الدرس في كتاب الصلاة 105، ألقاها
اختلف العلماء في حكم صلاة الجمعة لمن صلى العيد، واستدلوا بأحاديث نبوية مختلفة في ذلك. وتباينت آراؤهم بين الإجزاء وعدمه.
خطبة العيدين سنة مستحبة بعد الصلاة، وتكون خطبة واحدة يخطبها الإمام وهو قائم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة. وهناك خلاف حول عدد الخطبتين.
هناك خلاف حول عدد خطب صلاة العيد، وذكر أن التهنئة بعد الصلاة كانت من عادة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا يقولون "تقبل الله منا ومنك".
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فقد تقدمت معنا في الدرس أو في الدروس الماضية جملة من مسائل أحكام العيدين، فمواصلة لهذه الأحكام المتعلقة بالعيدين نذكر هذه المسألة، وقد ذكرناها في الدرس الماضي، ولكن نذكرها اليوم مرة أخرى لزيادة بيان وتوضيح لهذه المسألة. المسألة الثالثة والعشرون: إذا اجتمع في يوم عيد وجمعة، هل يجزئ العيد عن الجمعة؟ قلنا: قال مالك، أو فقال قوم: يجزئ العيد عن الجمعة، وليس عليه في ذلك اليوم إلا صلاة العصر، وبه قال عطاء، وروي عن ابن الزبير -أي عن عبد الله بن الزبير- وعن علي رضي الله عنهما. وهكذا روي بالصلاة التمريض. وقال قوم: هذه رخصة لأهل البوادي الذين يريدون الأمصار للعيد والجمعة خاصة، كما روي عن عثمان أنه خطب في يوم عيد وجمعة، فقال: من أحب من أهل العالي أن ينتظر الجمعة فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فليرجع، رواه مالك في الموطأ. وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال الشافعي، ورجحه ابن عبد البر، رحم الله الجميع. القول الأول -كما ترون- أن فيه أن من صلى العيد فإن الصلاة يوم الجمعة لا تصلى، لا ظهرًا ولا جمعة. والقول الثاني: أنها تصلى الجمعة وجوبًا، وكذلك يصلى العيد، وإنما هي رخصة لأهل البوادي الذين يأتون من مكان بعيد لشهود الجمعة، ففي حق هؤلاء سقط عنهم وجوب الجمعة. وأما في حق من كان قريبًا من المسجد، فإن في حقه الجمعة واجبة وليست برخصة. وقال مالك وأبو حنيفة: إذا اجتمع عيد وجمعة، فالمكلف مخاطب بهما جميعًا، العيد على أنه سنة، والجمعة على أنه فرض، ولا ينوب أحدهما عن الآخر. بمعنى أن هؤلاء يوجبون على الكل أن يصلي الجمعة وأن يصلي كذلك قبلها العيد، إلا أنهم فرقوا بين العيد والجمعة بأن صلاة العيد سنة مستحبة، وأن الجمعة واجبة وفرض. هذه أقوال ثلاثة. والقول الرابع: ذهب الشعب والنقع والأوزاع إلى أن الجمعة يسقط حضورها عن من صلى صلاة العيد، إلا الإمام، إلا الإمام، فإنه لا تسقط عنه إلا أن لا يجتمع له من يصلي به الجمعة واضحة جماعة. وهذا مذهب عمر وعثمان وسعيد، ومذهب عمر وعثمان، وكذلك ابن عمر وابن عباس وابن الزبير، ومن وافقهم من أهل العلم. هؤلاء -كما ترون- يقولون بأن الجمعة يسقط حضورها، وفرقوا بين أن يقال: يسقط حضورها، وبين أن يقال: أن يوم الجمعة لا يصلى شيئًا في الظهر، لا جمعة ولا ظهرًا واضحة جماعة. فمعنى قول هؤلاء أن الجمعة حضورها يكون جائزًا مشروعًا، من شاء حضرها وصحت منه الجمعة إذا صلاها، ومن لم يحضرها فإنه يصليها ظهرًا، حيث كان. استدل هؤلاء بما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: شهدت معاوية يسأل زيد بن أرقم: هل شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ عيدنا جماعة الجمعة، العيد والجمعة؟ قال: نعم. قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: «من شاء أن يصلي فليصل» واضح جماعة. وكذلك مما استدل به هؤلاء ما رواه الإمام أبو داود، أو جاء هذا اللفظ، جاء هذا الحديث كذلك رواه أحمد، أبو داود بلفظ: «من شاء أن يجمع فليجمع» واضح جماعة. في اللفظ الأول: «من شاء أن يصلي فليصل»، وفي اللفظ الآخر: «من شاء أن يجمع فليجمع». اللفظ الثاني أوضح، اللفظ الثاني أوضح في ماذا؟ في أن المراد: «من شاء أن يصلي فليصل» فيه قد يكون فيه نوع إجمال، لأن قائلًا قد يقول: «من شاء أن يصلي فليصل»، ومن شاء أن لا يصلي فماذا؟ لا يصلي يفوت عليه ماذا؟ الصلاة مطلقًا في ذلك الوقت في ذلك اليوم، أي يوم أن يجتمع العيد والجمعة واضحة جماعة. ولكن لفظ الإمام أحمد، وكذلك لفظ أبي داود، وهو الحديث هو هو، جاء لفظه: «من شاء أن يجمع فليجمع» واضحة جماعة. فمعنى الرخصة في ماذا؟ في التجميع لا في الصلاة في ذلك اليوم. وكذلك ما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه عن الجمعة، وإنا مجمعون» واضحة جماعة. لا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اجتمع في يومكم هذا عيدان»، ثم قال: «فمن شاء أجزأه عن الجمعة»، أي عن حضور الجمعة، ثم قال: «وإنا مجمعون»، رواه أبو داود وغيره، وهو صحيح، قد صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في صحيح أبي داود. ومن سقط عنه حضور جمعة فإنه يصلي ظهرًا واضح جماعة. وهذا القول أفتى به جماعة من علماء المعاصرين، منهم أفتت به اللجنة الدائمة برئاسة العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله، وكذا هو قول العلامة الألباني والعثيمين والوادعي من المعاصرين، رحمهم الله تعالى أجمعين. وهذا القول هو الصواب، وهذا القول هو الصواب لما ذكر من الأدلة في هذه المسألة تحت هذا القول. والله أعلى وأعلم. المسألة الرابعة والعشرون: حكم خطبة العيدين. خطبة العيدين سنة مستحبة بلا خلاف، ومن شاء سمعها ومن شاء انصرف. والأفضل سماع الذكر وحضوره، إذن خطبة العيد مستحبة باتفاق العلماء، حتى بعضهم الإجماع كما قاله الإمام ابن قدامة رحمه الله، ومنهم من قال: بلا خلاف، كما ذكر ذلك غير واحد، ومنهم العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار. المسألة الخامسة والعشرون: خطبة العيد بعد الصلاة. قال ابن قدامة: وجملته أن خطبتي العيد بعد الصلاة، فمسألة: إيش يا جماعة؟ خطبة العيد بعد الصلاة. قال ابن قدامة: وجملته أن خطبتي العيد بعد الصلاة لا نعلم فيه خلافًا بين المسلمين إلا عن بني أمية، إلا عن بني أمية، أي بني أمية هم الذين أول من صلوا أو أول من خطبوا قبل ماذا؟ قبل العيد. كما مر معنا في بداية ذكر المسائل المتعلقة أو الفوائد المتعلقة بالأحاديث، أحاديث الباب. قال رحمه الله: وروي عن عثمان وابن الزبير أنهما فعلا ماذا؟ قدم خطبة على الصلاة. قال: ولم يصح ذلك عنهما. قال: ولا يعتد بخطاب بني أمية، ولا يعتد بخطاب بني أمية؛ لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم، إجماع من؟ إجماع الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. كما جاء في حديث ابن عباس، وكذلك جاء في حديث ابن عمر: «كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يخطبون بعد ماذا؟ بعد الصلاة». فهذا نقل للإجماع في زمن أبي بكر وفي زمن عمر، وأيضًا في إخبار عن ماذا؟ عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه في هذه الصلاة. لذا قال ابن قدامة: قال: ولا يعتد بخطاب بني أمية؛ لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم، ومخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة. وقد أنكر عليهم، وقد أنكر عليهم وعد بدعة مخالفًا للسنة. المسألة السادسة والعشرون: وللعيد خطبة واحدة يخطبها الإمام وهو قائم، وعلى هذا دلت الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صحابته رضي الله عنهم. وإليه ذهب طائفة من العلماء. أحاديث صحيحة كما مر معنا في حديث جابر وحديث ابن عباس وحديث ابن عمر. وجاءت كما يقال طائفة من أحاديث تدل على هذا المعنى، تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس فيستقبل الناس في الخطبة ويخطبهم صلى الله عليه وسلم. فإذا قضى خطبته جاء في حديث جابر أنه ماذا؟ انطلق أو انصرف إلى النساء فوعظهن وذكرهن. فاستدل أهل العلم أو طائفة من أهل العلم بهذا الحديث على أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم خطبة واحدة. وكذلك ما جاء في حديث ابن عمر، وكذلك حديث ابن عباس وغيرهما رضي الله عنهما في قولهم: «كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العيد»، كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بعد ماذا؟ بعد صلاة العيد. أي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يخطب خطبة العيد إلا بعد ماذا؟ إلا بعد صلاة العيد. ولم يقول أحد منهم: «كانت خطبتي العيد بعد الصلاة»، لم يقول أحد أن خطبتي العيد كانت بعد الصلاة، بل كلهم يقولون بأنها خطبة، فهذا يدل على أنها خطبة واحدة. أما ما جاء في بعض الأحاديث أنه انطلق إلى النساء فوعظهن، فاستدل به أصحاب القول الثاني -كما سيأتي معنا- أن أكثر أهل العلم ذهب إلى أن الخطبة في العيدين على أنه خطبتان، على أنه خطبتان. وإلى هذا ذهب أو قالوا: خطبتان كخطبتي الجمعة، كخطبة الجمعة. واستدلوا على ذلك بأدلة ضعيفة، وقد ناقش أدلة هؤلاء العلامة الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الضعيفة برقم تسعة وثمانين وسبعمائة، وبيّن ضعفها وأنه لا يصح منها شيء. فما بقي لهؤلاء إلا القياس، قالوا: بأنها خطبتان كخطبتي الجمعة. المسألة السابعة والعشرون: أنه يخطب في العيد كما يخطب في الجمعة، فيبدأ بالحمد والثناء على الله تعالى، ويخطب الخطيب بما يناسب المقام. ففي عيد الفطر يخطب بما يناسب أحكام عيد الفطر، وما يحتاجه الناس من تذكير نعمة الله عز وجل عليهم بصيام رمضان ونحو ذلك. وفي عيد الأضحى استحب العلماء رحمهم الله تعالى أن تكون الخطبة إلى جانب التذكير والوعظ، أن يكون فيها تعليم أحكام الأضاحي والعيدين ونحوها. واستدلوا على ذلك بما جاء في حديث البراء، وفي خبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن أحكام الأضاحي، وأن من ذبح ذبيحته بعد صلاتنا هذه فإنها متقبلة، ومن لا فلا. قالوا: هذا يدل على أن الخطبة فيها تعليم أحكام الأضاحي. فالحاصل في هذه المسألة أنه يخطب في العيد كما يخطب في الجمعة، فيبدأ بماذا؟ بالحمد والثناء. لعموم الأحاديث في هذا الباب، من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح خطبه خطبه بماذا؟ بالحمد والثناء. وقيل: يبدأ بالتكبير. وقيل: يبدأ بالتكبير، أي أن الإمام في يوم العيد أنه يبدأ فيه يكبر الله أكبر. قال بعضهم: سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية. وقال غير ذلك. وصحيح أن هذا لا يثبت، وصحيح أن هذا التكبير لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه. فالأولى أيضًا في العيد أن يبدأ بماذا؟ أن يبدأ بالحمد مباشرة. وإن بدأ أحيانًا بالتكبير فلا بأس. بعضهم استدل بقول الله عز وجل: ﴿لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، استدل بعموم هذه الآية ونحوها على مشروعية التكبير. وهذه كذلك. والمسألة يسع فيها الخلاف. والله أعلى وأعلم. المسألة الثامنة والعشرون: لا بأس أن يقول المسلم لأخيه في العيد -هذا إذا فرغ من الصلاة- لا بأس أن يقول المسلم لأخيه في العيد: «تقبل الله منا ومنكم»، ونحوها مما كان في معناها. فقد روى البيهقي عن واسلة بن الأسقع هذا المعنى. وعن محمد بن زياد قال: «كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا رجعوا -أي انتهوا من صلاتهم- يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك». قال الإمام أحمد: إسناد جيد. والله أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وبهذا نكون انتهينا من أحكام صلاة العيدين. والله الموفق.