كتاب الحيض 3

كتاب الحيض 3

الدرس في كتاب الحيض 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف الإمام مالك وثناء العلماء عليه

الإمام مالك بن أنس شخصية إسلامية بارزة، ذكره الإمام الشافعي بحجة الله تعالى على خلقه بعد التابعين. تميز الإمام مالك بصبره وثباته في العلم.

أحكام الاعتكاف والحيض

أحكام الاعتكاف والحيض تشمل جواز إخراج جزء من الجسد خارج المسجد أثناء الاعتكاف، وجواز تلامس الحائض مع غير المحظور. كما توضح الأحاديث عن عائشة رضي الله عنها سلوك النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحالات.

حكم دخول الحائض إلى المسجد وتفسير الأحاديث ذات الصلة

هناك اختلاف بين العلماء حول حكم دخول الحائض إلى المسجد، حيث يستدل البعض بحديث النبي صلى الله عليه وسلم على المنع، بينما يرى آخرون عدم وجود دليل صحيح صريح يمنع الحائض من الدخول إذا تحفظت.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم الحجاج أبو الحسين بن يسابور القشيري رحمه الله بصحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي، قال: قرأت على مالك، وهو ابن أنس، مالك ابن أنس ابن مالك الأصبحي الحميري، إمام دار الهجرة، وهو له مكانة عظيمة في العلم والإمامة، وهو إمام في الحديث وفي الفقه وفي السنة. ومن جلالته رحمه الله أن روى عنه بعض مشايخه، كالإمام الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، من مشايخ الإمام مالك، وهم ممن روى عنه كذلك. وهو الإمام مالك رحمه الله من أثبت الناس في الزهري، كما ذكر ذلك الإمام أحمد وابن معين والإمام الشافعي رحمه الله. يقول: إذا جاء الأثر فمالك النجم. قال: ومالك وابن عيينه قرينان. وقال كذلك فيه الإمام الشافعي: مالك حجة الله تعالى على خلقه بعد التابعين. قال عن ابن شهاب، وهو الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وهو رحمه الله كذلك أيضا إمام. قال عن عروة ابن الزبير، عروة ابن الزبير ابن العوام، أحد الفقهاء السبعة، وهو من أثبت الناس في عائشة رضي الله عنها. عروة وعمرة والقاسم، عروة وعمرة بنت عبد الرحمن والقاسم ابن محمد، كما قال ابن عيينه رحمه الله. وكان يلقى بالصابر المحتسب. وصيبت رجله بداء يقال له الأكلة، فقيل له: لابد من قطعها. فقال: دعوني حتى أقرأ شيئا من القرآن. فلما استمر في القراءة قطعت. ثم أخبر أن أحد أبنائه سقط من سطح البيت فوقع تحت الدواب فبطئته. فقال رحمه الله: إن كنت أقال لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. اللهم إن كنت أخذت فقد أعطيت، وإن كنت ابتليت فقد عافيت. اللهم إن كنت أخذت فقد أعطيت، إن أخذت هذا الولد فقد أعطيت غيره، وإن كنت ابتليت بهذا البلاء فقد عافيت بغيره من العافية. وهذا من عظيم صبره رحمه الله. وكان يقول لأبنائه: هشام، هشام، كان يقول عروة لهم ولأخوته: كنا صغار قوم، ثم نحن اليوم كبارا، وأنتم اليوم صغار قوم، وستكونون غدا كبارا، فتعلموا العلم تسودوا به ويحتاجوا إليكم. فقال: هو الله ما سألني الناس حتى نسيت، يعني نسيت كثيرا من العلم. ومعنى هذا أنه يحثهم على الحرص على طلب العلم والاستمرار فيه، وأنهم إن كانوا في هذا الوقت صغارا لا يسألون، ولو التفت إليهم فسيأتي الوقت الذي يكونون فيه كبارا فيحتاج الناس إلى علمهم فيسألونهم، والتفهمون حولهم، فليهيئوا أنفسهم لمثل هذا اليوم. قال عن عمرة، وهي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وهي الأنصارية مدنية، كانت في حجر عائشة رضي الله عنها. وقبل هذا روت كثيرا عن عائشة، وهي من أثبت الناس فيها. قالت عن عائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان. قال: وحدثنا ختيبة بن سعيد، أو بن جميل بن الطريف أبو رجاء البغلاني. قال: حدثنا ليث، أو بن سعد. وحدثنا محمد بن رمح، وهو المهاجر التوجيبي، قال: أخبرنا الليث، وهو بن سعد أبو الحارث الفهمي، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن: أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: إن كنت لأدخل البيت للحاجة، والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة. وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا. وقال ابن رمح: إذا كانوا معتكفين. قال رحمه الله: وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، هارون بن سعيد الأيلي، وهو أبو جعفر نزيل مصر. قال: حدثنا ابن وهبة وعبد الله. قال: أخبرني عمر بن الحارث عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلي رأسه من المسجد وهو مجاور فأغسله وأنا حائض. قالوا: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي. قال: أخبرنا أبو خيثمة والنساء عن هشام بن عروة، وهو ابن عروة، قال: أخبرنا عروة عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه وأنا في حجرتي فأرجل رأسه وأنا حائض. قالوا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم. قال: حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن منصور، زائدة بن القدام عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي، عن الأسود، وكذلك النخعي، وهو خال إبراهيم، عن عائشة قالت: كنت أغسل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض. هذه الأحاديث أو هذا الحديث فيه كما ترون إخبار عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف، أي في المسجد، يدني رأسه إلى عائشة رضي الله عنها، وفي حجرتها، وكانت حجرتها ملاصقة بالمسجد، فيدخل رأسه عليه الصلاة والسلام إلى حجرتها وهو داخل المسجد، فترجله، يعني تمشط رأسه، وهو داخل المسجد، وهي حائض. وفي بعض الروايات أنها كانت تغسل رأسه، تغسله وترطفه وتمشطه، وهو في المسجد. وهذا فيه أن مثل هذا لا يمنع أن تفعله الحائض، أن مثل هذا لا يتمتنع منه الحائض، تغسل رأس زوجها وترجله، فهذا لا بأس به. وفيه أيضا أن إخراج المعتكف لشيء من بدنه لا يعتبر بذلك قد خرج من المسجد، إذا أخرج يده أو أخرج رأسه أو أخرج إحدى قدميه، لا يكون بهذا قد خرج من المسجد. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل رأسه إلى حجرة عائشة وهو داخل المسجد معتكف، ولا يعتبر بهذا قد خرج من المسجد. وقولها: إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة، يعني إذا كانت معتكفة. فالمعتكف لا يدخل البيت إلا للحاجة، يدخل إذا كان معتكف واحتاج إلى أن يخرج إلى بيته لحاجة، كطعام إن لم يكن هناك طعام في المسجد أو من يأتيه به، فلا بأس أن يذهب ويخرج ويذهب إلى البيت يأكل ثم يرجع، أو أراد قضاء حاجته كالذهاب إلى الخلاء إذا لم يكن هناك مكان معد لقضاء الحاجة، هذا من الحاجة. يخرج ويقضي حاجته ثم يرجع. فإذا دخل البيت وفي البيت شخص مريض، فإنه ما يدخل ويجلس معه ويتحدث معه، يقضي حاجته ويسأل عنه وهو مار بطريقه، وهو مار بطريقه. قالت: إن كان رسول الله يدني إلي رأسه وأنا في حجرتي فأرجل رأسه وأنا حائض. قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، وهو محمد بن العلاء. قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، عن ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد، ابن أبي بكر الصديق، وهو أحد فقهاء السبعة، ومن أثبت الناس في عائشة، هو من القاسم، ومن عروة وعمرة والقاسم، من قال هذا ابن عيينة. قاله ابن عيينة قال: قالت عائشة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: فقلت إني حائض. قال: إن حائضتك ليست في يدك. قال: وحدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائد عن حجاج، وابن أبي غنية عن ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أناوله الخمرة من المسجد. فقلت: إني حائض. قال: تناوليها فإن الحائضة ليست في يدك. قال: وحدثني زهير بن حرب، هو أبو خيثمة النشائي. قال: وأبو كامل ومحمد بن حاتم، كلهم عن يحيى بن سعيد. قال زهير: حدثنا يحيى عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقال: يا عائشة ناوليني الثوب. فقالت: إني حائض. قال: إن حيضتك ليست في يدك. فناولته. هذا الحديث تقول عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ناوليني الخمرة، والخمرة هو عبارة عن شيء يصنع من القماش أو من الحصير من الخوص، يستعمل للصلاة عليه كالسجادة. وبعضهم قال: إن الخمرة خاصة بما يسجد عليه، ما أخذ من التخمير، وهو التغطية، فيتغطى الرأس عند السجود. ومنه الخمار، خمار المرأة، لأنه يغطي جسدها. وهكذا الخمر، لأنه يزيل العقل ويغطي على العقل. فقالوا: الخمرة ما يسجد عليه ويكون على جهة الوجه. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: قلت إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك، يعني أن الحيض ليس في يدك، يدك ليس فيها شيء من الحيض، فلا مانع أن تدخل أو تدخل يدك إلى المسجد. ويبين أن المراد أنها تدخل يدها إلى المسجد الرواية الأخيرة. قال: بينما رسول الله في المسجد، يعني النبي صلى الله عليه وسلم داخل المسجد، قال: يا عائشة ناوليني الثوب. فقالت: إني حائض. قال: إن حيضتك ليست في يدك، يعني لا مانع أن تدخل يدك إلى المسجد ولو كنت حائضا. وهذا فيه جواز إدخال الحائض يدها إلى المسجد، وأن هذا لا تمتنع منه. وكذلك أيضا مناولتها للشيء، مناولتها للشيء الذي ربما قد يصلى عليه يعتبر طاهرا، لأنها طاهرة، يدها طاهرة، وحيضتها ليست في يدها. وأراد الإمام مسلم رحمه الله من هذا أن الحائض لا بأس أن تأخذ السجادة أو تناول زوجها شيئا، وأن ذلك طاهر وليس فيه شيء من النجاسة. وبعض أهل العلم استدلوا بهذا الحديث على أن الحائض لا تدخل المسجد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: ناوليني الخمرة، قالت: إني حائض، يعني كأنها تقول: كيف أدخل المسجد وأنا حائض؟ وما أنكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم قولها ذلك. ثم قال لها: حائضتك ليست في يدك، يعني أنت ستدخلين يدك فقط. قالوا: إذن يستدل بهذا على أن الحائض لا تدخل المسجد، كما هو قول جمهور أهل العلم في عدم دخول الحائض إلى المسجد. وهذا الحديث ليس بصريح فيه المنع، وإن كان فيه شيء أو قد يستدل به من حيث معنى الحديث، لكنه ليس بصريح. وهناك ما هو صريح بعدم دخول الحائض إلى المسجد، لكنه لا يصح، كحديث: إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب. هذا الحديث صريح في المنع، لكنه ضعيف. وهذا الحديث الذي عندنا صحيح، لكنه ليس بصريح. وهناك حديث صريح وهو صحيح، وهو يدل على أن لا مانع من دخول المرأة إلى المسجد، ولو كانت حائضا، وهو حديث المرأة التي كانت تقوم وتنظف المسجد، وكان لها خباء في المسجد. والحديث الصحيح. وهذه المرأة كانت تسكن في هذا الخباء، ومعلوم أن المرأة يأتيها الحيض، ومع ذلك لم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرها بالخروج في وقت حيضها. وعلى كل، فالمرأة إذا احتاجت إلى الدخول إلى المسجد لأجل دراسة أو شيء من ذلك، فإنها تتحفظ قدر المستطاع. وإن علمت أو غلب على ظنها أنها ستلوث المسجد، فإنها لا تدخل. فإن كانت الدم قليل أو قارب على الانقطاع أو نحو ذلك، وأمنت من تلويث المسجد، فإنه لا بأس بدخولها لعدم وجود دليل صحيح صريح يدل على المنع. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.