا حتى تحابوا»، أي المحبة في الله، المحبة في الله تحبه لأنه مسلم، لأنه مؤمن، لأنه تقي، لأنه صالح، لأنه عالم، لأنه على خير، محبة في الله هذه هي المقصودة. وقد حث عليها الشرع ورغب فيها. وإذا كان الإيمان لا يكمل إلا بتحقيقها دل هذا على أهميتها، أنها أمر مهم يتعلق بها كمال الإيمان. ولهذا وردت في معنى ذلك بعض الأحاديث، مر معنا: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ويحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». إذا يدل على أن تحقيق المحبة في الله من أسباب طعم حلاوة الإيمان، أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. وهكذا أيضا هي سبب لمحبة الله: «وجبت محبتي للمتحابين فيَّ»، الله عز وجل أوجب محبته فضلا منه وإكراما على من أحب أخاه المسلم في الله ولأجل الله. فإذا شأنها عظيم وأمرها كبير. «ولا تؤمنوا حتى تحابوا أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». «أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم» يعني كان السبب في حصول المحبة بينكم. «أفشوا السلام بينكم»، أفشوه يعني أظهروه وأعلنوه. «أفشوا السلام بينكم» يعني إذا لقي أحدكم بعضا، ولقي أحدكم أخا يسلم عليه. «أفشوا السلام» تبتدئه بالسلام وتسابقه في السلام حتى تنال الأجر. فالسلام سبب لحصول الألفة والمحبة والمودة. ولهذا الذي يهجر أخاه أول ما يهجره في السلام، أول ما تبدأ المقاطعة وتبدأ المهاجرة بترك السلام، إما لا يبدأه بالسلام، وإما لا يرد عليه السلام إذا سلم عليه. وهنا يقع في القلوب ما يقع من البغضاء والكراهية والحقد. لكن إذا وقع السلام تزول كل هذه المعاني من معاني الشحناء والبغضاء. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام حث من هجر أخاه ألا يهجر فوق ثلاث. «أن لا يهجر فوق ثلاث»، أما الثلاث فقد أجاز الشرع أن يهجر المسلم أخاه ثلاثة أيام إذا حصل بينه وبينه شيء؛ حتى تأخذ النفس حظها. أكثر من ثلاث في الأمور الدنيوية ما يجوز أن تستمر في هجره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يهجر المسلم أخاه فوق ثلاث، فإذا لقيه فخيرهما الذي يبدأ بالسلام». خيرهما الذي يبدأ بالسلام، إذا بدأ بالسلام انقطعت الهجرة، ويذهب شيء كبير مما في النفس من البغضاء والشحناء، تزول يزول منها شيء كثير؛ لأن السلام من أسباب الألف والمحبة، وإفشاءه كما سمعنا سبب لحصول المودة والمحبة. «تفشوا السلام على من عرفت ومن لم تعرف»، سلم على من عرفت ومن لم تعرف. وإذا لم تسلم على من يعرفك أو تعرفه يقع في نفسه شيء: لماذا ما سلم عليه؟ ماذا فعلت له؟ ما الذي بين وبين؟ وتبقى الوساوس في نفسه، ورغم يجد الشيطان مدخلا. لكن إذا سلمت الحمد لله تبقى الأمور طيبة والمودة والمحبة باقية ومستمرة، مع ما تنال من الأجر العظيم في السلام. تظن السلام أمره سهل، هو مع كونه يعني من أسباب كمال الإيمان وحصول المحبة والمودة بين المسلم وأخيه، وأيضا مما حث عليه الشرع ورغب فيه وأمر به. ومع ذلك رتب عليه من الأجر والثواب الشيء الكثير. إذا سلمت على أخيك «السلام عليكم» لك عشر حسنات، «السلام عليكم ورحمة الله» عشرون حسنة، «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» ثلاثون حسنة. والحسنة بعشر أمثالها، فتجد ثلاثمائة حسنة في كلمات قليلة ووقت يسير وجهد قليل. ابن عمر رضي الله عنه كان يخرج إلى السوق وليس له حاجة في السوق، يعني ما يشتري بضاعة ولا شيء. يقول له الذي معه: ما الذي يخرجك إلى السوق وأنت لا تسوم بسوم البيع؟ يعني ما تسأل عن أسعارها، تضع السعر الذي تريد أو تريد أن تشتري بضاعة أو سلعة. قال: إنما أغدو إلى السوق لأجل السلام، يسلم على هذا وعلى هذا وعلى هذا ويرجع. كم حسنات يتحصل؟ رغم الواحد يغفل عن مثل هذا أو يتساهل فيه، هذه حسنات عظيمة تجدها في دقائق يسيرة وعمل يسير. تسلم على ثلاثة، لو سلمت ثلاث مرات فقط بأكمل السلام، ثلاثون وثلاثون وثلاثون، تسعون. والحسنة بعشر أمثالها تسعمائة حسنة. إذا كان هذا السلام ثلاث مرات فقط، كيف لو كنت أسلم على عشرة أو خمسة عشر؟ حسنات كثيرة. فلهذا لا يغفل المسلم عن مثل هذه العبادة النافعة. «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». إذن إفشاء السلام من أسباب حصول المحبة، وأن محبة المؤمن لأخيه من الإيمان. «ولا تؤمنوا حتى تحابوا»، وقد ينتفي الإيمان بالكلية. نحن قلنا أن هذا نفي الكمال. إذا كان بغضه لأخيه المؤمن ليس لأجل إيمانه، وإنما لأجل شيء في نفسه عليه من أمور الدنيا، هذا ينقص إيمانه. أما إذا أبغضه لإيمانه ولعقيدته ولما يعتقد من الحق، فهذا قد يخرجه من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر، كمن يبغض المؤمنين لإيمانهم وتوحيدهم وتعظيمهم لله وإفرادهم لله جل وعلا بالتوحيد، فهذا يقع في ناقض من نواقض الإيمان. وقول في الرواية الثانية: «والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة»، هنا أقسم النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «والذي نفسي بيده»، هذا قسم بصفة من صفات الله؛ لأن الذي بيده الأنفس هو الله، الذي بيده الأنفس هو الله جل وعلا. وهذا كما قد ذكر من قبل في غير هذا الدرس، أنه يجوز الحلف من غير استحلاف، أن يبتدأ المسلم باليمين من غير أن يستحلف، لأجل تأكيد الكلام الذي سيذكره، هذا جائز. قد فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة أنه يحلف من غير أن يستحلف، إذا كان هناك حاجة لذكر ذلك لذكر اليمين لتحقيق أو تأكيد الخبر ونحو ذلك، فهذا جائز على أنه لا يكون ديدنا، لا يكون ديدن الإنسان أنه في كل كلام يحلف بالله، فلا يكون لذكر الله جل وعلا ولإسم الله شيء من التعظيم. لكن يكون عند الحاجة فلا بأس. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.