الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 108، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المحور تحديد هوية الراوي «إسحاق» في إسناد البخاري مرجحًا أنه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي لملازمته رواية أهل الكوفة والبصرة. ثم يستعرض سلسلة الإسناد المتصلة وصولًا إلى الصحابي جرير بن عبد الله البجلي عبر جرير بن عبد الحميد وأبي حيان وأبي زرعة.
يروي المحور حضور جبريل عليه السلام بصورة رجل ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة فيجيب بتعريف كل ركن. ويختتم بكشف النبي للصحابة أن السائل كان جبريل جاء ليعلمهم دينهم.
يشرح المحور علامات الساعة الواردة في الحديث كظهور الحفاة العراة في مواقع القيادة وتولية الأمر لغير أهله. ويؤكد أن علم الساعة ومفاتيح الغيب الخمس مختصة بالله وحده لا شريك له.
يوضح المحور أن العلماء قسموا الدين إلى ثلاثة أقسام جامعة هي الإسلام والإيمان والإحسان. ويبين أن جميع أعمال الدين الظاهرة والباطنة تندرج تحت هذه الأقسام الثلاثة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: إن الله عنده علم الساعة». قال: حدثني إسحاق. وإسحاق ظاهر أنه إسحاق بن إبراهيم. الحمد لله، إشبعد عندكم في النصح عن الله عن جريم كلكم أنكم عنه أو حدثني أو أخبرني عنه. غالباً إسحاق بن إبراهيم يأتي بعده «أخبرني»، أنا ملازمة له غالباً. لكن إسحاق بن إبراهيم الحمد أكثر ما يروي عنه البخاري روايته عن أهل الكوفة والبصرة، روايته عن أهل الكوفة والبصرة، وكذلك عن سفيان بن عيينة، وعن عبد الرزاق. ولأن إسحاق بن إبراهيم لما جاء من خراسان خرج أول ما خرج إلى البصرة، ثم كان يتنقل بين البصرة والكوفة، ثم ذهب إلى بغداد. فمشايخ البخاري ممن يسمى إسحاق هم كثيرون، وأشهرهم إسحاق بن راهويه. لأن هنا أحاديث إسحاق، قال: حدثني إسحاق، ولم يذكر من هو إسحاق هنا. وقال بمشايخه الذين يروي عنهم ممن يسمى بإسحاق: إما هذا إسحاق بن إبراهيم وهو شيخه الأكبر الذي أخذ بفكرته عندما ألف هذا الصحيح. أنا سمع إسحاق بن إبراهيم يقول: «لو أن أحدًا ألف في صحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم» فأخذها البخاري. وغالباً كما قلنا إسحاق بن إبراهيم يروي عنه البخاري حديث أهل الكوفة والبصرة، وأحياناً يروي عنه أيضاً أو يروي عنه عن سفيان بن عيينة، وعن عبد الرزاق. وأما الآخرون كإسحاق بن نصر البخاري فغالباً يروي عنه أحاديث أهل خراسان، وأما إسحاق بن منصور الكوسج فيروي عنه غالباً أحاديث أهل بغداد، وأما إسحاق بن عيسى فهو يروي عنه أحاديث المدينة. هذا غالباً لكن أحياناً قد يختلف هذا الأمر. فهنا إسحاق روى عن جرير، وجرير هنا ابن عبد الحميد الضبي، أبو عبد الله الكوفي. فظاهر أنه إسحاق بن إبراهيم، ولم يذكر الحافظ فيه شيئاً. قال: حدثني إسحاق عن جرير، وهو ابن عبد الحميد الضبي، أبو عبد الله الكوفي، رحمه الله، عن أبي حيان. ظهر أنه خالد بن حيان، عن أبي زرعة، وهو ابن عمر بن جرير البجلي، أبو زرعة ابن عمر بن جرير البجلي اليمني، عن جرير بن عبد الله الذي يُلقى بيوسف هذه الأمة، وهذا حفيده أبو زرعة. قال: عن أبي زرعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يوماً بارزاً للناس، ظاهراً للناس، والناس حوله، إذ أتاه رجل يمشي، فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ في حديث عمر رضي الله عنه أنه قال: رأينا رجلاً شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد. انظر إلى هذا الوصف الدقيق: شديد سواد الشعر، وشديد بياض الثياب. وهنا قال: معنى ثيابه كانت بيضاء، ولو كان جاء من سفر لجاء بثياب متسخة، خاصة إذا كانت بيضاء. لكن هذه الثياب ناصعة البياض، ناصعة البياض. وكذلك قال: لا يرى عليه أثر السفر، لا تعب ولا تساخ ولا كذا، فهذا شيء مريب، ولا يعرفه منا أحد. أي لا يعرف هذا الرجل، ولا يعرف أحد من الصحابة رضي الله عنهم. فلذا استغربوا. وأيضاً كان استغرابهم وتعجبهم أكثر لما كان يسأله ويصدقه. فلما سأله عن الإسلام قال: صدقت. قال: فعجبنا له، كيف يسأله ويصدقه؟ عما يصدق إلا من كان يسأل للاختبار، ليس يسأل ليعرف هذا الشيء، وإنما هو يعرفه. ولكن ذهب عجب الصحابة رضي الله عنهم في آخر، لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا جبريل أتاكم ليعلمكم أمر دينكم». فعرفوا أن الذي جاء هو جبريل، جاء بصورة رجل. فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر». قال: ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». إذا كان السائل لا يعلم فالمسؤول عنها لا يعلمها. قال: «ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت المرأة ربتها فذاك من أشراطها». ولدت ربتها، ولدت سيدتها. وقال العلماء: إما أن هذا فيه يكثر العبيد، والعبيد والحرب بين الناس حتى يكون الأسرى بينهم، فتؤسر المرأة فتكون عند ابنتها عبدة على تملكها. وقيل غير ذلك. وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أن من ملك ذا رحم فهو حر». على الذي يملك ذا رحم والده أو أمه، فبمجرد ما يكون أحد من أرحامه، فبمجرد ما يكون يدخل في ملكه يكون معتقاً. أن لو أمه مثلاً صارت في ملكه فتكون معتقة، لأنه لا يجوز أن الإنسان يتسلط على أمه، ويتسلط على أبيه. فقال: «إذا ولدت المرأة ربتها فذاك من أشراطها، وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها». جاء في حديث عمر: «وترى الحفاة العراة العالة». الحفاة الذين يمشون بدون نعل، والعراة بدون ثياب. ليس أنهم بدون ثياب في جسمهم كله، وإنما في بعض جسمهم. وهذا غالباً عُرف به البدو الذين يجلسون في الجبال ومواقع القطر، فغالباً تجد أنهم يلبسون ثياباً خفيفة، خاصة في الجزيرة، لأن الجزيرة غالباً أماكن حارة. أما في الشام وغيرها من هذه الأماكن فيكون برداً، فغالباً الناس يغطون أو يلبسون أكثر، يعني يغطون أكثر أجسادهم. «فترى الحفاة العراة العالة، رعاة الشاء، يتطاولون في البنيان». وهنا قال: «رؤوس الناس»، رؤوس الناس يترأسون الناس، يكونون من المسؤولين عليهم، ومن رؤسائهم، ومن حكامهم. هؤلاء الذين كانوا حفاة عراة. وقد يكون هذا أيضاً مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام، لما قال له الرجل: متى الساعة يا رسول الله؟ قال: «وما أعددت لها؟» أو قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. فقال: كيف إضاعتها؟ فذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن إضاعتها أن تكون ولايات الناس ليس في أهلها، أن يولى أو أن يولي الناس، الناس ليسوا أهلاً أن يولوا، أن يولوا هذه المناصب لأنهم لا يستحقونها، إما لجهلهم وإما لظلمهم. فإذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». وهذه الأزمان التي يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قالوا: ما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العام». قال هنا في هذا الحديث: «وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها». «في خمس لا يعلمهن إلا الله: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام». وهذا هو وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب، وهي قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾. هذه مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، كما سيأتي في الحديث الذي بعده. قال: ثم انصرف الرجل، فقالوا: ردوا علي، أو ردوا... ردوا علي. فأخذوا ليردوا على النبي عليه الصلاة والسلام، كان يعلم أنهم لا يستطيعون أن يردوا، لكن يريد أن يعلمهم من هو. فأخذوا ليردوا فلم يروا شيئاً. فقال: «هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم». جاء ليعلم الناس دينهم. لهذا قال العلماء: أن الدين ينقسم إلى ثلاثة أقسام، هي التي ذكرت في هذا الحديث: إسلام، وإيمان، وإحسان. لا يخرج شيء من الدين عن هذه الثلاثة الأشياء، إما أعمال ظاهرة، وإما أعمال قلبية باطنة. طيب، فهذا إن شاء الله ما يذكر، ونكتفي به، والله تعالى أعلم.