كتاب الصيام 7

الدرس في كتاب الصيام 7، ألقاها

حكم الأكل والشرب الضار للصائم وآراء الفقهاء

تناول المقطع مسألة فقهية تتعلق بما إذا كان الأكل والشرب الضار يفطر الصائم، واختلاف أهل العلم في ذلك. يوضح أن هناك من يرى أن كل ما يدخل الجوف يفطر ومن يرى أن المفطر هو ما كان نافعا فقط.

الصواب في حكم الأكل والشرب الضار والصائم الجاهل

الصواب في مسألة الأكل والشرب الضار هو أن المفطر هو كل ما دخل الجوف عمدا وذاكرا. الجاهل أو الناسي أو غير العامل لا يفطر، ويجب استصحاب الأصل في المفطرات وهو عدم الإفطار ما لم يثبت الدليل.

حكم المفطرات والأدوية أثناء الصيام

يتناول آراء الفقهاء في المفطرات أثناء الصيام مثل الكحل والحقن والإبر المغذية، ويشرح الأحكام المتعلقة بها. يوضح أن الإبر المغذية تعتبر مفطرة بينما الحقن غير المغذية والكحل لا يفطران.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم ما بعد، تقدم معنا في الدرس الماضي الكلام على حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل أو شرب وهو صائم من نسي فأكل أو شرب وهو صائم فليتم صومه، إنما أطعمه الله وسقاه، إنما أطعمه الله وسقاه». وتكلمنا في الدرس السابق على الشروط التي بها من فعل مفطرا يكون بها مفطرا، وهي شروط ثلاثة: أن يكون عالما، وأن يكون عامدا، وأن يكون ذاكرا. فمن أكل أو شرب جاهلا للحكم، فيكون صيامه صحيحا. وكذلك من أكل أو شرب من غير عمد، دخل الماء إلى جوفه من غير تعمد، هذا لا شيء عليه؛ لأنه ليس بمتعمد. وقد جاء النص في هذا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي فأكل أو شرب وهو صائم فليتم صومه، إنما أطعمه الله وسقاه». وفي الحديث مسائل كثيرة، فنذكر في هذا اليوم بعض المسائل المتعلقة بهذا الحديث. تقدم معنا في الدرس السابق أن المفطرات عموما ثلاثة: الأكل والشرب والجماع. وقد جمعت هذه الثلاثة في قول الله عز وجل: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. فقوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ دل على إباحة الجماع للصائم إذا أفطر، أي من الليل. وكذلك يباح لهم بعد دخول الليل بغروب الشمس أن يأكل وأن يشرب وأن يجامع أهله. وهذا بعد الإفطار، فدل على أنه قبل الإفطار لا يجوز له. وما تقدمنا معنا في حديث أبي هريرة أيضا في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال في الصائم: «إنه يدع طعامهم وشرابهم وشهوتهم لأجلي». وكذلك ما جاء معنا في حديث أبي هريرة الذي هو حديث الباب: «من نسي فأكل أو شرب وهو صائم فليتم صومه»، فدل على أن الآكل والشارب من غير نسيان أنه مفطر. بقي هل مسألة متعلقة بهذا الباب، وهو هل يقتصر على الطعام النافع أم يدخل فيه الطعام ولو كان غير نافع أو ضارا؟ هل الأكل والشرب الذي هو مفطر الأكل والشرب النافع أم أنه يدخل فيه كذلك الضار أو ما ليس بنافع؟ في المسألة قولان لأهل العلم. فذهب أكثر أهل العلم إلى القول بعموم ذلك، معنى أن كل طعام سواء كان نافعا أو ضارا إذا تناوله الصائم فإنه يكون به مفطرا. وذهب الإمام الحسن بن صالح بن حيي إلى أنه لا يفطر إلا بما كان نافعا. والصواب في هذه المسألة هو القول الأول، الدليل على لا يفطر إلا بما كان نافعا لم يثبت عن أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه. فالصواب في المسألة هو القول الأول. فمن أكل أو شرب ضارا من الأطعمة أو من الأشربة، كان يشرب مثلا شيئا من الأطعمة الضارة، يأكل مثلا لحم خنزير أو ميتة، فهذا يكون مفطرا بهذا الطعام. وكذلك قول في الدخان ونحوه، أنها تكون بهذا المعنى، أي لها جرم، وهي ضارة، فتكون بهذا المعنى مفطرة. فالخلاصة في هذه المسألة أن معنى الطعام يدخل فيه الطعام النافع والطعام الضار، وما ليس بنافع ولا ضار. كمن أكل مثلا حجارة أو تراب، أو مثلا خرجت مسبحة أو أي شيء من ذلك متعمدا، فما حكم هذا؟ يكون مفطرا. ولا ننسى أن نستصحب الأصل الذي مر معنا، والقاعدة التي مر معنا، أن المفطرات لا تثبت إلا بثلاثة شروط: أن يكون عالما بأن هذا مفطر، وأن يكون عامدا، وأن يكون ذاكرا، ليس بناس. فمثلا من أكل شيئا من الأشياء الضارة أو شرب شيئا من الأشياء الضارة، ظنا أن الحكم إنما هو في الأكل والشرب النافع دون الضار، فيقول: هذا لا يفسد صيامي. فهذا ما حكمه؟ هذا جاهل، يكون معذورا بجاهله، ويكون صيامه صحيحا. وكذلك الشروط الثلاثة نستصحبها معنا في جميع المفطرات. فيكون الأصل عندنا: إذا ترددنا في الشيء هل هو مفطر أو ليس بمفطر، الأصل عدم الإفطار. لأن الصيام حكم الشرعي، والحكم الشرعي متوقف على الدليل، فإذا لم يوجد الدليل بقينا على الأصل الذي هو الحل. وأصل آخر وهو الاستصحاب، وهو أن نستصحب الحكم، أي حكم الإباحة، وهو موافق لهذا الأصل السابق. يبقى معنا مستصحبا إلا أن يخرج هذا الأصل بدليل آخر. وكذلك بهذه القاعدة نستصحب شروط المفطيرات، ما هي شروط المفطيرات؟ أن يكون عالما، وأن يكون عامدا، وأن يكون ذاكرا. فمن كان جاهلا أو كان غير عامد أو كان ناسيا، فإنه لا يفطر. ثم ننتقل إلى مسألة أخرى، وهي: هل يفطر بكل ما أدخله إلى جوفه أو مجوف من جسده؟ كدماغه وحلقه ونحو ذلك مما ينفذ إلى معدته إذا وصل باختياره، وكان مما يمكن التحرز منه؟ سواء وصل من الفم على العادة، أي عن طريق الشرب، أو غير العادة، كالوجور والوجور هو شرب الدواء في وسط الفم، أو اللدود، اللدود أن يشرب الدواء من طرف الفم. أو من الأنف، كالسعوط، أو ما يدخل من الأذن إلى الدماغ، أو ما يدخل من العين إلى الحلق كالكحل. أو ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة، أو ما يصل من مداوات الجائفة إلى جوفه، أو من دواء المأمومة إلى دماغه. ففي المسألة خلاف، فذهب الحنابلة والشافعية إلى أن كل ذلك يفطر. إلا أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى استثنى صورة، وهي أن الكحل لا يفطر إلا ما وصل إلى حلقه أو ما علم وصوله إليه، فإنه يفطر. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه لا يفطر إلا أن ينزل إلى حلقه. واختلف عنه في الحقنة. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى القول بأن هذه الأشياء لا تكون مفطرة مطلقا، إلا ما كان بمعنى الطعام والشراب، فإنه يكون مفطرا. فمثلا شرب الدواء من الفم، سواء كان على الطريقة المعتادة أو كان عن طريق الوجور أو اللدود، فهل يكون مفطرا؟ الصواب أنه يكون مفطرا؛ لأنه شراب دخل إلى المعدة من طريق معلومة، فهو في حكم الأكل والشرب. وما يدخل من الأذن إلى الدماغ، لا يكون من المفطرات؛ لأن الدماغ ليس مكانا للأطعمة والأشربة. وأما الكحل، فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يفطر. وأما ما ذكر من أن بعضهم ربما اكتحل في الليل فوجد أثر الكحل في الصباح، فهذا إما أن يحمل على صورة نادرة، وإن ثبت هذا فيقال: من وجد في حلقه بعد الاكتحال شيئا من الكحل، فعليه أن يخرجه ولا يبتلعه. والحقنة، العلماء رحمهم الله تعالى يذكرون الحقنة ويقسمون الحقنة على قسمين: حقنة مغذية، وحقنة غير مغذية. فيجعلون المغذية مفطرة، وما ليست مغذية فليست بمفطرة. وهذا التقسيم صواب، لكن المسألة تحتاج إلى مزيد وضوح وبيان. ففرق بين قول المتقدمين أن الحقنة المغذية تفطر، وبين ما جاء عن الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من أنه قال: إن الحقنة بأي أنواعها لا تفطر. ومراد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بالحقنة، هي ما نسميها في هذه الأيام بالتحاميل، وهي ما تدخل عبر الدبر بعض العقاقير، فتكون سببا لشفاء المريض. بخلاف ما هو في هذه الأيام ما نسميه بالإبر المغذية أو بالحقنة المغذية، فهي غير ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. بل كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يدل على أنه يقول: إن ما كان مثل هذه الحقنة في أيامنا هذه أنها تكون مفطرة؛ لأنها بمعنى الطعام والشراب. فالإبر المغذية المعروفة عندنا في هذه الأيام، وفي هذا العصر الذي يتغذى الإنسان بسببها ويستغني عن الأكل والشرب، أنها مفطرة؛ لأنها تلحق بالأكل والشرب أو هي في معنى الأكل والشرب. بخلاف الحقنة التي تكون من الدبر، فالصحيح أنها ليست من المفطرات. والعبرة بالإبر المغذية أن تكون بمعنى الطعام والشراب، بحيث يستغني بها الصائم أو الإنسان عن الأكل والشرب. وليس المراد بها كل إبرة دفعت عن الإنسان المرض بإذن الله عز وجل. وما يصل من مداوات الجائفة إلى جوفه، أو من دواء المأمومة إلى دماغه، فالكلام كما سبق. إن كان يصل إلى دماغه، فالدماغ ليس مجرى للأكل والشرب، فمعالجة من كان هذا حاله، ولو وصل الدواء إلى دماغه، فإنه لا يكون مفطرا. لكن إذا كان نوع من الدواء يستخدم بهذه الطريقة، فيكون فيه معنى الغذاء مع الأكل والشرب، ويتوصل من الدماغ إلى الجسد، ويستغني به الإنسان بهذه الطريقة، نقول: لو حصل وفرض أن هذا وجد وحصل، فيكون حكمه كحكم الإبر المغذية. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على