كتاب الحيض 5

كتاب الحيض 5

الدرس في كتاب الحيض 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حكم المذي وأحكام الطهارة منه

المذي سائل نجس يخرج عند التفكير في الجماع، ويوجب الوضوء دون الغسل. يجب غسل الذكر منه ويعتبر ناقضًا للوضوء.

تفاصيل غسل الذكر والوضوء من المذي

يشرح المقطع حكم غسل الذكر والوضوء من المذي، ويبين اختلاف آراء الفقهاء في غسل الذكر كله أو فقط الجزء المصاب. يشير إلى أدب التعامل مع الأصهار في مسائل تستحيي منها الشرع.

نقاش حول رواية النضح وتفسيرها

يناقش انتقاد رواية الحديث التي تشمل الأمر بالنضح، ويشكك في صحتها بسبب انتقاد سندها. يتم تفسير رواية النضح بحملها على الغسل استنادا إلى روايات أخرى أكثر صحة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أو عبد الله بن محمد، حدثنا وكيع، عن جراح وأبي معاوية، وهو هشيم، وهو ابن بشير السلمي، عن الأعمش وسليمان الأعمش، عن منذر بن يعلى، ويكنى أبا يعلى، وهو الثوري، عن ابن الحنفية، وهو محمد بن علي بن أبي طالب، ويقال له ابن الحنفية، والحنفية هي أمه خولة بنت جعفر بن قيس، قال: عن علي، وهو أبو طالب، رضي الله تعالى عنه، قال: كنت رجلًا مذاء، وكنت أستحيي أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم لما كان من ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ. قال: وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، وهو ابن عربي، أبو زكريا البصري، روى له الجماعة سوى البخاري، قال: حدثنا خالد، يعني ابن الحارث، وابن عبيد بن سليمان، أبو عثمان البصري، قال: حدثنا شعبة وابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، قال: أخبرني سليمان الأعمش، قال: سمعت منذرًا، وهو ابن يعلى، عن محمد بن علي، عن علي، أنه قال: استحييت أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي من أجل فاطمة، فأمرت المقداد فسأله، فقال: منه الوضوء. قال: حدثني هارون بن سعيد الأيلي وأحمد بن عيسى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة، عن أبي بكر بن أبي كير، عن أبيه - ولم يسمع منه، لكن رواه من كتابه - قال: عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، قال: قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: أرسلنا المقداد بن الأسود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن المذي يخرج من الإنسان، كيف يفعل به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: توضأ، توضأ، وانضح فرجك. هذا حديث المقداد، حديث علي، رضي الله عنه، في سؤاله أو إرساله لمن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن المذي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يغسل ذكره ويتوضأ. المذي هو ما يرشق ويخرج من الإنسان عند التفكير بأمر النساء أو بالجماع، وكذلك أيضًا يخرج عند المداعبة، مداعبة الرجل لأهله بالغمز والتقبيل ونحو ذلك، فيخرج هذا الماء، يقال له المذي. وهذا المذي يعتبر نجسًا، يعتبر نجسًا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالوضوء منه وبغسله، أمر بالوضوء منه وبغسله، قال: يغسل ذكره ويتوضأ، إذن معنى هذا أنه يوجب الوضوء، واعتبر ناقضًا من نواقض الوضوء. وكل ما يخرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء، سواء كان من القبل أو الدبر، من بول أو غائط أو مذي أو ودي أو مني، فكل هذه الأشياء تنقض الوضوء، ومنها المذي. وهل يوجب الغسل؟ الجواب: لا، لا يوجب الغسل بإجماع أهل العلم، وإنما يوجب الوضوء؛ لهذا الحديث: يغسل ذكره ويتوضأ. وأيضًا فيه كذلك الأمر بغسل الذكر من نزول المذي، قال: يغسل ذكره، وذكره مفرد مضاف، فيفيد العموم، أي عموم غسل الذكر كله. وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: اغسل ذكرك وتوضأ، إذن يغسل الذكر من المذي. وإن كان بعض أهل العلم يرى أنه لا يلزم غسل جميع الذكر، وإنما المراد غسل ما أصاب المذي منه، غسل ما أصاب المذي منه، وهذا قول الجمهور، وكذلك أيضًا قول الإمام الشافعي، كما أشار الإمام النووي رحمه الله. وذهب الإمام مالك وأحمد إلى غسل جميع الذكر، وهذا أظهر؛ لظاهر النص: يغسل ذكره، فهذا يشمل الذكر كله، وهذا أولى؛ أولًا بالعمل بالعموم الذي يدل عليه ظاهر هذا الحديث، وكذلك أيضًا هو أحوط؛ من حيث أن المذي ربما يقع في موضع آخر من الذكر أو شيء من ذلك، قد يصيب مثل الموضع من فخذه، ثم يصيب شيء من ذكره، فلهذا الأسلم أن يغسله كله. قال: يغسل ذكره ويتوضأ. وما أصاب الخصيتين أو الفخذ، هل يجب غسل الخصيتين؟ الجواب: إذا أصابهما شيء من المذي، يجب أن تغسل إذا أصابهما شيء من المذي، يجب أن تغسل. وأما إن لم يصيبهما شيء من المذي، وهو متيقن من ذلك، فلا يجب غسلها. وأما ما يصيب الفخذ من المذي، فهل يجب أن يغسل؟ الجواب: يكتفى فيه بالنضح؛ لما ثبت في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المذي يصيب الفخذ، فقال عليه الصلاة والسلام: يكفيك أن تأخذ كفًا من ماء فتضعه أو تنضحه على الموضع الذي أصابه المذي. وكما قال عليه الصلاة والسلام: إذا تطهير الفخذ من المذي يكون بالنضح، يعني بالرش، ترش الماء على الموضع الذي تظن أنه أصابه المذي. وأما البدن، فإنه يغسل ما أصاب البدن من المذي؛ لقوله: يغسل ذكره ويتوضأ. وفي هذا الحديث كذلك فيه أدب من آداب التعامل في الرجل مع أصهاره، بأنه إذا أراد أن يذكر شيئًا مما يستحي منه، مما يستحي منه، فإنه لا يذكره؛ الأشياء التي تتعلق بالنساء وما يتعلق بزوجه وأهله مما يستحي منه، فإنه لا يذكر ذلك. فإن احتاج إلى ذكر شيء من ذلك أو السؤال عنه، فإنه يسأل غيره؛ فهذا أدعى في الحياء وحسن التعامل مع الأصهار. فعلي رضي الله عنه لما كان بينه وبين زوجه فاطمة، رضي الله تعالى عنها، بنت النبي عليه الصلاة والسلام، وأراد أن يسأل عن شيء يتعلق بمعاشرته معها، وهو أمر خروج المذي منه، ولعل ذلك ربما بسبب كثرة مداعبته لها أو شيء من هذا المعنى، استحيا أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام بنفسه، فأمر المقداد بن الأسود، رضي الله عنه، أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عنه، فسأله عن المذي، وما قال له أن فلان يسأل، سأله كأنه هو السائل. قال: فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي، يعني ما حكمه إذا خرج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: توضأ، يغسل ذكره ويتوضأ. إذن هذه الأشياء التي يستحي منها، فإنها لا تذكر عند أقارب الزوجة؛ هذا من باب الحياء والأدب. والرواية الأخيرة التي من طريق سليمان بن يسار، عن ابن عباس، عن علي، وفيها قول النبي صلى الله عليه وسلم: توضأ وانضح فرجك، توضأ وانضح فرجك. هذه الرواية فيها الأمر بالنضح، والأصل في النضح أنه الرش، الأصل في النضح أنه الرش، وهو تعميم الموضع بالماء أو رشه بالماء من غير غسل. وعلى أنها لو صحت، سيأتي الكلام؛ لأن هذه اللفظة منتقدة، ذكر النضح في هذه الرواية منتقدة. وإذا صحت، فإنها تحمل على الغسل؛ للروايات الأخرى الدالة على وجوب الغسل لما أصاب البدن من المذي. وأشار الإمام النووي رحمه الله إلى انتقاد هذه الرواية، قال: هذا الإسناد مما استدركه الدارقطني، وقال: حماد بن خالد سألت مخرمة: هل سمعت من أبيك؟ قال: لا. وقد خالفه الليث، عن بكير، فلم يذكر فيه ابن عباس، وتابعه مالك، عن أبي النضر. هذا كلام الدارقطني. ثم ذكر الإمام النووي رحمه الله كلام أهل العلم في سماع مخرمة من أبيه، وأن منهم من أثبت سماعه، وأكثر العلم على عدم سماعه من أبيه. قال النسائي أيضًا في سننه: مخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا. وروى النسائي هذا الحديث من طرق، وبعضها طريق مسلم هذه المذكورة، وفي بعضها عن الليث، عن سعد، عن بكير، عن سليمان بن يسار، قال: أرسل علي المقداد، هكذا أتى به مرسلًا. وقد اختلف العلماء في سماع مخرمة من أبيه، فقال مالك: قلت لمخرمة: ما حدثت به عن أبيك، سمعته منه؟ فحلف بالله لقد سمعته. قال مالك: وكان مخرمة رجلًا صالحًا. وكذا قال معن بن عيسى: إن مخرمة سمع من أبيه. وذهب جماعة إلى أنه لم يسمعه، قال أحمد بن حنبل: لم يسمع مخرمة من أبيه شيئًا، إنما يروي من كتاب أبيه. وقال يحيى بن معين بن أبي خيثمة: وقع إليه كتاب أبيه، ولم يسمع منه. وقال موسى بن سلمة: قلت لمخرمة: حدثك أبوك؟ قال: لم أدرك أبي، ولكن هذه كتبه. قال أبو حاتم: مخرمة صالح الحديث، إن كان سمع من أبيه. وقال علي بن المديني: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه، كتاب سليمان بن يسار، ولعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد أحدًا بالمدينة يخبر عن مخرمة أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي. والله أعلم. فمثل هذا الحديث صحيح من الطرق التي ذكرها مسلم قبل هذه الطريق، ومن الطريق التي ذكرها غيره. وهنا نرى الإمام أحمد رحمه الله ينفي سماع مخرمة من أبيه، وهكذا ابن معين، وابن المديني، وهؤلاء من أئمة العلل، وعلي بن المديني الملقب بحية الوادي لعلمه بعلل الحديث، فإنه يخبر بأنه لم يسمع من أبيه كتاب سليمان بن يسار، ومنه هذه الرواية التي فيها ذكر النضح. وأما ذكر الإمام النووي رحمه الله إلى أن الحديث - يعني - صحيح من الطرق الأخرى، فنعم، الطرق الأخرى فيها ذكر الغسل، وليس فيها ذكر النضح، ليس فيها ذكر النضح. إذن هذه اللفظة فيها كلام، لكن لو صحت، فإننا نحملها - كما سمعنا - على الغسل؛ لتصريح الروايات الأخرى التي هي أصح من هذه الرواية التي فيها ذكر النضح. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.