الدرس في كتاب الصلاة 30، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبرز أهمية الإصلاح بين الناس كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بين بني عمرو بن عوف، وتأثير ذلك على أداء الصلاة حيث تأخر النبي عن الصلاة وصلى أبو بكر بالناس. الإصلاح بين المتخاصمين عمل فاضل كما جاء في القرآن الكريم.
يشرح المقطع قصة تأخر النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بسبب إصلاح بين بني عمرو بن عوف، فصلى أبو بكر بالناس، ثم أتم النبي الصلاة، ويبين أحكام الصلاة خلف غير الإمام والتعامل مع الالتفات في الصلاة عند الحاجة.
يشرح كيفية تنبيه الإمام إذا سهى أو نسي ركنا من أركان الصلاة، حيث أباح النبي التسبيح للرجال والتصفيح للنساء، ويبين أحكام تكلم المأموم مع الإمام لمصلحة الصلاة وأثر ذلك على صحة الصلاة.
يتناول حديثا نبويا يدل على جواز تقديم أفضل الحاضرين للصلاة إذا تأخر الإمام، ويبين ترتيب النووي لهذا الحديث تحت باب يشرح هذا الحكم، ويشير إلى عدم وجود حرج في تقديم شخص للصلاة في هذه الحالة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس، أبو الحسين، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي بالناس؟ قال: نعم، قال: فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمكث مكانه، فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله عز وجل على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى، ثم انصرف، فقال: يا أبا بكر، ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ قال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق، من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيح للنساء». قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز، عن ابن أبي حازم، وقال قتيبة: حدثنا يعقوب، وهو ابن عبد الرحمن القاري، كلاهما عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، بمثل حديث مالك. وفي حديثهما: فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله، ورجع القهقرى وراءه حتى قام في الصف. قال: وحدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: أخبرنا عبد الأعلى، قال: حدثنا عبيد الله، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: ذهب نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلح بين بني عمرو بن عوف، بمثل حديثهم، وزاد: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرق الصفوف حتى قام عند الصف المقدم، وفيه أن أبا بكر رجع القهقرى. هذا الحديث فيه فضيلة الإصلاح بين الناس، وهي من الأعمال الفاضلة، قال الله جل وعلا: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾، فالإصلاح بين الناس من الأعمال والمعروف الذي يؤديه المسلم لأخيه المسلم، إذا حصل خصام بين شخصين أو بين طائفتين أو قبيلتين، فيسعى في الصلح بينهم، أو بين الرجل وأمرأته، فالصلح خير، كما قال الله عز وجل: ﴿والصلح خير﴾. فالنبي عليه الصلاة والسلام ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم بنفسه عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه كذلك قيام ولي الأمر بهذه المهمة بالإصلاح، أو كذلك من كان دونه، وهكذا أهل الفضل وأهل العلم وأهل الخير، فالمقصود أن الإصلاح بين الناس من الأعمال الفاضلة. فذهب النبي عليه الصلاة والسلام يصلح بين بني عمرو بن عوف، جاء وقت الصلاة، والنبي عليه الصلاة والسلام هو الإمام، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فاستأذنه أن يصلي بالناس، فقال: أتصلي بالناس؟ قال: نعم. أن يصلي غير الإمام، ولم يكن في إقامة الصلاة عند تأخره مفسدة، فإنه لا بأس حينئذ أن يصلي غير الإمام، والمؤذن يختار من يراه أفضل، من يراه أفضل القوم وأحسن القوم أو أعلم القوم، فإنه يستأذنه بالصلاة بالناس. وهكذا فعل المؤذن، ولعله بلال، لأنه كان هو مؤذن نبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، فاختار أبا بكر رضي الله عنه لأنه أفضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فصلى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بالناس، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام والناس في الصلاة، فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام جعل الناس يصفقون، جعل الناس في الصلاة يصفقون، وأبو بكر رضي الله عنه لا يلتفت، لما أكثر الناس التصفيق التفت، وهذا فيه جواز الالتفات في الصلاة عند الحاجة. وأما الالتفات من غير حاجة، فهذا منهي عنه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يلتفت المصلي كالتفات الثعلب، يعني التفاتا بخفية وكثرة تَلَفُت كما يفعل الثعلب، هذا منهي عنه. إذا كان هناك حاجة، فلا بأس أن يلتفت ليرى ما الأمر، إذا سمع الشيء مثلا أو خاف من حصول شيء فيلتفت حتى يتأكد ما الذي حصل. وهكذا مثلا المرأة تصل في بيتها فيغيب عنها ولدها، وهو في الصلاة، فتخاف عليه، فتلتفت تنظر: أين ذهب، وإلى أي مكان توجه؟ لا بأس إذا كان قليل الحاجة، فلا بأس بذلك. وهذا التفت أبو بكر رضي الله عنه فرأى النبي عليه الصلاة والسلام، فأراد أن يرجع حتى يتقدم النبي عليه الصلاة والسلام، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يمكث مكانه، أي يبقى لا يتحرك. لكن أبى أبو بكر رضي الله عنه أن يصلي والنبي صلى الله عليه وسلم خلفه، فرجع القهقرى، أي رجع إلى الخلف، وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم وانتهى من صلاته، ذكر لأبي بكر أو أخبره لماذا لم يمكث محله إذا أمره بذلك، لأن صلاة الفاضل خلف المفضول جائزة. فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يبقى محله، ولم يسأله عن ذلك: ما الذي منعك؟ قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من تواضعه رضي الله تعالى عنه. وكذلك أيضا قال النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: «ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق، من نابه شيء في صلاته فليسبح»، في مشروعية التسبيح للمأموم إذا أراد أن ينبه الإمام على شيء، إذا حصل شيء في الصلاة، كأن سهى الإمام أو نحو ذلك، وأراد المأموم أن ينبه الإمام، فإنه ينبهه بالتسبيح، يقول: سبحان الله، سبحان الله، فينتبه الإمام إذا نسي مثلا ركنا من أركان الصلاة. فالمشروع للمأموم خلف الإمام إذا أراد أن ينبه الإمام أن يسبح، وإذا لم ينتبه الإمام، قيل: سبحان الله، قام، سبحان الله، جلس، ما درى أين موضع السهو، نسي وسهى، فقال بعض أهل العلم: لا بأس عندئذ أن يتكلم أحد المأمومين خلفه، ويقول: نسيت الأمر الفلاني، مثلا تركت السجود أو الركوع أو تركت القيام، فيتكلم معه، وهذا الكلام يكون لمصلحة الصلاة، ويستمر في صلاته. وقال آخرون: بل يتكلم، ثم تبطل صلاة هذا المتكلم، ويستانف في الصلاة من جديد، وهذا هو الصحيح في مثل هذه الحال، إذا نسي الإمام موضع السهو، فلا بأس أن يتكلم المأموم خلفه بالموضع الذي نسيه، ثم هذا المتكلم يستانف الصلاة من جديد، لأنه بكلامه عمدا قد بطلت صلاته، فيستانف الصلاة من جديد، وهذا القول هو الصحيح، أن من تكلم متعمدا، ذاكرا أنه في الصلاة، ولو كان لمصلحة الصلاة، فإن صلاته تبطل. لكن لا بأس أن يتكلم من أجل مصلحة الجميع، هو الآن يفسد صلاته لأجل سلامة صلاة جميع المصلين، فهذا أمر حسن، ويستانف الصلاة من جديد، ويكمل مع الإمام، وإذا فاته شيء، يعني من الصلاة مع الإمام، قام وأتى به بعد أن يسلم الإمام، هذا بالنسبة للرجال. أما النساء، فالمشروع في حقهن التصفيح، هنا قال: التصفيح، في بعض روايات: التصفيق، والتصفيح: ضرب باطن الكف اليمنى على ظهر الكف اليسرى، هكذا، هذا التصفيح إذا أرادت مثلا المرأة أن تنبه من تصلي، مثلا إذا كانت تصلي بجماعة مع النساء، فأرادت أن تنبه من تصلي بها، فتضع، تضرب يدها اليمنى على كف يدها اليسرى، أو أرادت أن تنبه على شيء، فإنها تفعل ذلك، ولو صفقت كذلك، فلا بأس بذلك عند الحاجة. لكن من غير تساهل، بعض النساء ربما تتساهل في مسألة التصفيق في الصلاة، كلما حصل شيء، يعني أشياء ربما تافهة، ما تحتاج إلى أن تصفق، تجلس تصفق في الصلاة، هذا خطأ، إذا كانت هناك حاجة أو ضرورة احتاجت إلى أن تنبه بالتصفيق، فلا بأس، وإلا فالأصل أنها تترك ذلك، لأنه يكون هذا من العبث واللعب الذي ينبغي أن يتنزه عنه المصلي. فهذا الحديث المقصود منه أو الشاهد منه في ذكره في هذا الموضع، وهو تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام، وعلى هذا، باب الإمام النووي رحمه الله، على هذا الحديث: باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام، وأنه لا حرج في ذلك إذا تأخر الإمام، أن يصلي من يراه الناس أفضل، أو المؤذن على جهة الخصوص، من يرى أفضل الحاضرين، فإنه يقدمه للصلاة. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.