الدرس في كتاب الصلاة 42، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
اشتكى أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص لعمر بن الخطاب بسبب صلاته، فرد سعد بأنه يصلي كما صلى النبي. هذا يدل على التزام سعد بسنة النبي.
ينبغي للمسلم أن يحسن ظنه بإخوانه ولا يعجل في تصديق الأخبار السيئة حتى يتأكد من صحتها، مما يساعد في منع الإفساد وتقوية الروابط.
كان النبي يطيل صلاة الظهر وكان الصحابة يسألونه عن أمور دينهم ويحرصون على السؤال لأهميته في تحصيل العلم.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله بصحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا هشيم عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة أن أهل الكوفة شكوا سعدًا إلى عمر بن الخطاب، فذكروا من صلاته، فأرسل إليه عمر، فقدم عليه، فذكر له ما عابوه به من أمر الصلاة، فقال: إني لأصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أقصر عنها، إني لأركض بهم في الأوليين وأحذف في الأخرين. قال: ذاك الظن بك، أبا إسحاق. قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد وإسحاق بن إبراهيم عن جرير عن عبد الملك بن عمير بهذا الإسناد. وقوله: إن أهل الكوفة - والكوفة بلدة من بلاد العراق - شكوا سعدًا إلى عمر بن الخطاب، هو المراد بسعد بن أبي وقاص، وكان نائبًا لعمر رضي الله عنه على أهل الكوفة. فذكروا من صلاته، يعني شكوا إلى عمر رضي الله عنه أنه لا يحسن أن يصلي، فأرسل إليه عمر، أرسل إلى سعد، فذكر له ما عابوه به من أمر الصلاة، فأخبره، أخبر سعد عمر كيف كان يصلي بهم، فقال: إني لأصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أنقص عنها، يعني ما أنقص عن صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، بل أحرص على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته. قال: إني لأركض بهم في الأوليين، يعني أطيل القيام في الأوليين، أي في الركعتين الأوليين، وأحذف في الأخرين، يعني أقصر في الركعتين الأخرين. فقال عمر رضي الله عنه: ذاك الظن بك، أبا إسحاق، يعني أنك على خلاف ما قالوا، لكن هذا شأن أهل الكوفة، فكانوا أهل شغب، ولذلك شكوا سعدًا رضي الله عنه، وعلى خلاف ما يقولون، وعلى خلاف ما يعيبون. والحديث له قصة طويلة، لكن ليس هذا موضع ذكرها. الشاهد منه هو سؤال عمر رضي الله عنه لسعد عن أمر الصلاة، وذكر سعد لعمر رضي الله عنه كيف كان يصلي، من إطالته في الركعتين الأوليين وتقصيره في الأخرين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. قال: وحدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا شعبة عن أبي عون قال: سمعت جابر بن سمرة قال: قال عمر: قال لسعد: قد شكوك في كل شيء حتى في الصلاة. قال: أما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الأخرين، وما آلوا ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني ما أقصر في الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام. كما قال الله عز وجل في المنافقين: ﴿لا يألونكم خبالا﴾، ودوا ما عنتم، يعني لا يقصرون في الإفساد في إفسادكم والسعي في ذلك. قال: ما آلوا ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ذاك الظن بك، أو ذاك ظني بك. وهذا أيضًا فيه إحسان المسلم ظنه بأخيه، إذا جاء أحد من الناس يقول: إن فلانًا يقول كذا وكذا أو يفعل كذا وكذا، لا يتعجل بإساءة الظن، وهو يعلم منه الخير، حتى يتأكد ويتثبت، فيرسل إليه يسأله، يتأكد من هذا الأمر. فما أكثر الأقوال، وكذلك الشكاوى التي تنقل، وتكون كاذبة، وتكون كاذبة بسبب كذب رواتها. وما آفة الأخبار إلا رواتها. كم يحصل من الإفساد بين أهل الحق وبين أهل العلم وأهل الفضل بسبب نقل الأخبار وقبولها من دون تثبت وتأكد ممن نقل عنه هذا الخبر، هل فعلًا قال ذلك أو فعل ذلك؟ وكذلك أيضًا عدم إحسان الظن، ينبغي أن يحسن المسلم ظنه بأخيه الذي يعلم منه الخير، ويعلم منه السقامة، يعلم منه الصلاح، يعلم منه التمسك بالسنة. لا يتعجل بقبول خبر من يخبره بأن فلانًا يقول كذا أو يفعل كذا، حتى يتأكد منه. ما المانع يسأله، يتصل عليه: فلان، بلغنا عن كذا وكذا، هذا صحيح؟ يسد على هذا، يسد بهذا باب الشر الذي قد يريد أن يتوصل إليه بعض أهل النفاق وأهل الشقاق وأهل الفرقة والخلاف الذين يسعون إلى التفريق بين الصف، وزعزعة استقامة أهل الحق. فيسد عليهم هذا الباب إحسان ظن وتثبت في نقل الأخبار، ولا يتعجل في قبولها. قال: وحدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن بشر عن مسعر عن عبد الملك وأبي عون عن جابر بن سمرة بمعنى حديثهم، وزاد: فقال: تعلمني الأعراب بالصلاة، يعني أنا من باب الإنكار عليهم كيف يقولون هذا، يعني هل هم سيكونون أفضل مني وأحسن مني، وأنا صليت خلف النبي عليه الصلاة والسلام، وتعلمت الصلاة من النبي صلى الله عليه وسلم، فيقولون: أني لا أحسن أن أصلي. هل أولئك الأعراب البدو الأجلاف يكونون أحسن مني؟ قال رحمه الله: حدثنا داوود بن رشيد قال: حدثنا الوليد عن ابن مسلم عن سعيد - وهو ابن عبد العزيز - عن عطية بن قيس عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: «لقد كان الصلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى». يخبر أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن صلاة الظهر كانت تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع - والبقيع هي الأرض الواسعة، وقيل التي يكون فيها أشجار، وهو موضع في المدينة، ثم بعد ذلك نبش، وجعلت مقبرة لأهل المدينة، ولعل هناك موضع آخر، يعني متسع، يجعلونه لقضاء الحاجة - قال: فيقضي حاجته، يذهب إلى ذلك الموضع فيقضي حاجته، وهو كناية عن الغائط، ثم يتوضأ، ثم يأتي، والنبي عليه الصلاة والسلام ما زال في الركعة الأولى. قال: مما يطيلها، هذا معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الركعة الأولى نحوًا من صلاة الصبح، أو دون ذلك، هو أقل، يعني من صلاة الصبح، لكنها أطول من بقية أوقات الصلوات، كالعصر والعشاء. وسيأتي أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ أحيانًا في الظهر والعصر بأوساط المفصل، كنحو «الغاشية» و«الليل إذا يغشى» و«والشمس وضحاها» ونحوها من السور. قال: وحدثني محمد بن حاتم قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ربيعة قال: حدثني قزعة، قزعة قال: أتيت أبا سعيد الخدري وهو مكثور عليه، قال: فلما تفرق الناس عنه، يعني قوله مكثور عليه، أي أكثر الناس عليه، وتجمعوا حوله ليسألونه، يستفيدون منه. قال: فلما تفرق الناس عنه، قلت: إني لأسألك عما يسألك هؤلاء عنه، قلت: أسألك عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما لك في ذاك من خير؟ فأعادها عليه، فقال: «كان صلاة الظهر تقام، فينطلق أحدنا إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله، فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى». وهذا فيه حرص السلف رحمهم الله على الاستفادة من أهل العلم وسؤالهم والاتفاق في الدين، فإن السؤال سؤال أهل العلم وسيلة من وسائل التعلم، وسبيل من سبل تحصيل العلم. ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم كثيرًا ما يسألون النبي عليه الصلاة والسلام، ونزلت الآيات الكثيرة التي فيها الجواب من الله جل وعلا عما سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ويسألونك﴾، ﴿ويسألونك عن المحيض﴾، ﴿ويسألونك عن الأهلة﴾، وغير ذلك من الآيات الكثيرة. السؤال باب من أبواب تحصيل العلم، ولهذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «العلم كنوز، مفاتيحها السؤال». فلذلك كانوا يسألون. هذا أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أكثر الناس عليه يلتفون حوله ويسألونه ويستفيدون منه، فجاء هذا الرجل يسأله عن صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له أبو سعيد مبينًا، يعني أنه لا يستطيع أن يفعل ما يفعله النبي عليه الصلاة والسلام من الإطالة، قال: «ما لك في ذاك من خير»، يعني أنك ما تستطيع أن تفعل كما فعل، يفعل النبي عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر له إطالة النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الظهر، وذهاب الواحد منهم إلى البقيع يقضي حاجته، ثم يأتي أهله، يعني يأتي إلى بيته، فيتوضأ، ثم يأتي إلى المسجد، والنبي عليه الصلاة والسلام ما زال في الركعة الأولى. فهذا لا شك أنه يعني إطالة قد لا يستطيع أن يفعلها، أن يفعلها أحد من الناس اليوم، لما في ذلك من المشقة عليهم. والنبي عليه الصلاة والسلام فعل ذلك لعلمه بمحبة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لهذه العبادة والطاعة، وعدم التثقيل عليهم، وقبولهم ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا كان في أول الأمر، ثم بعد ذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتخفيف، كما سيأتي في الأحاديث الأخرى، مع حثه عليه الصلاة والسلام على التخفيف على الناس، من أما «إن منكم من يصلي، فليخفف، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذو الحاجة»، وغير ذلك من الأحاديث الواردة في مثل هذا الباب. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.