كتاب الإيمان 109

كتاب الإيمان 109

الدرس في كتاب الإيمان 109، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

دخول آخر أهل الجنة الجنة وتجربة الصراط

يروي الحديث عن آخر من يدخل الجنة وتفاصيل تجربته على الصراط وتفاعل الله معه. يبين الحديث كيف يكبو وتسفعه النار ثم يدخل الجنة بعد رؤيته شجرة عند بابها.

تفاصيل نعيم أهل الجنة وكرم الله تعالى

يصف نعيم أهل الجنة وطلباتهم المتكررة من الله للاقتراب أكثر من النعيم، ويعرض حوارا بين الله تعالى وآخر من يدخل الجنة. يوضح المقطع عظيم كرم الله تعالى ونعيم أهل الجنة.

سبب نيل أهل الجنة للنعيم

يبين الإمام ابن القيم أن أهل الجنة نالوا النعيم بسبب سبقهم في فعل الخيرات في الدنيا. يوضح أن السابقين في الدنيا كانوا سابقين في دخول الجنة ونيل نعيم الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أبو الحسين، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عفان بن مسلم، وهو من مشايخ الإمام مسلم، روى عنه بلا واسطة، وهنا روى عنه بواسطة أبي بكر بن أبي شيبة، كان إذا شك في حرف في الحديث تركه. قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا ثابت البناني، عن أنس، وابن مالك، عن ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة»، يعني تصيبه النار، «فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين». فترفع له شجرة، فيقول: «أي رب، أدنني من هذه الشجرة؛ لأستظل بظلها، وأشرب من مائها». فيقول الله عز وجل: «يا ابن آدم، لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟» فيقول: «لا يا رب»، ويعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: «أي رب، أدنني من هذه؛ لأشرب من مائها، وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها». فيقول: «يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟» فيقول: «لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها». فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة، هي أحسن من الأوليين، فيقول: «أي رب، أدنني من هذه؛ لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها». فيقول: «يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟» قال: «بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها»، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليها، فيدنيه منها. فإذا أدناه منها يسمع أصوات أهل الجنة، فيقول: «أي رب، أدخلنيها». فيقول: «يا ابن آدم، ما يصريني منك؟ أيرضيك أن نعطيك الدنيا ومثلها معها؟» قال: «يا رب، أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟». فضحك ابن مسعود، فقال: «ألا تسألوني مم أضحك؟» قالوا: «مم تضحك؟» قال: «هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟» قال: «من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟» فيقول: «إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر». هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بآخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا الجنة. فأخبر عليه الصلاة والسلام أنه رجل يخرج من النار، أو في هذه الرواية أنه يمشي مرة ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة. وكأن هذا على الصراط، يعني مشيه هذا يمشي مرة، ويسقط مرة، وتسفعه النار مرة، في مروره على الصراط. حتى إذا جاوزها، وهذا جاء في بعض الروايات مصرحا بذلك، «فإذا جاوزها التفت إليها»، أي إلى النار، «فقال: تبارك الذي نجاني منك». «تبارك» المصود به وصف الله جل وعلا بالبركة، «تبارك» أي رب العزة، والعزة جل وعلا. واستعمال هذا اللفظ، لفظ «تبارك»، هذا من خصائص الله جل وعلا، فلا يطلق على غير الله، لا يطلق على غير الله، فلا يقال: «تبارك فلان»، إنما يقال: «بارك الله في فلان»، أو «جعله الله مباركا». لأن هذا اللفظ «تبارك» يشعر بملك البركة، ومعطيها لغيره، فهذه خاصة بالله جل وعلا، فهو جل وعلا الذي يبارك فيمن شاء من خلقه، ويجعل البركة فيمن شاء من مخلوقاته. فلهذا لا يقال: «فلان تبارك»، لكن يقال: «فلان مبارك»، «فلان جعل الله فيه البركة»، كما قال الله عز وجل عن عيسى عليه السلام أنه قال: «وجعلني مباركا أينما كنت». وهكذا أيضا في الدعاء للمتزوج مثلا: «بارك الله لك، وبارك عليك». وهذا اللفظ كما قلنا يستعمل في حق الله: «تبارك الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير»، «تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا». فقال: «تبارك الذي نجاني منك؛ لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين»، يعني لما ينجو من النار يرى أنه أفضل الناس نعمة؛ كونه نجى من النار وسلم منها، هذا أحسن عطاء، وأفضل نعيم. يقول: «أعطاني الله جل وعلا شيئا ما أعطاه أحد من العالمين»، «أنا أحسن واحد»، يرى نفسه أنه أحسن خلق الله، أنه خرج وسلم من هذه النار. فترفع له شجرة، فيقول: «أي رب، أذنني من هذه»، يعني قربني منها؛ حتى أستظل بظلها، وأشرب من مائها. فيقول الله عز وجل له: «يا ابن آدم، لعلي إن أعطيتكها تسألني غيرها؟» يعني استجبت لك، وقربتك إلى هذه الشجرة، فربما تسألني مع ذلك غيرها. فيقول: «لا يا رب»، ويعاهده أن لا يسأله غيرها، ما يسأله شيء غير هذا. المهم أنه يقربه من هذه الشجرة؛ حتى يستظل بظلها، ويشرب من مائها، ولا يسأل غيرها. فيستجيب الله عز وجل له، فيقربه من هذه الشجرة؛ حتى يستظل بظلها، ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة أحسن من هذه، أحسن من الأولى، ترفع له شجرة أحسن من الأولى. فإذا رآها طلب من الله جل وعلا أن يقربه منها. فيقول الله عز وجل: «ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟» فيقول: «لعلي إن أدنيتني منها تسألني غيرها». فيقول: «لا يا رب»، يعاهد الله أنه ما يسأله غيرها، ما يسأله غيرها. الله عز وجل يعذره؛ لما يرى من الحالة التي أحسن مما هو فيها، فلا يصبر، فيسأل الله جل وعلا أن يحوله إلى ذاك المكان الأحسن والأفضل. والله عز وجل يعذره؛ لأنه يعني يرى شيئا لا صبر له عليه. فيستجيب الله جل وعلا له، فيقربه من الشجرة الثانية. حتى إذا كان تحتها يستظل بظلها، ويشرب من مائها. رفعت له شجرة أحسن من الثنتين، بجانب باب الجنة. فإذا رآها سأل الله جل وعلا أن يقربه ويدنيه من هذه الشجرة الثالثة. وقد عاهد الله أنه ما يسأله غيرها، لكن الإنسان ضعيف، لا يعني يصبر على ما يرى من هذا النعيم، ومن الحالة الأحسن والأفضل. فإذا رآها سأل الله عز وجل أن يقربه منها، ويعاهد الله أنه ما يسأله غيرها، لا يسأله غيرها. يقربه الله جل وعلا منها، والله يعذره، رب العزة جل وعلا لكرمه وعظيم إنعامه ورحمته يعذره في مخالفة عهده؛ لأنه يرى شيئا لا يصبر عليه. فيدنيه جل وعلا من هذه الشجرة الثالثة التي هي عند باب الجنة. فإذا كان تحتها يستظل بظلها، ويشرب من مائها، سمع أصوات أهل الجنة، سمع أصوات أهل الجنة، وهم في داخل الجنة يتنعمون، ويتقلبون في نعم الله، وفيما أعطاهم الله جل وعلا من العطاء. فلا يصبر على ذلك، فيقول: «ربي أدخلنيها، أدخلني الجنة». فيقول الله جل وعلا له: «يا ابن آدم، ما يصريني منك؟» بمعنى ما يقطع مسألتك عني؟ ما الذي يقطع سؤالك؟ تسأل وتضع العهد أنك لا تسأل غير ذلك، ثم تسأل مرة أخرى، وتعاهد وتسأل وتعاهد، ما الذي يقطع عنك مسألتك؟ فيقول الله جل وعلا له: «أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟» قال: «يا رب، أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟» يقول هذا لأنه يعني يرى أنه ما يستحق هذا، أن يعطى الدنيا ومثلها معها، وهو آخر من يدخل الجنة، وينجو من النار. فيقول: «أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟» وكأنه يقول: ليس هذا من صفاتك، وليس هذا من أفعالك. فضحك ابن مسعود رضي الله عنه، ثم قال: «سألوه: مم تضحك يا رسول الله؟» قال: «من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟» يعني عند أن قال ذلك ضحك رب العزة جل وعلا. والضحك صفة من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئة الله جل وعلا. وأهل السنة يثبتون هذه الصفة، كسائر الصفات التي أخبر الله جل وعلا بها عن نفسه، أو أخبر عنها رسوله عليه الصلاة والسلام، ضحكا يليق بجلال الله وبعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وأما تأويل الضحك بالرضى وإرادة الخير، نحو ذلك، كما ذكر النووي رحمه الله في شرحه، هذا خطأ، هذا تحريف للصفة. نعم، فأهل السنة يثبتون الصفات، ويمرونها على ظاهرها كما وردت، ويثبتون المعنى، وينفون الكيفية. فيقول: «إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر»، يعني لا أنا لا أستهزئ بك، فأقول: أعطيك الدنيا ومثلها من باب الاستهزاء والسخرية، لا، وإنما قال الله ذلك لأنه قادر على ذلك، قادر أن يعطيه مثل الدنيا، الدنيا ومثلها، بل عشرة أمثالها. فالله عز وجل لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى. وهذا من عظيم كرم الله، من عظيم كرم الله جل وعلا أن يعطي العبد الذي يعني هو آخر من يدخل الجنة، وهذا التأخير لا شك أنه بسبب قلة الأعمال، بسبب قلة الأعمال في الدنيا، كان متأخرا في دخول الجنة. والإنسان بقدر عمله يكون سبقه، بقدر عمله يكون سبقه في دخول الجنة. فالسابق إلى الخيرات في الدنيا، المنافس فيها، المجاهد لنفسه، المسارع في فعل الطاعات، يكون من السابقين المسارعين في دخول الجنة. «السابقون السابقون، أولئك المقربون في جنات النعيم». وهكذا أيضا أصحاب اليمين، وما أصحاب اليمين؟ والمتأخرون الذين عندهم أعمال صالحة، وعندهم ذنوب وخطايا، هؤلاء يتأخرون، فيؤخرون في دخول الجنة. ومع ذلك يعطيه الله جل وعلا مثل هذا النعيم، مثل الدنيا ومثلها معها. يعني لو إنسان تفكر بهذا، لو شخص قيل له: نعطيك مثل الدنيا، الدنيا إيش فيها؟ كنوز الذهب والفضة والمجوهرات والقصور والدور، كم يعدد الإنسان من متاع الدنيا ونعيم الدنيا؟ فكيف إذا أعطي يعني مثلها؟ مثل الدنيا بكاملها، الدنيا بكاملها ومثلها معها، ومثلها معها؟ إذا كان مثلا غني من أغنياء الدنيا، من الأثرياء أو الملوك، كم يملك من متاع الدنيا؟ من أموال ومجوهرات وقصور ودور وزوجات إلى آخره؟ وهو ملك واحد، كم في الدنيا من ملوك؟ وكم فيها من أثرياء؟ وكم فيها من أغنياء؟ وهذا الذي هو آخر أهل الجنة دخولا يعطى الدنيا كلها مثلها، الدنيا ومثلها معها، كم سيتخيل الإنسان من النعيم؟ وليس هو من نعيم الدنيا، من نعيم الجنة، هذا من نعيم الجنة. فلا شك أنه نعيم عظيم، أنه نعيم عظيم. إذا كان هذا هو نعيم آخر أهل الجنة دخولا، فكيف بالسابقين؟ كيف بالسابقين الذين كانوا أهل سبق في فعل الخيرات، أهل التنافس في فعل الطاعات؟ فلا شك أن نعيمهم أعظم، وأن فضلهم وعطاءهم مضاعف. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة. والإمام القيم رحمه الله يقول في نونيته: «فالسابقون هم وقد كانوا هنا أيضا أولو سبق إلى الإحسان»، يعني هؤلاء أهل الجنة، أنعم الله عز وجل عليهم بهذا النعيم؛ بسبب سبقهم في فعل الخيرات، لما كانوا في الدنيا من السابقين والمسارعين، كانوا أيضا من السابقين في دخول الجنة، وفي نيل نعيم الله جل وعلا؛ بسبب سبقهم في دار الدنيا. طيب الله ثرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وآله وصحبه أجمعين.