الدرس في كتاب الحيض 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل حكم الوضوء بين الجماعين وجواز طواف الرجل على نسائه بغسل واحد، مشيرًا إلى أن الوضوء مستحب وليس واجبًا. كما يستعرض آراء أهل العلم في هذا الشأن.
يفصل هذا الفصل في حكم الغسل من المني واحتلام المرأة، موضحًا أن خروج المني موجب للغسل للجنسين. كما يبين اختلاف أهل العلم حول اشتراط اللذة والتدفق لوجوب الغسل، ويذكر صفات المني.
يشرح هذا الفصل حكم الغسل للمرأة إذا احتلمت ورأت الماء، مستندًا إلى حديث أم سليم مع النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أجابها بأن الغسل واجب عند رؤية الماء.
يشير هذا الفصل إلى انتهاء الدرس مع حمد الله والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معربًا عن الالتزام بالتعابير الدينية في ختام المحاضرة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين السابور القشيري رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث. وحدثنا أبو كريب، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة. وحدثني عمر الناقد وابن نمير، قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، كلهم عن عاصم، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود، فليتوضأ». زاد أبو بكر في حديثه: «بينهما وضوءا». وقال: «ثم أراد أن يعاود». هذا الحديث في أن النبي عليه الصلاة والسلام مثل بسعيد، قال: «إذا أتى أحدكم أهله -يعني يقصد به الجماع- ثم أراد أن يعود -يعني أن يجامع مرة أخرى- فليتوضأ -أي بين الجماعين- فليتوضأ بين الجماعين». وهذا على جهة الاستحباب؛ لأن هذا مما يحصل به النشاط، كما جاء في بعض الروايات التي في خارج الصحيح، يذكر هذا المعنى أنه أنشط. ولأن النبي عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنه طاف على نسائه بغسل واحد، كما سيأتي في حديث أنس، فهذا يدل على عدم وجوب هذا الوضوء؛ إنما هو على جهة الاستحباب. قال: حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، قال: حدثنا مسكين -يعني ابن أبي كير الحذاء- عن شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد. كان يطوف على نسائه بغسل واحد -يعني على جميع نسائه- والنبي عليه الصلاة والسلام كان له تسع نسوة. وهذا يدلنا على عدم وجوب الوضوء بين الجماعين. وكذلك أيضا أنه يجوز للرجل الذي عنده أكثر من امرأة أن يطوف عليهن في ليلة واحدة كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. لكن اختلف أهل العلم: هل يشترط في هذا الإذن من زوجاته أو الإذن من صاحبة النوبة؟ ورتبوا على ذلك: هل كان القسم العدل بين الزوجات في حق النبي عليه الصلاة والسلام واجبا أم كان في حقه عليه الصلاة والسلام ليس بواجب؟ فإن كان ليس بواجب، فلا إشكال أن له أن يطوف عليهم من غير قسم. وإن كان واجبا، فيدل ذلك على جواز مثل ذلك إذا كان في ليلة واحدة -يعني يطوف على الجميع من غير استئذان- لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه ويعدل بينهم. والظاهر -والله أعلم- أن القسم في حقه عليه الصلاة والسلام واجب؛ ولذلك كان يعدل بين نسائه في القسم والنفقة والمبيت. وكذلك أيضا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه -يعني كل واحد يأتي عندها يغتسل عندها بغسل- لكن حيث ثبت أنه طاف على نسائه بغسل واحد، معنى ذلك أنه مغتسلا غسلا واحدا. وهذا يدل على جواز مثل ذلك أن يطوف الرجل على نسائه بغسل واحد. وجاء عند أبي داود -كما ذكرنا- في أن الاغتسال والوضوء بين الجماعين هذا أكمل وأفضل؛ يعني إن توضأ فهذا أمر حسن، وإن اغتسل بين كل جماعين فهذا أكمل وأفضل وأنشط. فجاء في سنة نبي داود أنه طاف عليه الصلاة والسلام على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه. قيل: يا رسول الله، ألا تجعل غسلا واحدا؟ يعني لا تكتفي بغسل واحد. فقال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر». نعم، فهذا يدل على أنه لا بأس أن يغتسل عند كل واحدة فيحصل بذلك التطهير والتنقية والنظافة، وأكد أيضا تنشيط النفس للعود والرجوع، وكذلك أيضا إعطاؤها شيئا من القوة والنشاط والهمة في ذلك. وإن اكتفى بغسل واحد فهذا جائز؛ فعله النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: وحدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا عمر بن يونس الحنفي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: قال إسحاق بن أبي طلحة: حدثني أنس بن مالك، قال: جاءت أم سليم -وهي جدة إسحاق- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له عائشة: عنده يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام، فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه. قالت عائشة: يا أم سليم، فضحت النساء، تربت يمينك. قال: فقال لعائشة: «بل أنت تربت يمينك». نعم، فلتغتسل يا أم سليم إذا رأت ذلك. هذا الحديث أن أم سليم رضي الله تعالى عنها -وهي زوجة أبي طلحة وأم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه- قالت للنبي عليه الصلاة والسلام عنده عائشة: يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام -يعني من الاحتلام- وما يراه الرجل أنه يجامع ونحو ذلك، فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه -يعني من خروج المني-. فقالت عائشة: يا أم سليم، فضحت النساء -يعني أن النساء يرين ذلك كما يرى الرجال ويحتلمن كما يحتلم الرجال- وتريد بذلك أنك ذكرت شيئا يستحيا منه. فقالت: «فضحت النساء تربت يمينك». و«تربت يمينك» هذه كلمة تستعملها العرب ولا تريد ظاهرها؛ وإنما يراد بها الإنكار أو كذلك أيضا استعظام الأمر أو التعجب أو نحو ذلك من المعاني التي قد تستعمل «تربت يمينك». وهنا استعملتها عائشة رضي الله عنها على جهة الإنكار؛ كونها تذكر ذلك وتخبر بهذا الأمر الذي يستحيا منه، وأن المرأة ينزل منها المني كما ينزل من الرجل، وهذا يدل على شدة شهوتها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «بل أنت تربت يمينك» -يعني أنت المستحقة للإنكار؛ لأنك تنكرين شيئا لا وجه فيه للإنكار- كونها تسأل عن ذلك؛ هذا أمر مما يحتاج إلى السؤال عنه ومعرفة حكمه، فلا وجه للإنكار عليها. ثم قال: «نعم، فلتغتسل يا أم سليم إذا رأت ذلك» -إذا رأت ذلك يعني المني-. فهذا الحديث فيه أن المني موجب للغسل؛ أن خروج المني موجب للغسل. وفيه كذلك أيضا أن المرأة تمني كما يمني الرجل، وأنها تحتلم كما يحتلم الرجل. وهكذا أيضا أن العبرة في الغسل من نزول المني أو عند الاحتلام إذا رأت الماء، كما سيأتي في الروايات الأخرى: أن وجوب الغسل هو برؤية الماء، لا بمجرد الاحتلام. واختلف أهل العلم: هل يجب الغسل من المني مطلقا إذا نزل من الرجل أو من المرأة، أو إذا نزل على جهة اللذة والتدفق؟ في هذا قولان لأهل العلم. فذهب الشافعية إلى أنه يجب الغسل مطلقا على أي وجه نزل، ولو كان من غير لذة ولا تدفق، وإن خرج لمرض. وذهب جماعة آخرون من أهل العلم إلى أنه اشترط في وجوب الغسل أن يخرج بتدفق ولذة. وهذا هو الصحيح لقول النبي عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه: «إذا فضخت الماء فاغتسل». والفضخ هو بمعنى القذف والرمي، وهذا لا يكون إلا بتدفق ولذة. وإذا كان على غير هذا الوصف، فإنه لا يوجب الغسل، وإنما يوجب الوضوء؛ كخروجه على جهة المرض أو شدة البرد أو حمل شيء ثقيل أو نحو ذلك من الأسباب. ثم إن مني الرجل أبيض غليظ، ومني المرأة رقيق أصفر، وله رائحة كرائحة طلع النخل. ومن صفات المني أنه يخرج بلذة وشهوة، وكذلك أيضا أنه يخرج بتدفق -أي دفعة بعد دفعة-. وكذلك أيضا يعقبه فتور بعد أن يخرج؛ يشعر المرأة بشيء من الفتور والاسترخاء. هذه من صفات المني. والأصل فيه أنه أبيض؛ قد يصفر لمرض، وقد يحمر عند كثرة الجماع؛ قد يخرج محمرا. ومع ذلك فحكمه حكم المني الأبيض؛ من وجوب الغسل وأنه طاهر. قال رحمه الله: حدثنا عباس بن الوليد، قال: حدثنا يزيد بن الزريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، أن أنس بن مالك حدثهم أن أم سليم حدثت أنها سألت نبي الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل». فقالت أم سليم: واستحييت من ذلك، وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما غلب أو سبق يكون منه الشبه». هنا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام صفة مني الرجل: أنه غليظ أبيض، وأن ماء المرأة رقيق أصفر -يعني خفيف ولونه مصفر-. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فمن أين يكون الشبه؟» يعني لما سألت أم سليم: هل يكون هذا أن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل وتحتلم ويخرج منها ماء؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، فمن أين يكون الشبه؟» أي من أين يأتي شبه الولد بأمه وأخواله من ماء المرأة -من ماء الأم-. وهكذا أيضا يأتي الشبه في الولد بأبيه وأعمامه من جهة ماء الأب. قال: «فمن أيهما غلب أو سبق يكون منه الشبه» -يعني إذا غلب مني المرأة مني الرجل صار الشبه للمرأة وإخوانها، وما شابه المولود لأخواله-. وإذا غلب مني الرجل مني المرأة صار الشبه لأب وأعمامه وأخوانه -يعني أعمام المولود-. فبهذا يكون الشبه، أو يكون كذلك بالسبق؛ إذا سبق ماء المرأة ماء الرجل. والجنين هو متولد من كل المائين: من ماء الرجل وماء المرأة. لكن إن حصل سبق لأحدهما أو ارتفاع أحدهما على الآخر كان له الشبه الأكثر. قال: وحدثنا داود بن رشيد، قال: حدثنا صالح بن عمر، قال: حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن أنس بن مالك، قال: سألت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل في منامه، قال: «إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل». قال: وحدثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: أخبرنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، قالت: جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، إذا رأت الماء». فقالت أم سليم: يا رسول الله، وتحتلم المرأة؟ قال: «تربت يداك، فبما يشبهها ولدها؟». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قال: حدثنا وكيع. حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان -جميعا عن هشام بن عروة- بهذا الإسناد مثل معناه. وزاد: قالت: قلت: فضحت النساء. قال: وحدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: حدثنا الليث، قال: حدثنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أن أم سليم قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل... إلى آخر الحديث. ومعنى «إن الله لا يستحي من الحق» -يعني من بيان الحق وتوضيحه وضرب المثل في توضيحه-. ومن ذلك ضرب المثل بالبعوضة وما فوقها، كما في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾. فإذا كان الأمر كذلك، فكأنها تقول: إذن لا أمتنع عن السؤال من الشيء الذي يستحيا منه في الغالب؛ لمعرفة حكمه وبيانه ومعرفة الحق فيه. ومثل هذا لا ينافي الحياء؛ إذا كان السؤال عن شيء من أحكام الدين لمعرفة حكمه، وإن كان من الأشياء التي يستحيا منها، لكن ذكره والسؤال عنه بأدب وحسن تعبير، فهذا لا ينافي الحياء. ولهذا ابتدأت قبل السؤال بذكر هذه المقدمة: «إن الله لا يستحي من الحق»، كأنها تقول: إن معرفة الحق وبيانه وظهوره والسؤال عنه ليس فيه حياء، ولا ينافي الحياء. ثم سألت: هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، إذا رأت الماء». وهذا فيه أن -كما ذكرنا قبل- أن العبرة في وجوب الغسل من الاحتلام هو برؤية الماء؛ هو برؤية الماء. قال: «نعم، إذا رأت الماء». هذا منطوق الحديث. مفهومه: إن لم تر الماء فليس عليها غسل؛ إن لم تر الماء فليس عليها غسل. وقد ذكرنا من قبل أن للمحتلم مع الاغتسال حالات: ما هي؟ من يذكرها؟ إذا احتلم ورأى الماء، وجب عليه الغسل اتفاقا. ولا يذكر احتلاما إذا رأى الماء، وكذلك وجب عليه الغسل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الماء من الماء». ولقوله في هذا الحديث: «نعم، إذا هي رأت الماء». الثالث: إذا احتلم ولم ير ماء، فليس عليه اغتسال. وهذا أيضا فيه اتفاق. الرابع: إذا رأى ماء ولا يذكر احتلاما، واشتبه في هذا الماء: هل هو ماء مني أو ليس ماء مني؟ فهنا ينظر: إذا فيه آثار المني، فيكون منيا ويجب عليه الغسل. وإن لم يكن فيه شيء من آثار المني، فلا يجب عليه الغسل. فإذا العبرة بالاغتسال هو برؤية الماء؛ برؤية الماء، ليس بمجرد الاحتلام. قال: «نعم، إذا رأت الماء». ثم سئل النبي عليه الصلاة والسلام: وتحتلم المرأة كما يحتلم الرجل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تربت يداك، فبما يشبهها ولدها؟» -أي من يأتيها الشبه للمولود إلا من مائها الذي يخرج منها-. وبهذا القدر نكتفي، والحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.