كتاب الطهارة 13

كتاب الطهارة 13

الدرس في كتاب الطهارة 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام إعفاء اللحية ومخالفة الكفار

النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإعفاء اللحية وقص الشوارب، وهذا أمر واجب على المسلمين اتباعه ومخالفة الكفار فيه. الكثير من المسلمين اليوم يخالفون هذه السنة ويتشبهون بالكفار.

أهمية إعفاء اللحية وعدم الاكتراث بكلام الناس

إعفاء اللحية سنة الأنبياء وخصلة من خصال الفطرة، ويجب عدم الاكتراث بكلام الناس عند اتباع سنة النبي. رضا الله هو الغاية الأساسية التي يجب أن يسعى إليها المسلم.

خصال الفطرة وشرح حديث عائشة وختامه

حديث عائشة يذكر خصال الفطرة مثل إعفاء اللحية، السواك، استنشاق الماء، وقص الأظفار. هذه الخصال من السنة والدين وقد تتجاوز العدد المذكور.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، وهو أبو موسى العنزي، قال: حدثنا يحيى، يعني ابن سعيد. وحدثنا ابن نمير، وهو عبد الله بن محمد، قال: حدثنا أبي، جميعًا، عن عبيد الله، عن نافع، مولى ابن عمر، عن ابن عمر، وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما، أحد السبعة الذين رووا فوق الألف من الحديث. من يذكرهم؟ بعضهم: أبو هريرة، يليه ابن عمر، وأنس، والخدري، وجابر، وزوجة النبي. فابن عمر أحد هؤلاء السبعة الذين رووا فوق الألف من الحديث عن النبي، عليه الصلاة والسلام. قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى». قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهو ابن طريف بن جميل، أبو رجاء البغلاني، قال: عن مالك بن أنس، وهو مالك بن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة، صاحب المذهب، مذهب المالكية، وهو إمام هذا المذهب، كان رحمه الله إمامًا في السنة وفي الحديث، قال: عن أبي بكر بن نافع، وهو العدوي، مولى ابن عمر، عن أبيه، وهو نافع، مولى ابن عمر، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحية. قال: وحدثنا سهل بن عثمان، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد، قال: حدثنا نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى». قال رحمه الله: وحدثني أبو بكر بن إسحاق، قال: أخبرنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس». هذه الأحاديث فيها أمر النبي، عليه الصلاة والسلام، بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحية. «أحفوا الشوارب» معناه: خذوا ما زاد منها، أو ما طال منها، وهو ما نزل على الشفتين العليا، فإنه يقص ويزال. هذا معنى إحفاء الشوارب، وهو أخذ وقص ما زاد من الشوارب. «وأعفوا اللحى» أي: اتركوها، وعدم أخذ شيء منها. وفي اللفظ الآخر: «أوفوا اللحى»، «أوفوا» و«أعفوا» و«أرخوا» كله معنى واحد، بمعنى ترك اللحية وعدم أخذ شيء منها. هذا هو القول الصحيح: أن اللحية تترك، لا يأخذ منها شيء، لا من طولها ولا عرضها، ولا تمس كما خلقها الله سبحانه وتعالى. فالنبي، عليه الصلاة والسلام، أمر بإطلاقها وعدم أخذ شيء منها. «أعفوا اللحى»، «أوفوا اللحى»، «أرخوا اللحى»، هذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، فيجب تركها وعدم أخذ شيء منها. وأما الشوارب، فإنها تقص وتقصر، ويأخذ الزائد على الشفتين. وإن خففت كذلك، لا بأس، لكن لا يزيلها بالكلية، فهذا خلاف الأفضل. إذن، السنة إعفاء اللحية، وقص الشوارب، هذه سنة النبي، عليه الصلاة والسلام، وهذا هديه، عليه الصلاة والسلام، مخالفة للكفار من المشركين والمجوس. بحيث قال ابن عمر: «خالفوا المشركين»، وفي حديث أبي هريرة: «خالفوا المجوس». إذن، هذا هو فعل الكفار: أنهم يقصون لحاهم، ويربون الشوارب. وللأسف أن كثيرًا من المسلمين اليوم أصبحوا يتشبهون بالكفار، خالفوا سنة نبيهم، عليه الصلاة والسلام، وخالفوا أمره، وخالفوا هديه، وتشبهوا بالمشركين والمجوس. فتجد الكثير منهم من يحلق لحيته ويزيلها، ومن يبقي شواربه. وهذا خلاف الفطرة، وخلاف هدي النبي، عليه الصلاة والسلام. وأصبح من يعفي لحيته يقال له: إنه مطوع، أو إنه ممن التزم، أو شيء من هذه العبارات، وكأنهم هم غير ملزمين بذلك، مع أن هذا أمر يجب على كل مسلم أن يطيع نبيه، عليه الصلاة والسلام، في ذلك. وما الذي يمنعهم أن يقوموا بهذا الأمر؟ ربما بعضهم يقول: هذه سنة، إعفاء اللحية سنة. طيب، هب أنها سنة، أليس اتباع سنة النبي، عليه الصلاة والسلام، أمر مطلوب؟ ألست تدعي محبة النبي، عليه الصلاة والسلام؟ طيب، كيف تدعي المحبة وأنت لا تتابع سنته ولا تتابع هديه؟ هذا إذا قلنا بأنها سنة، فكيف إذا كانت سنة واجبة، قد جاء فيها الأمر، وأمر بها النبي، عليه الصلاة والسلام؟ بل هي سنة الأنبياء، هذا هدي الأنبياء جميعًا. قال الله عز وجل عن هارون، حين قال موسى: «لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي». إذا الأنبياء كانوا يرخون لحاهم، هذا هدي الأنبياء وسنة الأنبياء. فكيف أنت تخالف هذه السنة، ثم تتشبه بالمشركين، وتحتج بأنها سنة؟ هذه ليست بحجة أن تترك ما أمر به النبي، عليه الصلاة والسلام. لكن ربما البعض يقول: إذا أطلقت لحيتي، سيقولون: فلان أصبح مطوعًا، فلان أصبح كذا. طيب، الحمد لله، نعمة كبيرة أن تكون من أهل السنة. ماذا يضرك لو قالوا ذلك، وأنت تفعل شيئًا تتقرب به إلى الله، وترضي به الله سبحانه وتعالى؟ ما يضرك كلام الناس، فليقولوا ما قالوا، إذا أنت أرضيت ربك. هذه الغاية التي ينبغي أن تحرص عليها، أما رضا الناس، فإنها غاية لا تدرك، وليس أمرًا مقصودًا ولا مطلوبًا. الذي ينبغي أن تنظر إلى رضا ربك، أن ترضي ربك، ولو سخط الناس. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أرضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أسخط الله برضا الناس، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس». أنت إذا أرضيت الله جل وعلا، رضي الله عنك، وهذه هي الغاية العظيمة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، هو رضا الله، أن يرضى الله سبحانه وتعالى عنك. وأما الناس، فلا تبالي بهم، إذا رضي الله عز وجل عنك، أرضى الله جل وعلا عنك الناس من أجلك، وبسبب حرصك على رضا الله. قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب. قتيبة بن سعيد وابن جميل، أبو رجاء البغلاني. وأبو بكر بن أبي شيبة اسمه عبد الله بن محمد بن إبراهيم، وأخواه عثمان والقاسم. عثمان ثقة من رجال البخاري ومسلم، والقاسم ضعيف. قال: وزهير بن حرب، وهو أبو خيثمة النسائي، قالوا: حدثنا وكيع، وهو من الجراح، عن زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، وهو من التابعين، قال: عن عبد الله بن الزبير، وهو عبد الله بن الزبير بن العوام، من صغار الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، عن عائشة، وهي بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، وهي زوج رسول الله، عليه الصلاة والسلام، التي برأها الله عز وجل من فوق سبع سماوات مما رماها به أهل الإفك والبهتان، قال: عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء». قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة. زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء. قال: وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن مصعب بن شيبة، في هذا الإسناد مثله، غير أنه قال: قال أبي: ونسيت العاشرة. هذا الحديث حديث عائشة، رضي الله عنها، أن النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: «عشر من الفطرة». مر معنا في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خمس من الفطرة»، أو «من الفطرة خمس». وبين هذين الحديثين تعارض. في حديث أبي هريرة قال: «خمس من الفطرة»، وفي حديث عائشة قال: «عشر من الفطرة». ها، ليس بتعارض. كيف نجمع بينهما؟ مفهوم العدد لا يدل على الحصر. فقوله: «خمس من الفطرة» لا يدل على أن خصال الفطرة هذه الخمس فقط، لا ينفي الزيادة. كما هو مقرر عند الأصوليين: إذا قوله: «خمس من الفطرة» ليس معناه أنه ليس هناك خصال أخرى من الفطرة، فهذه خمس، وهناك خصال أخرى. لا ينفي الزيادة. كذلك أيضًا أن ذكر الأقل لا ينافي ذكر الأكثر. على أن قوله: «من الفطرة» من التبعيض، يعني من بعض خصال الفطرة هذه الخمس. وهو أيضًا على أن الأصل في مفهوم العدد أنه لا يفيد الحصر. ثم اللفظ نفسه يدل على ذلك في قوله: «خمس من الفطرة»، أي من خصال الفطرة، هذه الخمس، أي هذه من بعضها، ولكن هذه كلها. قال: «قص الشارب» أمر، معنا الكلام على قص الشارب وإعفاء اللحية. نعم، هذه من الزيادات من خصال الفطرة في هذا الحديث. قوله: «وإعفاء اللحية»، فذكر النبي، عليه الصلاة والسلام، أن من الفطرة إعفاء اللحية، يعني تركها وعدم قصها وأخذ شيء منها، هذا من الفطرة. ومر معنا أن الفطرة فسرت بماذا؟ سنة. الفطرة في الحديثين أي من السنة. وقيل: من الدين. «خمس من الفطرة» أي خمس من الدين. فإذا إعفاء اللحية هذه من خصال الفطرة، من سنة النبي، عليه الصلاة والسلام، ومن دينه وشرعه. قال: «والسواك» كذلك أيضًا السواك من خصال الفطرة. ومر معنا ذكر شيء مما يتعلق بالسواك، لكن هنا ذكر السواك من خصال الفطرة، أي من سنة النبي، عليه الصلاة والسلام، التي ينبغي أن يحافظ عليها المسلم، وإن كانت يعني سنة مستحبة وليست بواجبة. قال: «واستنشاق الماء»، استنشاق الماء يعني إدخال الماء إلى داخل الأنف. هذا الاستنشاق، والاستنثار إخراج الماء من الأنف. وهنا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من خصال الفطرة استنشاق الماء. وهل هو واجب أو مستحب؟ مر الكلام على ذلك، وأن الراجح أن استنشاق الماء مستحب، إلا إذا استيقظ الإنسان من نومه وأراد الوضوء، حينئذ يجب أن يستنشق. قال: «وقص الأظفار»، مر على ذلك. وفي حديث أبي هريرة قال: «وغسل البراجم»، البراجم هي المواضع التي بين الأصابع. هذه تسمى البراجم، ما بين أصابع اليدين والقدمين. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسلها، لأنه ربما لا يصل إليها الماء، أو يتساهل في تركها لضيق المحل بين الأصابع، وخاصة من كانت أصابعه متقاربة. بعض الناس تكون أصابعه متقاربة، فالفتحة التي بين القدمين، بين الأصبعين تكون ضيقة. فمن هذا يتأكد عليه غسلها، وربما يجب عليه تخليلها، تخليل أصابع، إذا كان الماء لا يصل إلا بالتخليل، فحينئذ يجب عليه أن يخلل أصابعه. وأما إن كان الماء يصل من غير تخليل لمن كانت مثلا أصابعه واسعة، فهذا لا يجب في حقه التخليل، لكن يستحب. أما من كانت ضيقة، فعدم التخليل مضنة لعدم وصول الماء إلى ما بين الأصابع، فحينئذ يجب عليه أن يخلل أصابعه، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. لكن قوله: «وغسل البراجم»، أي غسلهم من الفطرة، وهو واجب في الوضوء، يجب غسل ما بين الأصابع، فيكون هذا الأمر للوجوب. قال: «ونتف الإبط» كذلك مر معنا الكلام عليه في حديث أبي هريرة. «و حلق العانة» كذلك. «وانتقاص الماء»، فسره وكيع بالاستنجاء، يعني أن الاستنجاء بعد قضاء الحاجة وبعد البول هذا من الفطرة. هذا من الفطرة، كونه يستنجي بعد أن يقضي بوله ويقضي حاجته، هذا من خصال الفطرة. ولأن الشريعة جاءت بالأمر بالطهارة والنظافة والتنزه عن النجاسات والأقذار، ومن ذلك الاستنجاء، أن الإنسان بعد أن يقضي حاجته لو لم يستنجي، أو بعد قضاء حاجته سيبقى أثر النجاسة فيه، ستبقى النجاسة في بدنه، سواء كان في القبل أو في الدبر، فلذلك كان إزالتها وتنظيف المحل، واستنجاؤه بالماء، أو كذلك بالحجارة والأحجار، هذا من خصال الفطرة. قال: قال مصعب: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة. يعني أن خصلة العاشرة المضمضة، والمضمضة إدخال الماء في الفم، ثم مجها. وهو أيضًا من يستحب في الوضوء مع الاستنشاق، وإن كان بعض العلماء يذهب إلى الوجوب، المضمضة والاستنشاق. إذن، هذه عشر من خصال الفطرة، الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة، وزيادة هنا: إعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وغسل البراجم، وانتقاص الماء، وكذلك أيضًا المضمضة. طيب، هذه ست زيادات على ما في حديث أبي هريرة. وذكر في هذا الحديث ما ذكر في حديث أبي هريرة: «قص الشارب»، و«قص الأظفار»، و«نتف الإبط»، و«حلق العانة». ولم يذكر الختان. وذكر في حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه. إذن، في حديثة عائشة ما ذكر في حديث أبي هريرة، ذكرت أحد عشر خصلة من خصال الفطرة. وهذا يمكن ما ذكرنا من أن خصال الفطرة غير محصورة بهذا العدد، بل قد تكون هناك أشياء أخرى، وأفعال أخرى هي أيضًا من خصال الفطرة، لكن هذه منها. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.