الدرس في كتاب الحيض 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح الحديث النبوي حول غسل الجنابة ويبين استحباب التقليل في استعمال الماء. تشجع السنة النبوية على الاقتصاد في استخدام الماء مع عدم الإسراف أو التبذير.
يتناول أحكام الاغتسال من الجنابة ويبين جواز الاغتسال من إناء واحد للرجل والمرأة. كما يجوز للمرأة أن تغتسل بفضل الرجل والعكس مع ذكر خلاف بعض أهل العلم.
يصف كيفية غسل النبي من الجنابة كما وصفته عائشة، حيث أرادت تعليم أبي سلمة وعبد الله بن يزيد كيفية الغسل عمليا. كما تطرق إلى جواز نظر المحرم إلى محارمه من النساء.
يجوز للمرأة المحرمة قص شعرها إذا احتاجت لذلك للعلاج، أما قصه لغير ضرورة أو التشبه بالكافرات والفاجرات فلا يجوز. يبين المقطع الأحكام المتعلقة بقص الشعر للمحرمة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي، قال: قرأت على مالك، وهو ابن أنس إمام دار الهجرة، عن ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من إناء هو الفرق من الجنابة. هذا الحديث بواب عليه الإمام النووي رحمه الله باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، يعني ما هو المستحب من القدر الذي يستعمله المغتسل لغسل الجنابة. وذكر فيه أحاديث من أحاديث عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل من إناء هو الفرق من الجنابة. والفرق إناء يسع ثلاثة آصع، كما قال جمهور أهل العلم: يسع ثلاثة صاع، والصاع أربعة أمداد، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بهذا القدر من الماء من الجنابة، قدر ثلاث آصع. وهذا فيه استحباب التقليل في استعمال الماء حتى في غسل الجنابة، أنه يستعمل القليل من الماء، ويحتاج إلى أكثر من ذلك لا بأس، لكن من غير إسراف أو تبذير. ولا شك أن الإسراف والتبذير محرم، فالله عز وجل يقول: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾، ويقول جل وعلا: ﴿ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا﴾. وفي هذه الأزمنة تجد أن الماء، بحمد الله، متوفر بكثرة، ويسهل استعماله عبر الرشاشات ونحوها، لكن ليس معنى هذا أن الإنسان يصرف في استعمال الماء، يفتح الحنفية على آخر شيء، ويجعل الماء ينزل بكثرة، ويذهب الكثير منه من غير استفادة منه. لا، تستعمله بالاقتصاد في استعماله، من غير إسراف أو تبذير، مما يحصل به المقصود، مع محاولة التقليل قدر المستطاع؛ لأن هذا هو السنة. السنة هو التقليل في استعمال الماء، هذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بقدر ثلاثة آصع، وكان عليه الصلاة والسلام يتوضأ بالمد، يتوضأ بمد، يعني من الكف، رجل يتوضأ به. وجاء أنه كان كذلك يغتسل بالصاع، كان يغتسل بالصاع، ومد ويتوضأ بالمد، يعني أقل من ثلاثة آصع، بصاع واحد، قدر أربعة أمداد أو خمسة أمداد، كان يغتسل بها النبي عليه الصلاة والسلام. لا شك أن هذا شيء قليل، الذي يفتح الحنفية أو الرشاش كم يخرج من الماء؟ كم آصع؟ ربما عشر، عشرون، ثلاثون، يعني لو أنه قلل، جعل خروج هذا الماء بعدل، وليس بقوة وكثرة، هنا سيقتصد في استعمال الماء. وهذا الأمر من السنة، الاقتصاد والتقليل. وإن كان الغسل ليس له التقدير محدد، لا بد أن تغتسل بكذا وكذا من الماء، لا، لكن ورد كما سمعنا في السنة التقليل. كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع، ثلاثة آصع، معنى أنه يقلل، قد يحتاج إلى أن يزيد، قد يكون الإنسان مثلا فيه شيء يحتاج إلى زيادة في الماء لإزالته، فيزيد على قدر الحاجة. وذكر الإمام النووي رحمه الله أنه نقل عن أهل العلم أنه قالوا: والمستحب أن لا ينقص في الغسل عن صاع، ولا في الوضوء عن مد. لا ينقص في الغسل عن صاع، ولا في الوضوء عن مد، كأنه هذا أخذ من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، أنه ما ثبت عنه أنه اغتسل بأقل من صاع. وكأنهم فهموا من ذلك أن أقل من صاع لا يحصل به كمال الغسل من الجنابة، كمال الغسل من الجنابة، فالأولى أنه يغتسل أقل شيء بصاع، وفي الغسل وفي الوضوء بالمد. إذا كان المغتسل عنده الشعر، يقال كذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان له شعر يضرب إلى منكبين، ومع ذلك كان يغتسل بالصاع. وذكر الإمام النووي رحمه الله: وحدثنا قتيبة بن سعيد، وهو بن جميل بن طريف أبو رجاء البغلاني، قال: حدثنا الليث، وهو بن سعد، أو بالحارث الفهمي، حدثنا ابن رمح، قال: أخبرنا الليث، وحدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وعمر الناقد وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا سفيان، كلاهما عن الزهري، يعني سفيان والليث كلاهما عن الزهري ومحمد بن مسلم عن عروة عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل في القدح وهو الفرق، وهو الفرق. وكنت أغتسل أنا وهو في الإناء الواحد. وفي حديث سفيان: من إناء واحد، قال قتيبة: قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع. هذا الحديث تخبر عائشة رضي الله عنها، كما أخبرت في رواية التي قبلها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل في القدح وهو الفرق. قلنا: الفرق ما يسع ثلاثة آصع. قالت: كنت أغتسل أنا وهو في الإناء الواحد. وفي حديث سفيان: من إناء واحد. هذا فيه جواز اغتسال الرجل مع أهله من إناء واحد، ولو كان كلاهما جنب، يغتسل من إناء واحد، أو في إناء واحد، يغترف منه ويغتسلان، فهذا جائز. ونقل إمام النووي رحمه الله أن تطهر الرجل والمرأة من إناء واحد أنه جائز بالإجماع، أنه جائز بالإجماع. وتطهر المرأة بفضل الرجل، يعني إذا استعمل الرجل الماء ثم جاءت المرأة تريد أن تستعمل هذا الماء، فإنه كذلك جائز بالإجماع، أن تغتسل المرأة بفضل الرجل. وأما اغتسال الرجل بفضل المرأة، فهذا فيه خلاف، استغسال الرجل بفضل المرأة، فهذا فيه خلاف، يعني اغتسلت المرأة من إناء ثم جاء الرجل يغتسل منه، ففيه خلاف. جمهور أهل العلم على الجواز، جمهور أهل العلم على الجواز، وهو الصحيح، لهذه الأحاديث الأدلة على جواز ذلك. ولا فرق بين اغتسال الرجل من فضل المرأة، أو اغتسال المرأة من فضل الرجل، أو اغتسالهما جميعا، أو هكذا اغتساله من فضل المرأة، وهذا هو الصحيح. وذهب جماعة من أهل العلم أنه لا يغتسل الرجل بفضل المرأة، وهو مذهب الإمام أحمد وداود، أن المرأة إذا اغتسلت بماء لوحدها، فلا يجوز للرجل أن يأتي فيستعمله. والصحيح أنه يجوز، وقد صح في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام اغتسل بفضل بعض أزواجه، وفي رواية بفضل ميمونة، بعد أن اغتسلت، فما بقي من الماء اغتسل به النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على جواز ذلك. وأما الحديث الوارد في النهي عن اغتسال الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، فهو ضعيف، فهو ضعيف. وإن صح فهو محمول على الكراهة، إن صح فيحمل على الكراهة، وإلا بالأحاديث الصحيحة، وهي أصح منه، في تبين جواز ذلك، أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والعكس. قال: وحدثني عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت، وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ثلاثا. قال: وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة. هذه الرواية يقول أبو سلمة بن عبد الرحمن: أنه دخل على عائشة هو وأخوها من الرضاعة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ابن أختها من الرضاعة، ابن أختها من الرضاعة، يعني عائشة خالته بالرضاعة، عائشة خالته بالرضاعة. وأبو سلمة بن عبد الرحمن أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر، فعائشة خالته بالرضاع، إذن كلاهما محرم لها، أبو سلمة بن عبد الرحمن، والذي دخل معه وهو عبد الله بن يزيد، عبد الله بن يزيد، وهو أخوها من الرضاعة. فسألها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، كيف كان يغتسل؟ فأرادت أن تبين لهم وتعلمهم بالتعليم النظري التطبيقي؛ لأن هذا مما يثبت في الذهن، ويكون أوضح وأبلغ في التعليم. وهذا أسلوب من أساليب التعليم التي كان يستعملها النبي عليه الصلاة والسلام، فمن ذلك صلاة عليه الصلاة والسلام بالناس، لما صلى على المنبر، قال: حتى تعلموا صلاتي. وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي. وهكذا علمهم مناسك الحج تطبيقا. فالتعليم الفعلي أبلغ في الفهم، وكذلك رسوخه في الذهن، من التعليم القولي. فأرادت أن تعلمهم فعلا، فأتت بإناء قدر الصاع، بإناء قدر الصاع، يعني فيه صاع من ماء، يحمل صاع من الماء، ثم استرت، وبينها وبينهم ستر، أي أنها سترت ما أسفل رأسها، جعلت رأسها مكشوف، وسترت ما تحت رأسها، حتى ينظر إليها كيف تغتسل، وكيف تصب الماء، فاغتسلت، وهم ينظرون، أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله بن يزيد. قالت: وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ثلاثا، يعني ثلاث حثيات، كما مر معنا في صفة غسل الجنابة. وكونهم رأوها وهي تفرغ على رأسها، هذا يدل على أنه يجوز للمحرم، أو للمحرم أن ينظر إلى محرمه من النساء، ما يجوز أن تكشفه من مواضع الوضوء، فالمحرم ينظر من المرأة مواضع الوضوء، كالوجه والرأس والعنق واليدين والقدمين، هذا يجوز للرجل أن ينظر إلى محارمه من النساء إلى هذه المواضع. وأما ما هو دون ذلك، كالصدر وما سفل، فهذا لا يجوز النظر إليه. ولهذا عائشة رضي الله عنها سترت بستار، لا ينظرون إلا إلى رأسها فقط، لا ينظرون إلا إلى رأسها، هذا الذي يجوز أن ينظر إليه الرجل من محارمه. قالت: وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة. كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يأخذن من رؤوسهن، يعني يقصصن، يقصصن من شعورهن، حتى تكون كالوفرة، الشعر الذي يصل إلى المنكبين، الشعر الذي يصل إلى المنكبين. واللمة ما يصل إلى الأذنين، ما يصل إلى الأذنين. وهذا كما قال أهل العلم، كالقاضي عياض رحمه الله وغيره: أنهن فعلن ذلك بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنهن لا يحتجن إلى الزينة، والشعر من زينة المرأة، من زينة المرأة. فكون النبي صلى الله عليه وسلم توفي، وهن ليس لهن أزواج بعده، فلا يحتجن إلى الزينة، فكن يأخذن من شعورهن، تخفيفا على أنفسهن، في هذا الشعر، محتاجن له في تصفيفه وتمشيطه ونحو ذلك، فكن يفعلن ذلك، أخذن من شعورهن حتى تكون كالوفرة. وأما في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، فما كن يأخذن من شعورهن شيئا، ما كن يأخذن من شعورهن شيئا، بل كان العرب من عادتهم، عادة النساء، أنهن يطلن شعورهن، ويستعملن العقد، عقد الشعر؛ لأن الشعر من زينة المرأة، من زينة المرأة. ولهذا قال أهل العلم: لا يجوز للمرأة أن تأخذ من شعرها شيئا، لا يجوز أن تأخذ من شعرها شيئا، إلا ما كان في التحلل من الإحرام، في الحج والعمرة، فإنها تقص منه قدر أنملة. أو كذلك أيضا إذا احتاجت إلى علاج، أصابها شيء من المرض في رأسها، فاحتاجت إلى أخذ شيء من شعرها، أو حلقه، إذا احتاجت إلى ذلك، واضطرت إليه للعلاج، فيجوز. أما لغير ذلك، فلا، أن تقصه أو تشبه بالكافرات والفاجرات والممثلات، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز، من تشبه بقوم فهو منهم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.