الدرس في كتاب الإيمان 107، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ المقطع الأول بشرح حديث نبويا عن آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا، ويبين سند الحديث ومعانيه.
يشرح المقطع خروج أصحاب الكبائر من النار ودخولهم الجنة، ويرد على الخوارج والمعتزلة، ويصف نعيم أدنى أهل الجنة.
يتحدث عن جزاء الطائعين والمجاهدين، ويبين أن جزاءهم أعظم من جزاء من يدخل النار ثم يخرج منها، ويذكر نعيم آخر أهل النار خروجا.
يذكر رواية أخرى أطول سيتم تناولها في الدرس القادم، ويختم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إماما مصر، الحافظ أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عثمان بن أبي شيبة ثقة، وهناك آخران أو أخوان له، من هما؟ كثيرا ما يمر معنا ذكر أخيه، أكثر من عثمان، من هو؟ عبد الله بن محمد، أبو بكر، أبو بكر بن أبي شيبة، يكثر ذكره أكثر من عثمان. نعم، هناك ثالث، وهو سلمان بن أبي شيبة، وفيه ضعف. قال: وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أبو يعقوب، وهو المشهور بإسحاق بن راهويه، أحد الأئمة. قال فيه وهب بن جرير: جزى الله إسحاق بن راهويه عن الإسلام خيرا. قال وهب بن جرير: جزى الله إسحاق بن راهويه عن الإسلام خيرا. وقال فيه الإمام أحمد رحمه الله: إسحاق إمام من أئمة المسلمين، إسحاق، إسحاق إمام من أئمة المسلمين. وهذا قال فيه الإمام النسائي رحمه الله: أحد الأئمة. قال في إسحاق: أحد الأئمة. بل قيل فيه، كما قال نعيم بن حماد الخزاعي: قال نعيم بن حماد: من تكلم في إسحاق فاتهمه في دينه. قال نعيم بن حماد: إذا رأيت الخرساني يتكلم في إسحاق فاتهمه في دينه. وكان إماما حافظا، ذكر بعض السلف أنه حدث بأحد عشر ألف حديث، حدث بأحد عشر ألف حديث، ثم عادها فما زاد فيها ولا نقص، حدث بأحد عشر ألف حديث، طبعا من حفظه، ثم أعادها فما زاد فيها ولا نقص، وهذا يدل على قوة حفظه. حتى أن الإمام أبو حاتم قال: ليس العجب في حفظه، ولكن العجب في إتقانه وسلامته من الغلط، العجب في إتقانه وسلامته من الغلط. قال كلاهما عن جرير، قال عثمان: حدثنا جرير، وهم العبد الحميد، عن منصور، وهم المعتمر، عن إبراهيم، وهو النخعي، عن عبيدة، وهو السلماني، عبيدة من عمر السلماني، يعد من المخضرمين، أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، ولم ير النبي عليه الصلاة والسلام. وهو من أصحاب عبد الله وعلي، عبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وكان من فقهاء أهل الكوفة. قال عن عبد الله بن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها، أي من النار، وآخر أهل الجنة دخولا الجنة، رجل يخرج من النار حبوا». فيقول الله تبارك وتعالى له: «اذهب فادخل الجنة»، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع، فيقول: يا رب وجدتها ملأى. فيقول الله تبارك وتعالى له: «اذهب فادخل الجنة». قال: فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع، فيقول: يا رب وجدتها ملأى. فيقول الله له: «اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها»، أو «إن لك عشرة أمثال الدنيا». قال: فيقول: أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك؟ قال: «لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه». قال: فكان يقال: ذاك أدنى أهل الجنة منزلة. هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن آخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا الجنة. فقال عليه الصلاة والسلام: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها»، أي من النار. وقوله: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها»، هذا فيه دليل على خروج أصحاب الكبائر من النار، وأن صاحب الكبيرة ليس بكافر، صاحب الكبيرة ليس بكافر، لكنه ناقص الإيمان، ناقص الإيمان. فلذلك عقبه الله جل وعلا فأدخله النار، ولا بد أن يخرج منها بشفاعة الله جل وعلا، أو شفاعة أهل الإيمان، أو الأنبياء، فلا يخلد فيها. لو كان كافرا لما خرج منها، فالكافر يخلد في النار، لا يخرج منها أبدا. أما صاحب الكبيرة، لكونه ليس بكافر، فإنه يخرج. هذا فيه رد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بالكبيرة. قال: «وآخر أهل الجنة دخولا للجنة، رجل يخرج من النار حبوا»، يخرج من النار حبوا، يعني زحفا، يزحف، يخرج، هو يزحف، والزحف معروف، المشي على اليدين وركبتيه. وهذا يعني يحصل للإنسان، ولو كان كبيرا، إذا كان في تعب وضعف، رغم ما يستطيع أن يقوم من شدة التعب، فيزحف، أو يريد أن يتحرك من شيء وهو تعبان وضعيف، فيبتعد بالزحف على اليدين والركبتين. قال: «يخرج من النار حبوا»، فيقول الله تبارك وتعالى له: «اذهب فادخل الجنة». وهذا فيه دليل على إثبات صفة الكلام لله جل وعلا، وأن الله جل وعلا يتكلم بكلام يسمع، يتكلم بكلام يسمع. فكلامه جل وعلا ماذا؟ بصوت وحرف، وهو يليق بجلال الله جل وعلا، كسائر صفاته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. والكلام من الصفات الفعلية والذاتية، نعم، ذاتية؛ لأنها متعلقة بالذات، وفعلية؛ لأنها متعلقة بالمشيئة، يتكلم متى شاء، وفي أي وقت شاء. والقول نوع من أنواع الكلام، نوع من أنواع الكلام. قال: فيقول الله تبارك وتعالى له: «اذهب فادخل الجنة»، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، وهي ليست ملأى، يخيل إليه، يظن أنها ملأى، وأنه لا يعني مجال فيها لأن يسكن فيها، فيرجع، فيقول: يا رب وجدتها ملأى. فيقول الله تبارك وتعالى له: «اذهب فادخل الجنة». قال: فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع، فيقول: يا رب وجدتها ملأى. فيقول الله له: «اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها»، أو «إن لك عشرة أمثال الدنيا»، يعني: ادخل الجنة، ولك مثل الدنيا وعشرة أمثال الدنيا. فلهذا لما يسمع هذا الكلام، وهو يعني قد خرج من آخر الناس خروجا من النار، يزحف زحفا، وآخر من يدخل الجنة، فلا يكاد يصدق أنه سيعطى مثل هذا النعيم، مثل الدنيا وعشرة أمثالها. فلهذا يقول: «أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك»، يعني: أنت رب العالمين وملك الملوك، كأنه يقول: السخرية ليست من صفاتك. وهذا قاله؛ لأنه يعني رأى أنه ما يستحق هذا الجزاء، وهذا النعيم، وأنه ليس أهل له، فكأنه يعني تعجب: كيف يقال له ذلك، ويعطى هذا النعيم؟ فقال: تسخر بي وأنت رب العالمين، وأنت الملك، وليست السخرية من صفاتك. فقال: أو تضحك بي وأنت الملك. قال: «لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه». قال: فكان يقال: ذاك أدنى أهل الجنة منزلة، أدنى أهل الجنة منزلة. إذا كان هذا أدناهم، ويعطى عشرة أمثال الدنيا، فكيف بمن هو أعلى منه؟ كيف بالسابقين؟ كيف بالمجاهدين لأنفسهم والمجاهدين في سبيل الله؟ كيف بالطائع لله جل وعلا، المستقيم على أمر الله، المحافظ على الواجبات، والمبتعد عن المحرمات؟ كيف تكون منازلهم؟ وكيف يكون عطاؤهم؟ وكيف يكون جزاؤهم؟ لا شك أنه أعظم. إذا كان هذا ممن دخل النار، واستحق دخول النار بذنوبه ومعاصيه، يخرجه الله جل وعلا، ثم يدخله الجنة، ويعطيه الدنيا عشرة أمثالها، فكيف بمن لم يدخل النار من أصله، بسبب أعماله الصالحة، وطاعاته، وقرباته؟ لا شك أن جزاءه وأجره ونعيمه أعظم وأشد. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، ويبعدنا عن النار. قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، ما اسم أبي كريب؟ محمد بن العلاء. قال: واللفظ لأبي كريب. قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، ما اسم الأعمش؟ السليمان بن مهران. والأعمش كان من المقرئين بالقرآن، بل كان يلقب بماذا؟ بالمصحف. كان يلقب بالمصحف لقوة حفظه. وكان يقول: لولا العلم لقذرني الناس، بسبب العمش الذي في عينه، لولا العلم لقذرني الناس. قال: عن إبراهيم، هو النخعي، عن عبيدة، وهو السلماني، عن عبد الله، ابن مسعود. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار، رجل يخرج منها زحفا، فيقال له: انطلق فادخل الجنة». قال: فيذهب فيدخل الجنة، فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم. فيقال له: تمنى. فيتمنى. فيقال له: لك الذي تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا. قال: فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه. وهذا نحو الرواية التي قبلها، في بيان آخر أهل النار خروجا من النار. وفيه هنا أن الله عز وجل يقول له: «تمنى»، يعني: تمنى الذي تريد من النعيم. وهذا القول، لو قيل لك: تمنى، طيب، لو كان من بعض ملوك الدنيا، وقال لك: تمنى، أنت تعرف أنه عنده أموال، وعنده كنوز، وعنده يعني شيء كثير من متاع الدنيا، مما لا يخطر على بالك شيء مما تشتهي نفسك إلا وذكرته. فكيف إذا كان القائل لذلك هو رب العالمين سبحانه، وملك الملوك، والذي بيده خزائن السماوات والأرض، وأكرم الأكرمين جل وعلا، يقول لعبده: تمنى؟ قال: فيتمنى. فيقال له: لك الذي تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا، زيادة. لك الذي تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا. قال: فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه. وسيأتي في الروايات التي بعدها سبب ضحك النبي عليه الصلاة والسلام، أن رب العزة جل وعلا يضحك. فضحك النبي عليه الصلاة والسلام حتى بدت نواجذه، النواجد هي الأنياب، هذه الأنياب هي المرادة بالنواجد في هذا الموضع، يعني: من شدة ضحك النبي عليه الصلاة والسلام، بدت نواجذه. وإلى الغالب في استعمال النواجد، كما ذكر أهل اللغة، يراد بها الأضراس، لكن في هذا الموضع المراد بها الأنياب. وكان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا ضحك تبسم، إذا ضحك تبسم، لكن هنا فيه زيادة، زيادة في الضحك، حتى بدت أنيابه. ثم ذكر بعضهم أيضا رواية أخرى أطول من هاتين الروايتين، نتركها إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله. إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.