كتاب الإيمان 77

كتاب الإيمان 77

الدرس في كتاب الإيمان 77، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تحذير النبي من اقتطاع حق المسلم بيمين كاذبة

يروي الحديث النبوي تحذيرا من اقتطاع حق المسلم بيمين كاذبة، مؤكدا أن ذلك يؤدي إلى دخول النار وحرمان الجنة. يشدد الحديث على خطورة هذا الفعل حتى لو كان الحق المقتطع يسيرا.

عقوبة الحلف الكاذب لاقتطاع مال الغير

يشرح الحديث عقوبة من يحلف يمينا كاذبة ليأخذ مال غيره، ويبين أن هذه العقوبة تشمل حتى المبالغ اليسيرة. يحذر الرسول من أخذ مال الغير بغير حق حتى لو كان شيئا تافها.

إثبات صفة الغضب لله تعالى وتفسير الآيات

يثبت أهل السنة صفة الغضب لله تعالى واستدلالهم بآيات تدل على هذه الصفة، مع التأكيد على أنها تليق بجلال الله تعالى. يذكر الحديث أيضا سبب نزول آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، جميعا عن إسماعيل بن جعفر. قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرنا العلاء، وهو ابن عبد الرحمن، مولى الحرقة، عن معبد بن كعب السلمي، عن أخيه عبد الله بن كعب، عن أبي أمامة، وهو إياس بن ثعلبة الحارثي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة». فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: «وإن قضيبا من أراك». قال: وحدثنا أبو بكر، وإسحاق، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، أنه سمع أخاه عبد الله بن كعب يحدث، أن أبا أمامة الحارثي حدثه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بوعيد من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه. اقتطع بمعنى أخذ. من اقتطع حق امرئ مسلم أخذه، سواء كان أرضا أو مالا أو متاعا أو غير ذلك مما يمتلك. يخرج بذلك الكافر، لكن هل معنى أن الكافر يحل أن يأخذ المسلم ماله كالذمي أو المستأمن؟ الجواب: لا، لا يجوز. مال الذمي والمستأمن والمعاهد محرم، لكن لا يترتب عليه هذه العقوبة الموجودة في هذا الحديث؛ لأنها خاصة بالاعتداء على مال المسلم، فيخرج بذلك مال الكافر. قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه»، بيمينه يعني بالحلف، أن يحلف أن هذا الحق له، وأن هذا المال له، وأن هذا الشيء له، فيحلف اليمين بأنه له حتى يأخذه. قال: «فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة»، يعني وهو كاذب. يحلف يمينا كاذبة أن هذا الشيء له وليس له. إذا كان المدعي وصاحب الحق ليس له بينة، فإنه يؤخذ يمين المدعى عليه. وإذا حلف المدعى عليه وهو كاذب، فإنها تقبل يمينه في الظاهر، فيقضى له بهذا الحق، فيأخذه وهو كاذب، يحلف يمينا كاذبة فاجرة. قال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا؟ يعني وإن كان الذي أخذه من هذا المال شيئا يسيرا قليلا، ليس بكثير. قال عليه الصلاة والسلام: «وإن قضيبا من أراك». الأراك هو المسواك. يعني إذا أخذ الإنسان مسواكا أو قدره أو ما هو أقل من المال، أخذه على أخيه بغير حق، فإن ذلك يوجب له دخول النار وحرمان الجنة. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن إبراهيم، جميعا عن وكيع، قال: وحدثنا أبو معاوية، ووكيع، قال: حدثنا الأعمش، سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، عن أبي وائل، شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، وهو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان». قال: فدخل الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: كذا وكذا. قال: صدق أبو عبد الرحمن. ثم ذكر أن الآية نزلت فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. هذا الحديث فيه بيان عقوبة من اقتطع مال امرئ مسلم باليمين الفاجرة. زيادة على ما تقدم في حديث أبي أمامة، أنه يلقى الله عز وجل وهو عليه غضبان. من حلف على يمين صبر يقطع بها مال امرئ مسلم، يمين الصبر أي التي يحبس بها الإنسان نفسه، وهي اليمين الغموس التي يحلف فيها الإنسان وهو كاذب، ويقطع بها مال أخيه المسلم. قال: «لقي الله وهو عليه غضبان»، غضبان عليه بسبب هذا الفعل الذي حصل منه. فيه أيضا إثبات صفة الغضب لله جل وعلا، وهي صفة فعلية متعلقة بالمشيئة، صفة تليق بجلال الله جل وعلا، لا تماثل صفات المخلوقين. ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. خلافا لمن أنكر صفة الغضب من الأشاعرة والمعتزلة، وقالوا بأن المراد بالغضب الانتقام أو إرادة الانتقام، وهذا خلاف الصواب. قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، آسفونا بمعنى أغضبونا، فدل على أن الغضب غير الانتقام. فأهل السنة يثبتون لله جل وعلا هذه الصفة كما قلنا، على ما يليق بجلال الله جل وعلا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.