كتاب الصلاة 35

كتاب الصلاة 35

الدرس في كتاب الصلاة 35، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية تسوية الصفوف في الصلاة وتأثيرها على الوحدة

يشرح هذا المحور أهمية تسوية الصفوف في الصلاة كما ورد في حديث أبي مسعود، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسح مناكب المصلين ويقول: "استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم". يشدد النبي على ضرورة تراص المصلين وتسوية الصفوف لتلافي الاختلاف في القلوب والوجوه. كما يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية تسوية الصفوف في الصلاة، حيث يعتبرها من تمام الصلاة، ويأمر المصلين بإتمام الصفوف والوقوف بانتظام جنبًا إلى جنب.

دور اتباع السنة في تحقيق التآلف والاجتماع

يشرح هذا المحور أهمية اتباع السنة في تحقيق الاجتماع وتآلف القلوب، ويبين أن إهمال العمل بالسنة يؤدي إلى التفرق والاختلاف، مستشهدا بحديث أبي مسعود رضي الله عنه حول إقامة الصفوف ورصها في الصلاة.

إتمام الصفوف وإقامتها كجزء من كمال الصلاة

يؤكد هذا المحور على أن إقامة الصف في الصلاة من كمالها وتمامها، حيث يجب تعديل الصفوف وتراصها لتمام الصلاة، واختلال الصف يعتبر نقصا في الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر، عن أبي مسعود، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: «استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا. هذا الحديث فيه اهتمام النبي عليه الصلاة والسلام بتسوية الصفوف وإقامتها. قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام يمسح مناكبنا في الصلاة، والمقصود أنه كان يسوي بين مناكبهم حتى تتعدل الصفوف، فلا يكن فيها اختلال وتقدم وتأخير، فيجعل المنكب مع المنكب، والكعب مع الكعب، حتى تتساوى الصفوف. ويقول: «استووا» عند إقامة الصلاة، وهذا من الألفاظ المشروعة التي يقولها الإمام عند إقامة الصلاة. «استووا» يعني تراصوا، يكونوا مستوين على صف واحد. «ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم»، أي: لا تختلفوا في الاصطفاف، وفي القيام، وفي إقامة الصفوف، فتختلف القلوب. وفي بعض الروايات: «فتختلف وجوهكم». واختلاف القلوب يؤدي إلى اختلاف الوجوه، فالإنسان إذا وقع في قلبه شيء على آخر، يظهر هذا في وجهه. إذا، مثلا، تخاصم مع إنسان، حصل بينه وبين أخيه خلاف في أمر من الأمور، وتأثر بذلك، فإنه إذا نظر إلى وجهه، يرى أثر ذلك في وجهه، يرى أثر ذلك في وجه من المؤاخذة والحزن ونحو ذلك. وهذا بسبب اختلاف القلوب، إذا اختلفت القلوب، اختلفت الوجوه، وحصل التباغض والتدابر والتقاطع. فلهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الاختلاف، حتى لا يؤدي ذلك إلى اختلاف القلوب. ثم قال: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى»، أي: ليكن خلفي أولو الأحلام والنهى. الأحلام، أي: أولو العقول، أي: العقلاء من الرجال. وكذلك أولو النهى، والنهى هو أيضا العقل، قيل: سمي بذلك لأنه به يفعل المرء ما تهتدي إليه عقله من فعل شيء أو ترك شيء. وقيل: سميت العقول بالنهى لأنها تنهى صاحبها عن القبائح. والمقصود أنه يكون خلف الإمام أهل العلم والفضل، أهل العلم والفضل، حتى إذا حصل للإمام شيء، فإنهم يعرفون كيف يتصرفون، بالفتح على الإمام، أو إن احتاج أن يستخلف أحدا لأمر، فيكون خلفه من هو أهل لذلك، فيقدمه في الصلاة. قال: «ثم الذين يلونهم»، يعني: من كان مقاربا لهم، وهو دونهم في المنزلة، فيكونون خلفهم أو بجانبهم. «ثم الذين يلونهم»، أي: من كان دون ذلك، فيتقدم الأفضل، ثم من كان دونه، ثم من كان دونهم. ثم قال أبو مسعود رضي الله تعالى عنه: «فأنتم اليوم أشد اختلافا»، كأنه يقول: بسبب عدم اهتمامكم بهذه السنة، وبإقامة الصفوف والتراص فيها، حصل التفرق، تفرقت القلوب، فتفرقت الأجساد والوجوه. ففي هذا دلالة على أن العمل بالسنة سبب للاجتماع، العمل بالسنة سبب للاجتماع والإتلاف، وترك السنة ومخالفتها سبب للتفرق والاختلاف. انظروا، النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتساوي، ورص الصفوف، وإقامتها، وعدم الاختلاف، حتى لا تختلف القلوب. فدل هذا على أن العمل بالسنة سبب لاجتماع القلوب، وتآلفها، وتراحمها. وإذا حصل عكس ذلك، كما هو الواقع اليوم، قل أن تجد من يهتم بإقامة الصفوف وتراصها، تصلي في بعض المساجد، بينك وبين الذي بجانبك ربما أربع أصابع، وإذا اقتربت منك، يبتعد منك، كأنك ستصيبه بكهرباء، بسبب الجهل وعدم الاهتمام بالسنة. فحصل كما قال أبو مسعود رضي الله عنه: «أنتم اليوم أشد اختلافا»، بسبب إهمال العمل بالسنة، وترك ذلك، فحصل الاختلاف. والله المستعان. قال رحمه الله: وحدثنا إسحاق، قال: أخبرنا جرير، وحدثنا ابن خشرم، قال: أخبرنا عيسى -يعني ابن يونس- وحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا ابن عيينة بهذا الإسناد نحوه. قال: حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، وصالح بن حاتم بن وردان، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثني خالد الحذاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم -ثلاثا- وإياكم وهيشات الأسواق». «إياكم» يعني احذروا من هيشات الأسواق، يعني من رفع الصوت والصياح واللغط الذي يقع في الأسواق، لا تفعلوا مثل ذلك في بيوت الله جل وعلا. فالمساجد ينبغي أن تنزه عن أن تجعل مثل الأسواق، برفع الأصوات فيها، وكثرة الكلام، أو رفع الصوت في الخصومات والمنازعات للآخر، فهذا مما لا يليق ببيوت الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة». هذا الحديث حديث أنس فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتسوية الصفوف، وكما مر معنا، تسوية الصفوف بأن تكون الصفوف معتدلة مستقيمة، ليس هناك اختلال فيها بتقدم وتأخر، بل تكون كالبنيان المرصوص، كل واحد بجانب الآخر، المنكب بالمنكب، والكعب بالكعب. فتسوية الصفوف هو من تمام الصلاة، أي: مما يحصل به كمال الصلاة وتمامها. قال رحمه الله: حدثنا شيبان بن فروخ، قال: حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، وابن صهيب، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتموا الصفوف، فإني أراكم خلف ظهري». هذا كذلك فيه الأمر بإتمام الصفوف، وقول: «فإني أراكم خلف ظهري»، كما مر معنا، هذه رؤية حقيقية، مما أيد الله عز وجل به نبيه عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها، وقال: «أقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة». إقامة الصف من حسن الصلاة، يعني: من كمالها وتمامها، أن تعدل الصفوف، وتقام على أحسن نهاية. وإذا اختلت، هذا من اختلال الصلاة، إذا كان الصف مبعثرا، هذا متقدم، وهذا متأخر، وهذا بعيد من الآخر، يعني: ترى نوعا من الاختلال والنقص، بخلاف إذا كانت متراصة مستوية، فإن هذا من كمال الصلاة وتمامها. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.