الدرس في كتاب الحيض 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه ابن عباس، حيث قام النبي من الليل لقضاء حاجته ثم غسل وجهه ويديه ونام دون وضوء كامل. يدل ذلك على جواز النوم على غير وضوء إذا غلب على الظن الاستيقاظ للفجر.
يدل فعل النبي صلى الله عليه وسلم على جواز النوم بعد الاستيقاظ ليلا، والأفضل أن ينام الإنسان على طهارة. كره بعض الزهاد النوم بعد الاستيقاظ خشية فوات فضيلة الصلاة في آخر الليل.
يستحب للجنب أن يتوضأ قبل الأكل أو النوم، ولا يعد ذلك واجبا. توضأ النبي قبل نومه أو أكله وهو جنب استحبابا وليس فرضًا، حيث كان يتوضأ وضوء الصلاة قبل النوم إذا كان جنبا.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، له أخوان، هما عثمان والقاسم، وما حالهما؟ القاسم ضعيف، عثمان ثقة، من رجال بخاري ومسلم. قالوا: أبو كريب، واسمه محمد بن العلاء، قال: أحدثنا وكيع، وهو ابن الجراح، من مليح، عن سفيان، وهو الثوري، سفيان بن سعيد الثوري، قال: عن سلمة بن كهيل، عن كريب، أم نبي مسلم، أبو رشدين، مولى ابن عباس. ماذا قال موسى بن عقبة؟ موسى بن عقبة، ماذا قال؟ ترك لنا كريب حمل بعير من كتب ابن عباس، قال: عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الليل، فقضى حاجته، ثم غسل وجهه ويده، ثم نام. في هذا الحديث يخبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الليل، فقضى حاجته -يعني ذهب إلى الخلاء فقضى حاجته- ثم غسل وجهه ويده، ثم نام، يعني أنه لم يتوضأ، لكن غسل وجهه ويده فقط، ونام بعد ذلك. وهذا الحديث يدل أن الإنسان يستيقظ من الليل لقضاء حاجة كبول أو غائط أو نحو ذلك، فقضى حاجته، ووجد من نفسه حاجة إلى النوم، فإنه لا بأس أن يرجع فينام، وإن غسل وجهه ويده من باب إذهاب النعاس وأثار النوم من وجهه، وغسل اليدين مما قد يكون لأجل شيء علق بهما أو تنظيفهما أو نحو ذلك، ثم يرجع فينام إذا احتاج إلى ذلك، وأن هذا لا بأس به إذا غلب على ظنه أنه يستيقظ للفجر. هذا النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن ابن عباس أنه قام من الليل، فقضى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام. ومعنى هذا أنه ما توضأ وضوءا كاملا، لأنه لو توضأ لقال: ثم توضأ، لكن ما ذكر غسل وجهه ويديه فقط. وهذا يدل أنه يجوز للإنسان أن ينام وهو على حدث، يجوز أن ينام وهو على حدث أصغر. وإن كان الأكمل والأفضل أن ينام على وضوء، الأكمل والأفضل أن ينام على وضوء، لكن لا بأس أن ينام على غير وضوء. وفعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا يدل على الجواز، يدل على الجواز. والأفضل والأكمل أن ينام على طهارة، كما في حديث البراء، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن». وأشار الإمام النووي رحمه الله أن النوم بعد الاستيقاظ من الليل ليس بمكروه، خلافا لمن كره ذلك من بعض الزهاد. بعض الزهاد من السلف كره ذلك. وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يعني أنه قام من الليل، وقضى حاجته، ثم نام بعد ذلك، فيدل على جواز ذلك. وكان وجه الكراهة أن هذا مما يخشى عليه من فوات إدراك فضيلة الصلاة في آخر الليل أو الوتر، أو كذلك أيضا القيام الذي ينبغي من التعبد لله في مثل ذلك الوقت، فكرهه لأجل ذلك، أنه إذا نام بعد أن استيقظ قد يفوته هذا الخير. لكن كما سمعنا، نام بفعل النبي عليه الصلاة والسلام، أن هذا جائز، يحتاج الإنسان إلى ذلك، وخاصة أنه في بعض الأحيان ربما ينام في وقت متأخر، أو يكون متعبا أو شيء من ذلك، فلا بأس. وإن كان الأكثر في هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقوم من الليل ويصلي عليه الصلاة والسلام. وأيضا كونه رجع فنام، هل معنى هذا أنه ترك قيام الليل؟ الجواب: لا، ليس معنى هذا أنه ترك قيام الليل. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في كل ليلة. ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن قيام الليل في حقه واجب، لقول الله جل وعلا: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا﴾. فيذهب جماعة من أهل العلم إلى أن قيام الليل واجب على النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا ما كان النبي صلى الله يترك قيام الليل، لكن هذا يحمل على أنه قام وقضى حاجته، وغسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم على ذلك قام للصلاة عليه الصلاة والسلام. قالوا: حدثنا يحيى، وهو التميمي، ومحمد بن رمح، قال: أخبرنا الليث، وابن سعد، أبو الحارث الفهمي. وحدثنا قتيبة بن سعيد، وابن جميل، من طريف، وابن رجاء البغدادي، قال: حدثنا الليث، وابن سعد، عن ابن شهاب، وهو الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، وهو إسماعيل، قال: حدثنا ابن علية، هو وكيع، وابن الجراح، وغندر -وما اسمه؟ غندر محمد بن جعفر- عن شعبة، وابن الحجاج، عن الحكم، عن إبراهيم، وهو النخعي، عن الأسود، وهو كذلك، من يزيد النخعي، عن عائشة. إيش يقرب الأسود لإبراهيم؟ ماذا يقرب الأسود لإبراهيم؟ خاله، نعم، الأسود خال إبراهيم، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان جنبا، فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، وأبو موسى الأزدي، قال: وابن بشار، ومحمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر. وحدثنا عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة بهذا الإسناد. قال ابن المثنى في حديثه: حدثنا الحكم، سمعت إبراهيم يحدث، حديث عائشة: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن ينام وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام. يعني إذا كان على جنابة، ثم أراد أن ينام، وكسل عن الغسل قبل النوم، يتوضأ وضوءه للصلاة، يتوضأ وضوءه للصلاة، يعني وضوءا كاملا كما يتوضأ للصلاة، ثم ينام على هذا الوضوء. وهذا يدل على استحباب الوضوء قبل النوم لمن كان على جنابة. وهل هذا الوضوء يرفع الحدث؟ الجواب: لا، هو ما زال على حدث، لكن الوضوء يخفف شيئا ما من الحدث، وإلا فهو ما زال جنبا، لا ترفع الجنابة إلا بالغسل. لكن الوضوء مما يحصل به التخفيف، وكذلك يحصل به شيء من التنظيف والتنشيط. ومع ذلك هو ما زال على جنابة، لكن هذا الفعل على جهة الاستحباب، أن يتوضأ قبل النوم إذا كان على جنابة. وفي الرواية الأخرى: استحباب الوضوء للجنب إذا أراد أن يأكل أو كذلك أن ينام، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة». إذا أراد أن يأكل وهو جنب يتوضأ، وإذا أراد أن ينام وهو جنب يتوضأ. وهذا على سبيل الاستحباب، هذا على سبيل الاستحباب. وثلاثة هي ثمرة أيضا تتعلق بهذه المسألة في نوم الجنب من غير غسل. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.