الدرس في كتاب الإيمان 118، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
النبي ﷺ له فضل كبير في الشفاعة يوم القيامة، حيث إنه أول من يشفع في الجنة وأكثر الأنبياء تبعًا. هذا يدل على عظيم فضله على سائر الأنبياء.
النبي ﷺ هو أول من يقرع باب الجنة وأكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، مما يدل على فضل أمته على الأمم السابقة بكثرة من آمن به وصدقه.
أمة الإسلام لها فضل كبير حيث إنها آخر الأمم بعثًا وأولها دخولًا للجنة، كما أن النبي ﷺ يشرح معنى "بك أمرت" وأنه يعني التخصيص لا القسم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهو ابن طريف بن جميل، أبو رجاء البغلاني. قالوا: إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن إسحاق بن إبراهيم بن رهويه. نعم، الحمد لله، أبو رجاء. قال قتيبة: حدثنا جرير، عن المختار بن فلفل. المختار بن فلفل صدوق، له أوهام. فروايته في الصحيح صحيحة؛ لأنها تعتبر من غير أوهامه. وأما في خارج الصحيح، فينظر: إذا كانت هذه الرواية التي رواها ليست من أوهامه، فهي صحيحة. وإن كانت من أوهامه، فإنها يتوقف فيها. ويعرف ذلك بتنصيص العلماء، أن ينص أحد أهل العلم على أن هذه الرواية من أوهامه. قال: عن أنس بن مالك، وهو الأنصاري خادم رسول الله ﷺ. وهناك ثلاثة آخرون ممن يسمون بأنس بن مالك. فمن هم؟ من أنس بن مالك الكعبي، أنس بن مالك الكعبي، وأنَس بن مالك الصيرفي، من أهل البصرة، وأنَس بن مالك والد مالك بن أنس إمام دار الهجرة. والرابع: أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ. قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا». فهذا الحديث فيه فضيلة النبي ﷺ، وما فضله الله به من الشفاعة العظمى في الموقف يوم القيامة، حين يتبرأ الأنبياء، كل يقول: نفسه، نفسي، فيشفع النبي ﷺ، فيكون أول شافع في ذلك الموقف، وهو المقام المحمود الذي وعده الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. وهو أول من يشفع في الجنة، يعني في دخول أهل الجنة الجنة. أول من يشفع النبي ﷺ. وسيأتي في الأحاديث: أنه أول من يقرع باب الجنة، وأول من يستفتح له الجنة، وأول من يدخل الجنة. قال: «وأنا أكثر الأنبياء تبعًا»، يعني: أن أمته تكون أكثر الأمم، والمؤمنون به والمتبعون له أكثر من الأمم السابقة بالنسبة لأنبيائهم. وبحديث ابن عباس -وبعده تأتي موسى- بعد النبي ﷺ، موسى، بحديث ابن عباس، قال النبي ﷺ: «فرفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه. ثم رفع لي سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». الحديث. قال: وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن مختار بن فلفل، عن أنس بن مالك، قال: أين مروان؟ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة». في هذه الرواية بيّن نبي ﷺ أنه أول من يقرع باب الجنة. فيأتي، يستفتح عليه الصلاة والسلام، فيقول الخازن: من أنت؟ فيقول: محمد رسول الله. فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك. فهو أول من يقرع باب الجنة، وأول من يستفتح له الجنة. وهذا كله يدل على عظيم فضله عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء، فضله عليه الصلاة والسلام بفضائل كثيرة. ومن هذا الفضل: الشفاعة العظمى التي يتبرأ منها الأنبياء بذلك الموقف. وهكذا أيضًا: أنه أكثر الأنبياء تبعًا. وهكذا أيضًا: أنه أول من يقرع باب الجنة، وأول من يشفع في الجنة. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة -ما اسمه؟ أبي بكر بن أبي شيبة: عبد الله بن محمد بن إبراهيم- وهو من مشايخ البخاري ومسلم، وله أخوان: عثمان، وسلمان. نعم، ما حالهما؟ نعم، عثمان فقيه، أخرج له البخاري ومسلم. وسلمان ضعيف. قال: حدثنا حسين بن علي، قال: عن زائدة، عن المختار بن فلفل، قال: قال أنس بن مالك: قال النبي ﷺ: «أنا أول شفيع في الجنة، لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت. وإن من الأنبياء نبيًا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد». أنا أول شفيع في الجنة. لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، يعني: لم يصدق به ويؤمن به من الأنبياء أحد مثل النبي عليه الصلاة والسلام. فالذين صدقوا به وآمنوا به أكثر الأمم من الأمم السابقة. هذا معنى قوله: «لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت». وإن من الأنبياء نبيًا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد، يعني: يأتي يوم القيامة ومعه رجل واحد فقط، ما آمن به إلا رجل واحد. هذا فيه فضيلة هذه الأمة، فضيلة هذه الأمة: أنها آمنت بنبيها -يعني أكثر هذه الأمة أو كثير منها آمنت بنبيها- بخلاف الأمم السابقة؛ فهي أفضل الأمم بأنها -كما سمعنا- كثير منها آمن بنبيها وصدق واتبع. ولهذا يأتي النبي -كما قال النبي ﷺ بحديث ابن عباس-: يأتي النبي ومعه الرهط -يعني: الجماعة القليلة من الرجال- أو من القوم، ويأتي النبي ومعه الرجل والرجلان، ويأتي النبي وليس معه أحد، يبعث يوم القيامة وليس معه أحد. وهنا أخبر النبي ﷺ أنه يأتي نبي ما صدقه إلا رجل واحد. نوح عليه السلام مكذب في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ومع ذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. فترة طويلة أضعاف ما عاشه النبي ﷺ. النبي ﷺ عاش ثلاثًا وستين سنة، وأتباعه أكثر الأمم. ونوح عليه السلام ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما آمن معه إلا قليل. فهذا يدلنا على ما فضلت به هذه الأمة على سائر الأمم. وكما قال النبي ﷺ في هذه الأمة: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة»، آخر الأمم بعثًا، وأول الأمم دخولًا للجنة، هي أمة النبي عليه الصلاة والسلام، أمة الإسلام. قال: وحدثني عمر الناقد وزهير بن حرب، قالا: حدثنا هاشم بن القاسم -هو أبو النضر، كان مفخرة أهل بغداد- قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت -وهو البناني، البناني من أوثق الناس في أنس بن مالك- قال: عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح. فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك». عندكم هكذا: «بك أمرت لا أفتح»، أو «أن لا أفتح»: «بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك». هذا الحديث فيه ما ذكر سابقًا: أن النبي عليه الصلاة والسلام يأتي باب الجنة يوم القيامة -والمراد أحد أبوابها؛ لأن الجنة لها كم باب؟ ثمانية أبواب- الدليل مع أمر: أي شيء أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية. هذه زيادة في الترمذي، لكن في الصحيح، في صحيح مسلم: «من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء». هذا إذا استحضرتها عند كل وضوء، ما تنسى أبدًا. طيب، إذن ثمانية أبواب، والنبي ﷺ يأتي بابًا من هذه الأبواب فيقرعه يوم القيامة. قال: «فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟» يعني: يستفتح حتى يفتح له الباب. وهذا يدل على أن أبواب الجنة مغلقة، لكن متى تفتح؟ متى تفتح؟ قبل يوم القيامة، في رمضان، فإذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النيران. قال: «فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك». هل هذا قسم؟ من هذا القسم بالنبي ﷺ؟ ومعلوم أن الباء من أحرف القسم، تقول: والله، وتالله، وبالله. ها، ها، لا، موجه للنبي ﷺ. الخازن يخاطب النبي ﷺ، يقول: «بك أمرت»، «بك أمرت»، ها، بالله، الكاف للمخاطب، الكاف للمخاطب، والمخاطب به النبي ﷺ. لا، هنا ليس بقسم، «بك أمرت»، يعني: لك أمرت. طيب، ليس المراد منه القسم، «بك أمرت»، يعني: لك أمرت. نعم، قال: فيقول: «بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك»، لك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك.