الدرس في كتاب الصلاة 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح رواية الإمام مسلم لحديث عبد الله بن عمر عن رفع اليدين في الصلاة، وبيان المتابعة التامة في سند الحديث. يوضح المقطع اختلاف الروايات حول رفع اليدين بين السجدتين.
يستحب رفع اليدين في أربعة مواضع في الصلاة: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام إلى الركعة الثالثة. رفع اليدين في هذه المواضع مستحب وليس بواجب لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
يشرح صفة الصلاة كما وردت في حديث عن أبي هريرة، حيث كان يكبر كلما خفض ورفع. يبين أهمية اتباع سنة النبي في الصلاة، واستدلال بعض العلماء بهذا الحديث على التكبير عند سجود التلاوة.
صلاة العيد تشتمل على تكبيرات إضافية بعد تكبيرة الإحرام، ويختلف عددها باختلاف عدد الركعات. في الركعتين إحدى عشرة تكبيرة، وفي الثلاث ركعات سبع عشرة تكبيرة، وفي الأربع ركعات اثنتان وعشرون تكبيرة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وسعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعمر الناقد، وزهير بن حرب، وابن نمير، كلهم عن سفيان بن عيينة. رواية هؤلاء كلهم عن سفيان بن عيينة تسمى ماذا؟ متابعة، كل واحد متابع للآخر، متابعة تامة أو قاصرة؟ تامة، متابعة تامة؛ لأنهم كلهم اتفقوا في الرواية عن شيخ واحد، وهو ابن عيينة، فهي متابعة تامة. فإن كانت المتابعة في شيخ الشيخ فمن فوقه، فهي متابعة قاصرة. قال: كلهم عن سفيان بن عيينة. أبو محمد الهلالي، واللفظ ليحيى، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، عن سالم، وهو ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه، وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أحد السبعة المكثرين من الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. جمعوا في قول القائل: المكثرون في رواية الأثر، أبو هريرة، يليه ابن عمر، وأنس، والحبر، والخدري، وجابر، وزوجة النبي. هؤلاء السبعة ممن رووا عن النبي عليه الصلاة والسلام فوق الألف من الحديث، وأكثرهم أبو هريرة رضي الله عنه، رووا فوق خمسة آلاف حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وقبل أن يركع، وإذا رفع من الركوع، ولا يرفعهما بين السجدتين». قال: وحدثني محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، وهو من همام الصنعاني، قال: أخبرنا ابن جريج، وهو عبد الملك، فقيه، إلا أنه مدلس، لكن هنا صرح بالتحديث، قال: حدثني ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، وقبل أن ابن عمر، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكون حذو منكبيه، ثم كبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود». قال: وحدثني محمد بن رافع، قال: حدثنا حجاج، وهو المثنى، قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث الفهمي، عن عقيل... وحدثني محمد بن عبد الله بن قهزاد، قال: حدثنا سلمة بن سليمان، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس، كلاهما عن الزهري بهذا الإسناد، كما قال ابن جريج: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكون حذو منكبيه، ثم كبر». قال: حدثنا يحيى، من يحيى هو التميمي، قال: أخبرنا خالد، من عبد الله، عن خالد، عن أبي قلابة، وهو عبد الله بن زيد الجرمي، أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر، ثم رفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه. وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعلها كذا. قال: حدثني أبو كامل الجحدري، قال: حدثنا أبو عوانة، وهو واسمه الوضاح، من عبد الله اليشكري، قال: عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك». قال: وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، وابن أبي عروبة، عن قتادة، بهذا الإسناد، أنه رأى نبي الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «حتى يحاذي بهما فروع أذنيه». هذه الأحاديث فيها استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، قال: «من عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه»، يعني عند تكبيرة الإحرام، استفتاح الصلاة يكون بتكبيرة الإحرام، فيدل ذلك على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وهذا أمر مجمع عليه، كما قال الإمام النووي رحمه الله: أجمع أهل العلم على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، واختلفوا فيما عداها، هل يستحب رفع اليدين أم لا؟ ودلت هذه الأحاديث كذلك على استحباب رفع اليدين عند الركوع، وبعد الرفع من الركوع، كذلك يستحب رفع اليدين، وبهذا قال جمهور أهل العلم. وهكذا أيضا عند القيام إلى الركعة الثالثة، فإنه كذلك يستحب رفع اليدين، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه الأحاديث، حديث ابن عمر، ومالك بن الحويرث، تدل على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع. وكما ذكرنا أيضا أنه يستحب كذلك في الموضع الرابع، وهو القيام إلى الركعة الثالثة، القيام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة، فيستحب كذلك رفع اليدين، كما صح في حديث ابن عمر. فهذه المواضع الأربعة تواتر فيها رفع النبي عليه الصلاة والسلام ليديه عند التكبير. وقوله: «ولا يفعل أو يفعله حين يرفع رأسه من السجود»، يعني إذا رفع رأسه من السجود وجلس بين السجدتين لم يرفع يديه، فابن عمر يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يرفع يديه في هذا الموضع. وبعض أهل العلم ذهب إلى أنه لا يستحب رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام، لا يستحب رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام، هو مذهب أبي حنيفة، قالوا: لا يستحب رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام، وهو أيضا المشهور عن الإمام مالك رحمه الله. والصواب الأول ما ذكرناه، من أنه يستحب رفع اليدين في هذه المواضع، لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورفع اليدين في هذه المواضع مستحب، مستحب وليس بواجب، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. وذكر أيضا في الحديث صفة الرفع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه، يعني يجعل اليدين مقاربة ومحاذية للمنكبين، وفي الرواية الأخرى: «إلى فروع أذنيه»، يعني يجعل اليدين إلى مقاربة أو جهة الأذنين، فيكون الرفع: رفع اليدين حذو المنكبين أو إلى فروع الأذنين. قال رحمه الله: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، ومعنى أنس، إمام دار الهجرة، والإمام مالك رحمه الله كان يفضل القراءة على التحديث، بدلا من أن يقرأ ويحدث، يحدث التلاميذ ويسمعهم، فهم يقرؤون عليه، هم يقرؤون عليه. قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، أي الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة كان يصلي لهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فلما انصرف، قال: «والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم». في هذا الحديث: صلى أبو هريرة رضي الله عنه بالناس، وذلك لما ولي إمارة المدينة في أحد مرات من الحكم، فصلى بهم، فكبر بكل خفض ورفع، يعني عند الركوع، وعند السجود، وعند الرفع من السجود، وعند القيام إلى الركعة التي بعدها. فلما انصرف، أي انتهى من الصلاة، قال: «والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم»، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، بأنه كان يكبر في كل خفض ورفع، كان يكبر في كل خفض ورفع. وهذا فيه حرص الصحابة رضي الله عنهم على متابعة النبي عليه الصلاة والسلام في صلاته وعباداته، والتشبه به عليه الصلاة والسلام، عملا بقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فالصحابة رضي الله عنهم رأوه بأعينهم، وصلوا معه، وحرصوا على نقل ذلك للأمة كما رأوه من النبي صلى الله عليه وسلم. وهو حين يقول: «والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله»، هذا إخبار منه وإعلام أنه يصلي بهم كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، حتى يقتدوا به ويصلوا كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم. ومن لم ير النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يتعلم صلاة النبي عليه الصلاة والسلام التي نقلها الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فيفعل مثلهم، حتى تكون صلاته كصلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على أن الإمام إذا قرأ آية سجدة فإنه يكبر عند السجود، ويكبر عند الرفع من السجود من سجود التلاوة، استدلالا بعموم هذا الحديث: «كان يكبر كلما خفض ورفع»، وهو إذا سجد لسجود التلاوة فإنه سيخفض ويهوي إلى السجود فيكبر، وإذا رفع وقام فيكبر. والمسألة اجتهادية وفيها خلاف، لكن الأخذ بعموم هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يكبر في كل خفض ورفع» يؤيد القول بالتكبير عند السجود وعند الرفع منه. وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، ومنهم العلامة ابن عثيمين رحمه الله. وعلى التكبير بكل خفض ورفع ورفع، فتكون الصلاة الثنائية، أي ذات الركعتين، تشتمل على إحدى عشرة تكبيرة، تشتمل على إحدى عشرة تكبيرة: تكبيرة الإحرام، وخمس تكبيرات في كل ركعة. وفي الثلاثية سبع عشرة تكبيرة، وفي الرباعية اثنتان وعشرون تكبيرة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.