كتاب الحيض 14

كتاب الحيض 14

الدرس في كتاب الحيض 14، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

كيفية الاغتسال من الحيض والجنابة

ورد في حديث عائشة وحديث أسماء رضي الله عنهما كيفية الاغتسال من الحيض والجنابة كما بينها النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يتم الاغتسال بماء وسدر وتطهير النفس جيدا. كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم باستخدام قطعة قطن مبللة بماء ومسك لتنظيف الفرج بعد الاغتسال.

أدب نساء الصحابة وتفقههن في الدين

أظهرت نساء الصحابة رضي الله عنهن حرصا على السؤال عن أمور دينهن دون أن يمنعهن الحياء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجيبهن بألفاظ لطيفة لتجنب الفحش في القول. كما بين النبي صلى الله عليه وسلم أهمية تجنب التصريح بالأمور المستقبح ذكرها.

استعمال الطيب بعد الاغتسال وتطييب محل الدم

يستحب استعمال الطيب بعد الاغتسال لتطهير وتطييب محل الدم، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ويفضل استخدام المسك إذا توفر. كما يشير إلى أن الغسل الواجب للمحيض يجزئ عن الوضوء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم الحجاج أبو الحسين، أني سبوري القشيري رحمه الله، في صحيحه: حدثنا عمر بن محمد الناقد وابن أبي عمر جميعا عن علي بن عيينة، قال عمر: حدثنا سفيان بن عيينة عن منصور بن صفية عن أمه عن عائشة قالت: سألت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم كيف تغتسل من حيضتها؟ قال: فذكرت أنه علمها كيف تغتسل، ثم تأخذ فرصة من مسك فتطهر بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها، سبحان الله، واستتر. وأشار لنا سفيان بن عيينة بيده على وجهه. قال: قالت عائشة: واجتذبتها إلي، وعربت ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: تتبعي بها أثر الدم. وقال ابن أبي عمر في روايته: فقلت: تتبعي بها آثار الدم، آثار الدم. وحدثني أحمد بن سعيد الدارمي قال: حدثنا حبانه بن هلال قال: حدثنا أهيد قال: حدثنا منصور عن أمه عن عائشة أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم كيف أغتسل عند الطهر؟ قال: خذي فرصة ممسكة فتوضئي بها، ثم ذكر نحو حديث سفيان. قال: وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن إبراهيم بن المهاجر قال: سمعت صفية تحدث عن عائشة أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض، قال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها». قالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ قال: «سبحان الله، تطهرين بها». قالت عائشة: كأنها تخفي ذلك، تتتبعين أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة، فقال: «تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء». قالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. قال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ قال: حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة في هذا الإسناد نحوه. وقال: «سبحان الله، تطهري بها، واستتري». قال: وحدثنا يحيى بن يحيى والترمذي وأبو بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي الأحوص عن إبراهيم بن المهاجر عن صفية بنت شيبة عن عائشة قالت: دخلت أسماء بنت شكل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشار النووي رحمه الله فيما نقله عن الحافظ البغدادي أن أسماء هذه هي أسماء بنت يزيد، من السكن، يقال لها خطيبة النساء. قالت: فقالت: يا رسول الله، كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من الحيض؟ وساق الحديث ولم يذكر فيه غسل الجنابة. هذا حديث عائشة رضي الله عنها في سؤال أسماء النبي عليه الصلاة والسلام عن الغسل من المحيض، فبين لها النبي عليه الصلاة والسلام كيفية الغسل من المحيض. ومن ذلك أنها تأخذ فرصة، أو قبل ذلك أن تأخذ الماء والسدر أو ما يقوم مقامه من المنظفات فتغتسل به. وقوله: «تطهري فتحسن الطهور» المراد بالطهور هنا الوضوء، أي أنها تتوضأ وضوء الصلاة. وكذلك أيضا أنها تفيض الماء على رأسها وتدلكه دلكا شديدا حتى يصل إلى شؤون رأسها، يعني إلى أصول الشعر، يصل الماء إلى أصول الشعر، ثم تصب الماء على جسمها وتغسله. ثم تأخذ فرصة ممسكة، يعني قطعة من قطن أو قماش أو نحوها فيها شيء من الطيب، فتغسل أو تطيب به موضع نزول الدم. وفي هذا الحديث حرص النساء، نساء الصحابة رضوان الله عليهم، وخاصة نساء الأنصار على السؤال عن أمور دينهم، واتفقوا في ذلك. وأن مثل ذلك لا يمنعه الحياء، لا يمنع الحياء المرأة أن تسأل عن أمور دينها. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. فبعض الأشياء قد يستحيا منها، لكن لأجل معرفة الحكم الشرعي فتسأل عنه، تسأل عنه المرأة حتى تفعل ما أمر الله جل وعلا به على وجه صحيح، لكن مع التأدب بالأدب الشرعي، التأدب بالأدب الشرعي، فلا يكون سؤالها فيه شيء من قلة حياء في القول، أو كذلك يكون فيه خلوة أو نحو ذلك من المحاذير. وهكذا أيضا كذلك في هذا الحديث ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الحياء، فلما قال لها: «تطهري بها» يعني بهذه القطعة من المسك، قال: «سبحان الله، تطهري» يعني استحيا نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يفصح بأكثر من ذلك، حتى استتر وأشار سفيان بن عيينة كيف استتر بأن غطى وجهه، فأخذتها عائشة رضي الله عنها فقالت لها: تتبعي أثر الدم. والمراد به قيل: أن المراد تتبعي أثر الدم، أي غسل موضع الذي يخرج منه الدم، وهو الفرج، تغسله وتنظفه بهذه القطعة من الطيب. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان كثير الحياء، والحياء من الإيمان، الحياء من الإيمان. رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ينصح ويعظ أخاه في الحياء، قال: «دعه، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير». وفي لفظ: «الحياء خير كله». فالحياء من الإيمان. وفي حديث أبي هريرة في شعب الإيمان: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، أي خصلة من خصال الإيمان. وكما قال أهل العلم: الحياء خلق يبعث على فعل كل حسن وترك كل قبيح. وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام حييا. وقوله عليه الصلاة والسلام: «سبحان الله»، هذه كلمة تستعمل عند التعجب، إذا تعجب الإنسان من شيء فيقول: سبحان الله. يقول: سبحان الله على جهة التعجب، وفيها تنزيه لله سبحانه وتعالى عن النقائص والعيوب. سبحان الله، أن ينزه الله جل وعلا عن كل نقص وعيب. فاستعمل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع من باب التعجب. ووجه التعجب هنا أن هذا شيء واضح بين، يعني لا يحتاج إلى إفصاح أكثر من ذلك. فكيف يسأل عن مثل هذا الأمر؟ كيف يقال؟ قال: «سبحان الله»، هذا شيء ما يسأل عنه لأنه معلوم. فاستعمل هذه الجملة عليه الصلاة والسلام من باب التعجب. وهكذا أيضا في هذا الحديث كذلك من الأدب استخدام الألفاظ التي تبين المراد في بيان الشيء الذي يستحيا من ذكره والإفصاح به. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «تتبعي أثر الدم». وروى عائشة رضي الله عنها قالت لها: «تتبعي أثر الدم». وهذه أو النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تطهري بها»، «تطهري بها»، يعني تتبعي أثر الدم، «تطهري بها»، تتبعي بها أثر الدم. فهي كلمة، يعني ليس فيها شيء من الاستقباح، تؤدي المعنى المقصود من هذا الشيء الذي قد يستقبح ذكره والتصريح به. وهذا من الأدب، من الأدب في القول، أن الإنسان إذا تكلم وأراد أن يذكر شيئا يستقبح، يكني، يكني عنه بكلمة أو جملة لطيفة تؤدي المقصود، تؤدي المقصود، حتى لا يكون عنده شيء من الفحش في القول. وهذا أيضا من أخلاق المسلم أنه لا يكون فاحشا ولا متفحشا، يحاول قدر المستطاع أنه يبعد لسانه عن الكلمات التي تستقبح ويفحش التصريح بها. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». فالمؤمن ليس ببذيء اللسان، فاحش الخلق، فيعود لسانه على الكلام الطيب والكلام الحسن. وهذا أدب أدبه القرآن والسنة، كما نبه عليه في مواضع أخرى، كما في قول الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ كناية عن الجماع، أو ﴿لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ كناية عن الجماع، أو ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ كناية عن ذهاب الإنسان لقضاء حاجته ونحو ذلك. فهذا أدب ينبغي أن نتأدب به. وكذا أيضا كذلك في هذا الحديث بيان أن المرأة إذا اغتسلت من الحيض فإنه يستحب لها كذلك أن تتوضأ قبل الغسل كما تتوضأ في غسل الجنابة، تتوضأ ثم بعد ذلك تغتسل. وهل يجزئ هذا الغسل عن الوضوء؟ الجواب: نعم، لأن هذا غسل واجب، غسلها من المحيض غسلا واجبا، فيجزئها عن الوضوء. وكذلك أيضا يستحب استعمال شيء من الطيب بعد الاغتسال، تطيب به محل الدم، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، تأخذ فرصة من مسك، والمسك أطيب الطيب، إن تيسر المسك فهو الأفضل، وإن لم يتيسر فما يتيسر من الطيب، تطهر به المحل وتطيبه. طيب هذا ما يتعلق بهذا الحديث، الله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.