كتاب الإيمان 84

كتاب الإيمان 84

الدرس في كتاب الإيمان 84، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

ذهاب الإيمان ونهاية الزمان

يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذهاب الإيمان في آخر الزمان حيث يرسل الله ريحا تقبض روح كل مؤمن. يبقى شرار الناس الذين لا يذكرون الله وعليهم تقوم الساعة.

أهمية التمسك بالسنة وبث العلم

شرح حديث حذيفة بن اليمان يبرز أهمية التمسك بالسنة وبث العلم في الدين والدنيا. يوضح الاختلاف في الروايات حول إحصاء عدد من تلفظ بالإسلام.

دلالات حديث سعد بن أبي وقاص

حديث سعد بن أبي وقاص يبين دلالة على التفريق بين الإسلام والإيمان وجواز إشارة المفضول إلى الفاضل. يظهر حرص النبي على توزيع العطايا بحكمة خشية أن يكب الشخص في النار.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إماما مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان. قال: حدثني زهير بن حرب، أبو خيثمة، أبو خيثم النسائي، قال: حدثنا عفان، وهو ابن مسلم، كان إذا شك في حرف في الحديث تركه، قال: حدثنا حماد وابن سلمة، قال: أخبرنا ثابت والبناني عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله». قال: وحدثنا عبد بن حميد، وهو صاحب المنتخب، قال: أخبرنا عبد الرزاق، وهو الصنعاني، صاحب المصنف، قال: أخبرنا معمر وابن راشد، نزيل اليمن، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله». هذا الحديث يخبر فيه النبي عليه الصلاة والسلام بذهاب الإيمان في آخر الزمن، فعند قرب قيام الساعة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخرى، يرسل الله عز وجل ريحا من قبل اليمن، فتقبض روح كل مؤمن، فلا يبقى على ظهر الأرض إلا شرار الناس، يتهارجون تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة. لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله، يعني الذي في قلبه شيء من الإيمان ويعرف الله جل وعلا، فهذا تقبض روحه الريح التي يرسلها الله سبحانه وتعالى، من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان قبضته، ويبقى شرار الخلق، هؤلاء الذين لا يقولون الله الله، عليهم تقوم الساعة. ففي هذا الحديث بيان بأن الإيمان يرفع ويذهب في آخر الزمان، ويقبض أهله، ولا يبقى إلا شرار الخلق، فعلى هؤلاء تقوم الساعة. ولهذا جاء في حديث مسعود، عند الإمام أحمد وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس». والذين يتخذون القبور مساجد من شرار الناس، من تدركهم الساعة وهم أحياء، يعني تقوم عليهم الساعة وهم أحياء، هؤلاء من شرار الخلق. قال رحمه الله: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو كريب، وهو محمد بن العلاء، قالوا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، أو سليمان بن مهران، عن شقيق بن سلمة، عن حذيفة بن اليمان، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أحصوا لي كم يلفظ الإسلام»، قال: فقلنا: يا رسول الله، أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ قال: «إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا»، قال: فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا. هذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام طلب أن يعد له كم تلفظ بالإسلام، أحصوا لي كم يلفظ الإسلام، يعني كم عدد من أسلم. فقال حذيفة رضي الله عنه: قلنا: يا رسول الله، أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة، يعني الذين أسلموا ما بين الستمائة إلى السبعمائة. لكن جاء في رواية في البخاري أنه قال: قالوا: فعددنا له، فكتبنا له ألفا وخمسمائة. وهنا قال: ما بين ستمائة إلى السبعمائة. وفي رواية أخرى أيضا عند البخاري قال: فوجدناهم خمسمائة. فذكر أهل العلم في ذلك أقوالا في الجمع بين هذه الروايات. ولعل أقرب هذه الأقوال، كما أشار الإمام النووي رحمه الله في الشرح، إلى أن المراد بقولهم ما بين ستمائة إلى سبعمائة رجال المدينة خاصة. ومن قال: ألف وخمسمائة، فهذا مع من معهم من المسلمين من غيرهم، يعني أهل المدينة مع غيرهم ممن هو ليس من أهل المدينة، فالجميع ألف وخمسمائة. ورواية الخمسمائة ذكر الأقل، لا ينفي الأكثر. قال رحمه الله: وحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، قال: كان ابن شهاب يقول: التمسك بالسنة نجاة، وبث العلم فلاح الدين والدنيا. التمسك بالسنة نجاة للإنسان من الفتن، ونجاة من الظلم والاعتداء، ونجاة من الهلاك، وكذلك نجاة له في الآخرة. وبث العلم يعني نشره وتعليمه، فلاح الدين والدنيا، بظهور العلم وانتشاره، كلما ظهر العلم وانتشر قوي الدين، لأن هذا دين قائم على العلم. قال رحمه الله: حدثنا عامر بن سعد عن أبيه، يعني سعد بن أبي وقاص، قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما، فقلت: يا رسول الله، أعط فلانا، فإنه مؤمن. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو مسلم». قال: أقولها ثلاثا، ويرددها علي ثلاثا: «أو مسلم». ثم قال: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار». هذا الحديث بهذا السند انتقده بعض الحفاظ، كالدارقطني رحمه الله، كما أشار الإمام النووي رحمه الله في الشرح. وذلك أن سفيان بهذا السند رواه عن الزهري، والرواية الصحيحة أنه رواه عن معمر عن الزهري. ومع ذلك فالحديث صحيح وثابت من الطرق الأخرى. قال: حدثني زهير بن حرب، أبو خيثمة، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه، قال: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطا، وسعد جالس فيهم. قال سعد: فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم من لم يعطه، وهو أعجبهم إلي، قلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو مسلما». قال: فسكت قليلا، ثم غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو مسلما». قال: فسكت قليلا، ثم غلبني ما علمت منه، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو مسلما». إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار على وجهه. هذا الحديث يخبر سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة. يقول سعد: إن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى رهطا، يعني جماعة، قسم لهم قسما، فأعطى فلانا أو أعطى جماعة، وترك شخصا لم يعطه. قال: وهو أعجبهم إلي، يعني في الظاهر أرى أنه ممن يستحق أن يعطى ويكون أولى بالإعطاء من أولئك الذين أعطاهم النبي عليه الصلاة والسلام. ففي هذا الحديث دلالة على التفريق بين الإسلام والإيمان. فالنبي صلى الله عليه وسلم حين قال له سعد: إني لأراه مؤمنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو مسلما»، يعني لا تجزم له بالإيمان لأن الإيمان أمر باطن، لكن نجزم له بالإسلام لأنه أمر ظاهر. وفيه أيضا جواز أن يشير المفضول إلى الفاضل بأمر من الأمور، كما أشار سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء هذا الرجل. وسعد مفضول، والنبي صلى الله عليه وسلم أفضل منه، ومع ذلك أشار إليه سعد بإعطاء هذا الرجل. وفيه أيضا أن الرجل الفاضل إذا أشير إليه بشيء وكان يرى أن المصلحة بغيره، فلا يأخذ بقول من أشار إليه. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعط هذا الرجل مع أن سعدا كرر ذلك ثلاثا. وفيه أيضا جواز التكرير، تكرير الطلب إذا كان يرى أن في ذلك مصلحة وفي ذلك نفع. وفيه أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام ربما أعطى شخصا شيئا من المال من باب التأليف له وتقوية إسلامه وترغيبه في الإسلام.