الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
تناول المقطع حكم السؤال عن مكان الله وأدلته من القرآن والسنة، موضحا جواز السؤال وأن الله في السماء كما ورد في النصوص.
يتناول هذا الفصل حكم السلام على المصلي والرد عليه، حيث يروي عن الصحابة أنهم كانوا يسلمون على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد عليهم، وتغير ذلك بعد رجوعهم من عند النجاشي.
تناول هذا الفصل حكم الكلام أثناء الصلاة وتوجيهات متعلقة بالصلاة، موضحا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلام في الصلاة وأجاز الرد على السلام بالإشارة، كما تطرق إلى جواز صلاة النافلة على الراحلة وتوجيهها إلى غير القبلة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. هل يجوز السؤال بأين الله؟ نعم، يجوز. ما هو الدليل؟ سأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية، قال لها: أين الله؟ وما هو الجواب؟ في السماء. نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اعتقها؛ فإنها مؤمنة. هذه عقيدة المؤمن، يعتقد أن الله في السماء. وما اعتقد غير ذلك، ففي عقيدته خلل. بعض الجهلة يقول: من اعتقد أن الله في السماء فهو فرعوني. ما وجه ذلك؟ قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾. انظر إلى الجهل، فرعون هو مكذب لموسى. موسى أخبره بأن إلهه في السماء، بأن الله عز وجل في السماء، فهو يقول ذلك استهزاء وسخرية وتكذيبا لموسى عليه السلام. قال وزيره هامان: ابني لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى، وإني لأظنه كاذبا. يعني موسى أخبر بأن إلهه في السماء، فكذب بذلك فرعون، وقال ذلك على جهة الاستهزاء والسخرية والتكذيب. فكانت الحقيقة أن من ادعى أن الله في السماء فهو موسوي؛ لأن موسى أخبر بأن الله في السماء. هذه عقيدة موسى عليه السلام، وسائر الأنبياء، وسائر أهل الإيمان: أن الله جل وعلا في السماء. ومن أنكر ذلك فهو الفرعوني، ليس الذي يثبت أن الله في السماء، بل الذي ينكر أن الله في السماء هو الأحق أن يقال بأنه فرعوني؛ لأن فرعون أنكر ذلك وكذب موسى، ولم يؤمن بما أخبر به. قال إمام مسلم الحجاج أبو الحسين بن يسار الصابور القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وابن نمير، وأبو سعيد الأشج، وألفاظهم متقاربة، وقالوا: حدثنا ابن فضيل... هؤلاء كلهم مشايخ الإمام مسلم، روى عنهم هذا الحديث عن شيخهم ابن فضيل، قال: حدثنا الأعمش، وهو سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي، من أئمة أهل الكوفة، كان محدثا ومقرئا، قرأ القرآن على أهل الكوفة حتى صار من أقرأ أهل الكوفة. مع أنه أعمش - يعني في عينه عمش وضعف البصر - وربما يعني خرج منه شيء من الماء، حتى كان يقول رحمه الله: لو كنت بقالا لقذرني الناس. لو كنت بقالا أبيع في بقالة لما جاء إلي أحد يشتري مني بسبب العمش. فلما كان عالما ومحدثا ومقرئا ازدحم عليه طلبة العلم وطلبة الحديث. قال عن إبراهيم - وهو النخعي - عن علقمة - وهو أيضا النخعي - عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا - يعني بالنطق - قال: فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، قال: «إن في الصلاة شغلا». قال: وحدثني ابن نمير قال: حدثني إسحاق بن منصور السلولي قال: حدثنا هريم بن سفيان عن الأعمش بهذا الإسناد نحوه. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن عبيد عن أبي عمر الشيباني عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان بن عبد الرحمن عن إسماعيل بن أبي خالد بهذا الإسناد نحوه. قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليث - وحمص - وحدثنا محمد بن رمح قال: أخبرنا الليث - ومن سعد أبو الحارث الفهمي - عن أبي الزبير ومحمد بن درس - ثقة إلا أنه مدلس - عن جابر - ومن عبد الله بن حرام - رضي الله عنهما - وأبو الزبير إذا روى عنه الليث، فإن عنعنته محمولة على السماع. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثني لحاجة، ثم أدركته وهو يسير». قال قتيبة: «يصلي، فسلمت عليه، فأشار إلي. فلما فرغ دعاني، فقال: إنك سلمت آنفا وأنا أصلي». وهو موجه حينئذ قبل المشرق. قال: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا زهير قال: حدثني أبو الزبير عن جابر قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو منطلق إلى بني المصطلق - فأتيته وهو يصلي على بعيره، فكلمته، فقال لي بيده هكذا - وأومأ زهير بيده - ثم كلمته، فقال لي هكذا، فأومأ زهير أيضا بيده نحو الأرض. قال: وأنا أسمعه يقرأ، يومئ برأسه. فلما فرغ قال: «ما فعلت في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي». قال زهير: وأبو الزبير جالس مستقبل الكعبة، فقال بيده إلى بني المصطلق، فقال بيده إلى غير الكعبة. قال: وحدثنا أبو كامل الجحدري قال: حدثنا حماد بن زيد عن كثير بن أبي كثير عن عطاء عن جابر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فبعثني في حاجة عن رسوله، فرأيت... وحدثنا عن راحلته ووجه إلى غير القبلة، فسلمت عليه فلم يرد علي. فلما انصرف قال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي». قال: وحدثني محمد بن حاتم قال: حدثنا معلى بن منصور قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال: حدثنا كثير بن الشنظير عن عطاء عن جابر قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة - بمعنى حديث حماد -. فهذه الأحاديث فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتكلمون في الصلاة، ثم أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام كما في حديث زيد بن أرقم قال: فلما نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. فكان هذا في أول الأمر يجوز للمسلم أن يتكلموا في الصلاة، ثم أمروا أن يسكتوا ونهوا عن الكلام في الصلاة. فهذه الأحاديث فيها أن نهي عن كلام المصلي في الصلاة وهو عامد ذاكر، لا يجوز للمسلم أن يتكلم في الصلاة وهو ذاكر أنه في الصلاة. أما إن كان الكلام في مصلحة الصلاة، فجمهور أهل العلم على المنع من ذلك، وأن الصلاة تبطل. وذهب الإمام الأوزاعي رحمه الله إلى أنه لا تبطل صلاته إذا تكلم بشيء في مصلحة الصلاة. وهو أيضا قول بعض أصحاب الإمام مالك رحمه الله. والقاعدة الشرعية أن المشغول لا يشغل. المصلي مشغول بالصلاة، فلا يشغل بغيرها، لا بكلام ولا بطعام ولا بشراب ولا بحركة غير حركة الصلاة. كل هذه الأشياء لا يشغل بها؛ لأنه مشغول بالصلاة حتى ينتهي من الصلاة. وفيها كذلك أيضا أنه يجوز إذا سلم على المصلي أن يرد السلام بالإشارة. أن يرد بالإشارة إذا سلم عليك إنسان، فترد عليه بالإشارة كما بحديث جابر، كما بحديث جابر، فأشار النبي عليه الصلاة والسلام بيده. وهكذا أيضا هل يشرع للمسلم أن يسلم على أخيه وهو في الصلاة؟ الإمام الشافعي رحمه الله يذهب إلى كراهة ذلك، يكره أن يسلم المسلم على أخيه وهو في الصلاة حتى لا يشغله. والإمام مالك عنه روايتان: إحداهما بالكراهة، والأخرى بالجواز، يجوز أن يسلم عليه وهو في الصلاة. وهذا أظهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر على من سلم عليه وهو في الصلاة. وفيه جواز صلاة النافلة على الراحلة، والتوجه إلى غير القبلة. وهو المراد بقوله بحديث جابر قال: «وهو موجه حينئذ قبل المشرق» يعني ما كان يوجه إلى جهة الكعبة. فالمصلي على الراحلة إذا كان يصلي النافلة فله أن يتوجه إلى غير جهة القبلة، أي جهة تيسر له وهو يصلي على الراحلة يتوجه إليها كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.