كتاب الإيمان 87

كتاب الإيمان 87

الدرس في كتاب الإيمان 87، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

ترجمة رواة الحديث في صحيح مسلم ومكانتهم العلمية

يتحدث هذا الفصل عن ترجمة رواة الحديث في صحيح مسلم، حيث ذُكر يحيى بن يحيى التميمي وهشيم بن بشير السلمي وغيرهم، وأبرز صفاتهم وطبقاتهم ومكانتهم العلمية. كما أشار إلى أهمية العلماء في نقل الحديث.

صفات الشعبي وطريقة تحصيله العلمي

يتناول هذا الفصل صفات الشعبي وطريقة تحصيله العلمي، حيث ذُكر أنه كان حافظًا للعلم ومدح لقوة حفظه. كما أشار إلى أهمية التواضع في تحصيل العلم واعتبار الشعبي إمامًا في زمانه.

نوادر الشعبي وأهمية المعرفة النافعة

يُجمل هذا الفصل بعض نوادر وطرائف الإمام الشعبي، ويشدد على أهمية السؤال عن الأشياء النافعة. كما يروي قصة رجل سأل الشعبي عن حكم تزويج الأمة بعد عتقها.

ختام الحديث حول أخذ الحديث والصلاة على النبي

يناقش هذا الفصل الأخير مسألة أخذ الحديث دون مشقة ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشيرًا إلى أهمية الختام بالدعاء والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا يحيى بن يحيى، وهو ابن بكير التميمي، قال الحافظ بالتقريب: ثقة ثبت إمام. قال: أخبرنا هشيم، وهو ابن بشير بن دينار السلمي، أبو معاوية: ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، وهنا رواية بالعنعنة، لكن تحمل هذه الرواية رواية بالعنعنة في الصحيح على السماع. وذلك أن الإمام مسلم رحمه الله يحرص على رواية ما صح من الحديث، وما سمعه الراوي ممن روى عنه، وإن كان مدلسا. وقد سمع من شيخه أحاديث أخرى، فإنه لا يروي إلا ما كان قد ثبت سماعه منه، وأشار إلى نحو ذلك الإمام النووي رحمه الله في الشرح. قال: عن صالح بن صالح، وهو ابن مسلم بنهان، قال: عن الشعبي، وهو عامر بن شراحيل، الإمام، وأصله من اليمن. والشعبي رحمه الله كان رجلا حافظا، قال عن نفسه: ما كتبت سوداء على بيضاء، يعني ما كتبت بالحبر على الورق، والمعنى أنه كان يحفظ بمجرد أن يسمع. كان إذا سمع الحديث مرة واحدة حفظه، ولهذا قال عن نفسه: لقد نسيت من الحديث ما لو حفظه رجل لكان به عالما. لصار عالم العلماء، لأنه كان اعتماده على الحفظ، فكان قوي الحافظة، وهو من كبار التابعين، أدرك خلافة عمر رضي الله عنه، وسمع من عمر، ومن عثمان، ومن علي، جماعة من الصحابة. قال: أدركت خمسمائة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وذكر عنه أهل العلم، كما ذكر الذهب رحمه الله في السير: أنه روى عن أكثر من خمسين صحابيا. وكان رحمه الله نحيفا، ضعيف الجسم، فإذا سئل عن ذلك، وهو قد ولد توأما، كان يقول: إني زوحمت في الرحم. يعني أنه كان توأما، ومعه من شاركه في الرحم، لما حملت به أمه. وهذا من باب الملاطفة والمداعبة. وهكذا أيضا مما أثر عنه رحمه الله أنه من قوة حافظته أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه مر عليه وهو يحدث في المغازي، يعني مغازي النبي عليه الصلاة والسلام، فسمعه ابن عمر، قال: كأن هذا كان شاهدا معنا، لهو أحفظ لها مني وأعلم. يعني من قوة حفظه كان يصف المغازي كأنه كان حاضرا في هذه الغزوة، وكان شاهدا فيها. هكذا يقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، مادحا للشعبي، مبينا لقوة حافظته. ولهذا كما سمعنا عده العلماء إمام أئمة أهل زمانه. قال ابن عيينة رحمه الله: علماء الناس ثلاثة، ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه. نعم، أيضا قال رحمه الله: لا ينبل الرجل حتى يأخذ العلم ممن هو مثله، وممن هو دونه، وممن هو أعلى منه. لا ينبل الرجل، يعني يكون له شرف ورتبة وتحصيل للعلم، إلا إذا تواضع في أخذه للعلم، فيأخذ العلم ممن هو أعلى منه، ويأخذ العلم ممن هو مثله، ممن هو قرين له من أقرانه، ويأخذ العلم ممن هو دونه، ممن هو أقل منه في العلم، لكن عنده شيء من العلم ليس عنده، فيأخذ العلم منه. فإذا كان طالب العلم على هذا الحال، فإنه يتحصل على العلم، ويرجى له أن يكون ذا منزلة في العلم. فالعلم لا ينال بالاستكبار وبالاستحياء وبالترفع، إنما ينال بالتواضع والذل، كما قال مجاهد رحمه الله: لا ينال هذا العلم مستحي ولا مستكبر. فالحيي يحرم نفسه من العلم، والمستكبر كذلك يحرم نفسه من العلم. فالإنسان يقطع المسافات ويجلس في مجالس العلم، وكذلك أيضا يترك الكبر ويتواضع ويذل نفسه من أجل العلم. وقال ابن عباس: أخذنا هذا العلم بالذل، فلا ننفقه إلا بالذل. ومن لطائفه رحمه الله أنه كان يمشي مع زوجته، فسأله رجل: من هذه؟ أو قال له: من منكم الشعبي؟ فقال: هذه، أشار إلى زوجته. أراد بهذا يعني يبين غباء هذا السائل، يعني ترى رجلا أمامك وامرأة، فمن سيكون الشعبي؟ أستكون المرأة؟ فتسأل: من منكم الشعبي؟ وسئل رحمه الله: ما اسم زوجة إبليس؟ فقال: ذاك عرس لم نشهده، ما حضرنا حتى نعلم اسم زوجته. وهذه من الأسئلة، يعني كما يقال: الأسئلة ليس لها فائدة. وطالب العلم يحرص إذا سأل أن يسأل عن شيء نافع ينتفع به، ينفع نفسه وينفع السامعين. قال رحمه الله: عن الشعبي قال: رأيت رجلا من أهل خراسان سأل الشعبي، فقال: يا أبا عمرو، إن من قبلنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتق أمته ثم تزوجها، فهو كالراكب بدنته. فقال الشعبي: حدثني أبو بردة بن أبي موسى، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين. رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه، فله أجران. وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، أدى حق الله تعالى وحق سيده، فله أجر. ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها، ثم أدبها فأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران. ثم قال الشعبي للخراساني: خذ هذا الحديث بغير شيء، فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة. يعني فيما هو أقل من هذا الحديث، ربما يرحل المسافات الأيام أو أشهر حتى يسمع الحديث الواحد. وهذا يقوله رحمه الله من باب شد الهمم، وكذلك أيضا التحريض على سماع العلم والحديث. وفيه أيضا إشارة إلى ما كان عليه السلف رحمه الله من ما يجدونه من التعب والمشقة في تحصيل العلم وفي سماع الحديث، كانوا يرحلون الأيام والأشهر حتى يسمعون حديث النبي عليه الصلاة والسلام. وأنت يقول: لا، أخذ هذا الحديث من غير أن ترحل إليه، وأن تبذل المشقة في تحصيله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.