الدرس في كتاب الإيمان 86، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح النص أن كل نبي أيد بآيات تدل على صدقه، وأن هذه الآيات تتناسب مع قوم كل نبي. يُظهر أن معجزة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم.
النص يبين أن النبي محمد أوتي القرآن كأعظم آية باقية إلى قيام الساعة، ويوضح وجوب الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الناس.
يدل حديث النبي عليه الصلاة والسلام على جواز الحلف بصفة من صفات الله إذا كان في ذلك حاجة لتأكيد الخبر، ويضرب مثالاً على ذلك بقوله "والذي نفسي محمد بيده".
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري الخشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف أبو رجاء البغلاني، قال: حدثنا الليث، ومن سعد أبو الحارث الفهمي، قال الإمام مالك: الليث قال الإمام الشافعي: الليث أفقه من مالك، الليث أفقه من مالك، لكن لم يعتن به أصحابه، أو لم يكن له أصحاب يعتنون به، يعني بفقهه. قال عن سعيد بن أبي سعيد، وهو المقبري، وهو ثقة تغير قبل موته بأربع سنين، وروايته عن عائشة وأم سلمة مغسلة، كما ذكر الحافظ في التقريب، قال عن أبيه، وهو أبو سعيد كيسان، أبو سعيد المقبري، فقيه ثبت. ثبت عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله جل وعلا أيد أنبياءه بآيات ودلائل تدل على صدق دعوتهم وصدق ما أرسلهم الله سبحانه وتعالى به. وهذه الآيات التي أيدهم بها هي كافية في تصديقهم والإيمان بهم. ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر. ومن حكمة الله جل وعلا أن أيد كل نبي بآية تناسب ما عليه قومه. فمثلا عيسى عليه السلام بعث في قوم عرفوا بمداواة المرضى، فأيده الله جل وعلا من الآيات ما هو من جنس ذلك. ومن ذلك أن الله جل وعلا جعله قادرا على إبراء الأكمة، وشفاء الأبرص، وإحياء الموتى. وموسى عليه السلام بعث في قوم انتشر فيهم السحر والتعامل به، فأيده الله جل وعلا مما أيده به من الآيات ما هو في ظاهره من جنس ذلك، وإن لم يكن بسحر، وذلك بإلقائه بعصاه فتصير حية عظيمة. وهكذا إدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، أي من غير مرض. وهكذا أيضا قلب الماء إلى دم، وغير ذلك مما أيده الله سبحانه وتعالى به. والنبي عليه الصلاة والسلام بعث في قوم عرفوا بالفصاحة والبلاغة، وقوة التعبير، واستقامة اللسان باللغة العربية، فأيده الله جل وعلا ببيان من جنس ذلك، بإنزال هذا القرآن العظيم الذي هو في غاية الفصاحة والبلاغة والبيان، حتى عجز الفصحاء والبلغاء أن يأتوا بمثله، بل بعشر سور من مثله، بل بصورة من مثله. والمعجز به والتحدي به قائم إلى قيام الساعة. فجعل الله عز وجل هذه الآيات لهؤلاء الأنبياء، كما سمعنا، لتدل على صدق نبوتهم وما يدعون إليه، وأنهم مرسلون من عند الله، ومؤيدون من عند الله جل وعلا. قال: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر». وفيه أيضا استعمال لفظ الآيات الدال على صدق نبوة الأنبياء، وأن التعبير بذلك أفضل من التعبير بالمعجزات، لأن هذا تعبير القرآن والسنة. قال الله عز وجل: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول هنا: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات». فالتعبير بذلك أفضل. قال: «وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إليه»، يعني ما أوتيه النبي عليه الصلاة والسلام وحيا أوحاه الله إليه، يعني القرآن، التي هي أعظم آية أوتيها النبي عليه الصلاة والسلام. وإن كان قد أوتي غيرها من الآيات التي هي من جنس ما أوتيه الأنبياء قبله. فإن كان في باب الطب، فقد أوتي النبي عليه الصلاة والسلام من نحو تلك الآيات بصق في عيني علي رضي الله عنه لما أصابه الرمد، فبرئ وشفي. ولما انكسرت قدم أحد الصحابة لما قتلوا كعب بن الأشرف، فمسح النبي عليه الصلاة والسلام على قدمه فشفيت، كأن لم يكن به وجع. وهكذا أيضا في نبع الماء، موسى عليه السلام ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يضع يده على الماء فتتفجر العيون من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك. لكن أعظم آية أوتيها النبي عليه الصلاة والسلام هي القرآن، وهي أعظم الآيات، بل أعظم من آيات الأنبياء قبله، لأن هذه الآية باقية مستمرة، أما آيات الأنبياء قبله فإنها انقضت بموتهم وانقرضت. لكن هذه الآية هي باقية إلى قيام الساعة، القرآن موجود نتلوه ونقرأه ونحفظه ونتعلم، والتحدي به قائم، والتحدي به قائم إلى أن يرث الله جل وعلا الأرض ومن عليها. وقوله عليه الصلاة والسلام: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة»، يعني أن أكون أكثر الأنبياء تبعا. وهذا الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام قد وقع، فإن أهل الإسلام هم أكثر أهل الملل إيمانا وإسلاما وتبعا لنبيهم. كما أخبر عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، ولأنه آخر الأديان التي شرعها الله عز وجل، وأرسل نبيها آخر الرسل، فهو الدين الباقي على ظهر هذه الأرض، ويجب على كل عبد في هذه الأرض أن يعتنقه وأن يكون من أهله. فلهذا كان من أكثر الأديان متابعة ومعتنقا أكثر من غيره. قال رحمه الله: وحدثني يونس بن عبد الأعلى، وهو ابن ميسرة بن حلبس، ثقة عابد، قال: أخبرنا ابن وهب، وعبد الله، قال: وأخبرني عمر أن أبا يونس، وأبو يونس هو سليم بن جبير الدوسي، مولى أبي هريرة، وهو ثقة، قال: حدثه عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار». هذا الحديث يخبر فيه النبي عليه الصلاة والسلام بوجوب الإيمان به وبرسالته وبدينه الذي أرسله الله عز وجل به، وأنه لا دين بعد دين الإسلام، وكل الأديان قبله منسوخة بهذا الدين. والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يسمع بي يعني يسمع بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأن هناك رسولا أرسل في هذه الأمة وأرسل بدين الإسلام، يهودي أو نصراني، أو وثني، أو مجوسي، أو غير ذلك. وإنما ذكر اليهود والنصارى لأنهم أهل كتاب وعندهم علم بمبعث النبي عليه الصلاة والسلام، كما بشر بذلك من أنزلت عليهم التوراة والإنجيل بمبعثه عليه الصلاة والسلام. فإذا ذكر اليهود والنصارى، وإلا فالحكم عام لهم ولغيرهم. وقوله: «لا يسمع بي» يدل على أنه من لم يسمع بالنبي عليه الصلاة والسلام فإنه يعذر، ويكون أمره يوم القيامة إلى الله، يمتحنه الله جل وعلا يوم القيامة، ثم يكون بعد ذلك مصيره إما إلى الجنة أو إلى النار. قال: «ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار». وقوله: «ثم يموت» يعني إذا مات على غير دين الإسلام فمصيره إلى النار، لأنه يموت كافرا إذا سمع بالنبي عليه الصلاة والسلام وسمع بدين الإسلام، ثم بقي على دينه وملته وأبى أن يسلم، فلا حجة له عند الله جل وعلا. فإنه يموت كافرا ويكون مصيره إلى النار. لكن إذا لم يسمع به كمن كان مثلا في بادية أو شعب من الشعاب التي هي بعيدة عن الاختلاط بالناس، ولم يسمع بأمر النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا كما سمعنا يمتحن يوم القيامة، ويكون حكمه حكم أهل الفترة الذين لم يأتِهم الرسول. قال: «ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار». فهذا الحديث يدل على عموم شريعة النبي عليه الصلاة والسلام وعموم رسالته، كما قال الله عز وجل: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. وقال جل وعلا: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا﴾. فرسالة النبي عليه الصلاة والسلام عامة. وفي حديث جابر: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من أنبياء قبلي»، ومنها: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة». ويؤيد هذا هذا الحديث. وقوله عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي محمد بيده» يدل على جواز الحلف من غير استحلاف إذا كان في ذلك حاجة من تأكيد الخبر، فلا بأس. وهذا الحلف حلف بصفة من صفات الله جل وعلا، فالأنفس بيد الله جل وعلا، هو المتصرف فيها سبحانه وتعالى. وهذا من الحلف الجائز. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.