كتاب الحيض 12

كتاب الحيض 12

الدرس في كتاب الحيض 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد وتفاصيله الفقهية

يشرح المقطع جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد واستحباب تقليل الماء في الغسل، مستندًا إلى حديث عائشة رضي الله عنها.

روايات عن اغتسال النبي مع زوجاته

يذكر المقطع روايات متعددة تشير إلى اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته من إناء واحد، مثل عائشة وميمونة وأم سلمة.

مقدار الماء المستخدم في غسل ووضوء النبي

يتناول المقطع مقدار الماء الذي كان يستخدمه النبي صلى الله عليه وسلم للغسل والوضوء، حيث تتراوح الروايات بين صاع وخمسة أمداد للغسل ومد للوضوء.

صحة الأحاديث المتعلقة بمقدار الماء للغسل والوضوء

يؤكد المقطع صحة الأحاديث المتعلقة بمقدار الماء الذي كان النبي يستخدمه للغسل والوضوء، مستندًا إلى روايات منها حديث أنس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه: وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي، قال: حدثنا ابن وهب وعبد الله، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل بدأ بيمينه، فصب عليها من الماء فغسلها، ثم صب الماء على الأذى الذي به بيمينه وغسل عنه بشماله، حتى إذا فرغ من ذلك صب على رأسه. قالت عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ونحن جنبان. وهذا فيه، كما مر معنا في الدروس الماضية، جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، وأن هذا جائز ولا يضر الماء ذلك، ولو كان على جنابة. وقوله: «ونحن جنبان»، هذه إحدى اللغتين في «جنب»، فإحدى اللغات «جنوب» أنها تفرد وتثنى وتجمع، فيقال: أنا جنوب، وأنتما جنوبان، ونحن مجنبون أو جنبون. وفي لغة أخرى تستعمل في الإفراد في سائر المواضع، أنا جنوب، وأنتما جنوب، ونحن جنوب. وهذه اللغة هي الأفصح، وبها ورد القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وقال: ﴿أَوْ جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. قال رحمه الله: وحدثني محمد بن رافع، قال: حدثنا شبابة، ومنصور بن سوار، قال: حدثنا الليث، ومن سعد، عن يزيد، عن عراك، عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وكانت تحت المنذر بن الزبير، أن عائشة أخبرتها أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك. هذا الحديث في ذكر القدر الذي يستحب استعماله في غسل الجنابة، أو ما يحصل به الإجزاء. فذكرت عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك، يعني أقل من ذلك شيء قليل. والثلاثة الأمداد، يعني شيء قليل، المد ملء كف رجل معتدل، وثلاثة الأمداد أقل من صاع؛ لأن الصاع أربعة أمداد. وهذا يدلنا على ما مرت الإشارة إليه في الدروس الماضية من استحباب التقليل في استعمال الماء عند الغسل، وإن كان ليس بذلك شيء محدد معين له لا بد منه، لكن مجموع الأحاديث تدل على ذلك. قال: وحدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، والقعنبي، قال: حدثنا أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة. قاسم بن محمد بن أبي بكر أحد فقهاء المدينة السبعة. فمن هم من فقهاء المدينة السبعة؟ عند من تذكر البيت: إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن الحق خارجة. فهم: عبيد الله، عروة، قاسم، سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجة. قاسم بن محمد بن أبي بكر وهو من أثبت الناس في عائشة، هو ومن هو عروة من الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن. قال عن عائشة: قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد تختلف أيدينا فيه من الجنابة. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، والترمذي، قال: أخبرنا أبو خيثمة، والنسائي، عن عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة، قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دع لي، دع لي. قالت: وهما جنبان. قال: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء بيني وبينه واحد، يعني إناء واحد بيني وبينه، تغتسل منه هي والنبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الإناء بينه وبينها، كل واحد منهما يغرف منه ويغتسل. قالت: فيبادرني، يعني في أخذ الماء، فأقول: دع لي، دع لي، يعني يترك لي شيء من الماء. قالت: وهما جنبان. وهذا من أولا يدل على ما مر ذكره من استحباب تقليل الماء في استعماله عند الغسل، وكذلك أيضا فيه جواز اغتسال الرجل مع امرأته في وقت واحد، وأن هذا لا بأس به. وأيضا فيه كذلك شيء من حسن معاشرة النبي صلى الله عليه وسلم ومداعبته لأهله والتلطف بهم. قال رحمه الله: وحدثنا قتيبة بن سعيد، ومن سعيد، ومن جميل، من طريف، أبو رجاء البغدادي، وأبو بكر بن أبي شيبة جميعا، عن علي بن عيينة، قال قتيبة: حدثنا سفيان، يعني ابن عيينة، قال: عن عمرو، وهو ابن دينار، قال: عن أبي الشعثاء، وهو جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: أخبرتني ميمونة وهي خالته، أن ميمونة كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم في إناء واحد. وهذا أيضا فيه مرة أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كما أنه كان يغتسل مع عائشة في إناء واحد، كذلك فعل ذلك مع غيره من أزواجه عليه الصلاة والسلام، فاغتسل مع ميمونة من إناء واحد. قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، وهو الحنظلي بن رهويه، ومحمد بن حاتم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال ابن حاتم: حدثنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، وهو عبد الملك، ثقة إلا أنه مدلس، لكن هنا صرح بالتحديث، قال: أخبرني عمرو بن دينار، قال: أكبر علمي، والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني أن ابن عباس أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة. وقوله: «أكبر علمي، والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء إلى آخره»، كأنه يذكر هذا على سبيل الظن الذي يخطر على بالي، يخطر يعني يمر، وعلى بالي البال هو القلب والذهن، كأنه يقول: الذي مر على ذهني وأكاد أتذكره هو كذا وكذا. وهذا لا يضر لأنه ذكر على سبيل المتابعة، وليس أصلا، وإلا في الحديث قد ذكر من طرق أخرى، يعني يجزم فيها بالسماع والرواية، وهذا من باب المتابعة. قال: وحدثنا محمد بن موسى العنزي، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: لا ينال العلم براحة الجسد. قال رحمه الله: حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن زينب بنت أم سلمة حدثته، أن أم سلمة حدثتها، قالت: كانت هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسلان في الإناء الواحد من الجنابة. هذه الآن ثالث امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم تخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل معها من إناء واحد، عائشة وميمونة، وهذه أم سلمة رضي الله تعالى عنها تذكر ذلك، أنها كانت تغتسل مع النبي صلى الله عليه وسلم في إناء واحد من الجنابة. وهذا فيه كما مر، يعني أنه يجوز الاغتسال من إناء واحد، والمقصود منه في هذا الموضع هو الاغتسال بالماء القليل في غسل الجنابة؛ لأن هذا الإناء كما جاء في الروايات الأخرى أنه قد يصل إلى خمسة أمداد وقد يقل. قال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا أبي، وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن، يعني ابن مهدي، وهو إمام من أئمة الجرح والتعديل، وهو القائل: أن يكون الناس خصمي يوم القيامة أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: لما لم تذب عن سنتي. قال: حدثنا شعبة، عن عبد الله بن جبر، قال: سمعت أنسا يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضأ بمكوك. وقال ابن المثنى: بخمس مكاكيك. وقال ابن معاذ: عن عبد الله بن عبد الله، ولم يذكر ابن جبر. والمكوك هو قدر المد، فخمس مكاكيك يعني خمسة أمداد يستعملها في الغسل، وهو صاع ومد، ويتوضأ بمكوك، يعني بمد. قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا وكيع بن الجراح، عن مسعر بن كدام، عن ابن جبر، عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد. وهذا يوضح الرواية التي قبلها أن خمس المكاكيك أي خمسة أمداد. وهل هذا على سبيل التعيين؟ الجواب: لا. فقد جاء مرة معنا أنه كان يغتسل بثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك. فمرة يغتسل بصاع، ومرة بأقل، ومرة بأكثر. وهذا كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: أنه على حسب وجود الماء. فربما كان الماء قليل فاقتصر على أقل من الصاع، وربما كان أكثر فاستعمل الصاع وزيادة، وهكذا على حسب الأحوال. ولعل هذا من أحسن ما يجمع به بين الروايات: أن هذا الاختلاف على حسب وجود الماء، أو كذلك أيضا على حسب الحاجة في الغسل والتنظف. وعلى كل فهي كلها تدل على استحباب التقليل في استعمال الماء في الغسل. قال: وحدثنا أبو كامل الجحدري، وعمر بن علي، والفلاس، عن بشر بن منصور، قال أبو كامل: حدثنا بشر، قال: حدثنا أبو ريحانة، عن سفينة، وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مختلف في اسمه ومشهور بلقبه ووصفه، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لما حمل أمتعة كثيرة في إحدى السفريات مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت سفينة»، واشتهر بذلك. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل بالصاع من الماء من الجنابة، ويوضئه المد. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن إسماعيل، وإسماعيل أحد أبنائه، من رؤوس أهل البدع، وإبراهيم بن علي، وهو من المعتزلة، وهو ابن هذا الإمام إسماعيل بن علي، قال: وحدثني علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل، عن أبي ريحانة، وهو عبد الله بن مطر، ويقال: زياد بن مطر، أبو ريحانة، عن سفينة، قال أبو بكر: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع ويتطهر بالمد. وفي حديث من حجر: أو قال: ويطهره المد. وقال: وقد كان كبر، وما كنت أثق بحديثه. يعني القائل: وقد كان كبر، هو أبو ريحانة، ويريد بذلك سفينة، كما أشار أنه يرحمه الله، يعني أن سفينة حدث بذلك وهو كبير في السن. قال: وقد كان كبر، وما كنت أثق بحديثه، يعني لخشية أن يكون قد وقع في شيء من التغير والاختلاط. وهذا لا يضر بصحة الحديث؛ لأن الحديث في المتابعات، وهو ثابت في حديث أنس وغيره، ذكر هذا الأمر: أن النبي كان يغتسل بالصاع أو بخمسة أمداد، بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد، فهو ثابت لا شك فيه.