الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 18، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البصاق أمام المصلي أثناء الصلاة وأمر الناس بعدم البصاق أمامهم أو عن يمينهم. يُشرع للمصلي أن يبصق عن يساره أو في ثوبه إذا احتاج لذلك.
النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البصاق في المسجد سواء كان في الصلاة أو خارجها، ويجب إزالة أي قاذورات من المسجد لتعظيم بيوت الله. إذا احتاج المسلم للبصاق، فعليه أن يفعل ذلك في ثوبه أو منديله.
يتضمن المقطع الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه، ويعتبر هذا الدعاء من السنن النبوية ويُظهر الاحترام والتقدير للنبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: قرأت على مالك عن نافع، عن ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بصاقا في جدار القبلة، فحكه، ثم أقبل على الناس، فقال: «إذا كان أحدكم يصلي، فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه إذا صلى». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن نمير وأبو أسامة، ح وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبي، جميعا عن عبيد الله، ح وحدثنا قتيبة ومحمد بن رمح، عن الليث بن سعد، ح وحدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا إسماعيل -يعني ابن علية- عن أيوب، ح وحدثنا ابن رافع، قال: حدثنا ابن أبي فديك، قال: أخبرنا الضحاك -يعني ابن عثمان-، ح وحدثني هارون بن عبد الله، قال: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني موسى بن عقبة، كلهم عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى نخامة في قبلة المسجد -إلا الضحاك فإن في حديثه: نخامة في القبلة- بمعنى حديث مالك -يعني فحكه ثم أقبل على الناس- إلى آخر الحديث. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وعمر الناقد، جميعا عن سفيان، قال يحيى: أخبرنا سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي، عن الزهري -محمد بن مسلم- عن عبد الله بن عبد الله بن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد، فحكها بحصاة، ثم نهى أن يبزق الرجل عن يمينه أو أمامه، ولكن يبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى. قال: وحدثني أبو الطاهر وحرملة، قالا: حدثنا ابن وهب، عن يونس، قال: وحدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا أبي، كلاهما عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة وأبا سعيد أخبراه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة بمثل حديث ابن عيينة. قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، فيما قرئ عليه، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بصاقا في جدار قبلة، أو مخاطا، أو نخامة، فحكه. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، جميعا عن ابن علية، قال زهير: حدثنا ابن علية، عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على الناس، فقال: «ما بال أحدكم يقوم مستقبلا ربه، فيتنخع أمامه، أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم، فليتنخع عن يساره، تحت قدمه، فإن لم يجد، فليقل هكذا»، ووصف القاسم: فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض. قال: وحدثنا شيبان بن فروخ، قال: حدثنا عبد الوارث، ح قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا هشيم، ح قال: وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، كلهم عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث ابن علية، وزاد في حديث هشيم، قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد ثوبه بعضه على بعض. قال: وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أحدكم في الصلاة، فإنه يناجي ربه، فلا يبزق بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن شماله، تحت قدمه». هذه الأحاديث فيها نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن البصاق، وهكذا البزاق في الرواية الأخرى، وكذلك المخاط والنخامة في المسجد. البصاق والبزاق الذي يخرج من الفم، الماء الذي يتجمع في الفم، يقال له: بصاق وبزاق، بالصاد وبالزاي. والمخاط الذي يخرج من الأنف، والنخامة والنخاعة من الرأس أو الصدر. فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى بصاقا أو نخامة في بعض الروايات الأخرى في قبلة المسجد، فحكها عليه الصلاة والسلام، ثم توجه إلى الناس وأخبرهم أنه لا يجوز أن يبصق المسلم قبل وجهه وهو في الصلاة، وإنما إذا أراد أن يبصق أو يتنخم يكون ذلك عن يساره أو تحت رجليه. ففيه النهي عن البصاق والبزاق والنخامة والمخاط في آخره: أن النهي عن فعل ذلك أو إلقاء ذلك في المسجد، سواء كان في قبلة المسجد، وهذا أشد، أو كان في أي موضع من المسجد، وسواء كان في الصلاة أو خارج الصلاة، لا يجوز للمسلم أن يضع النخامة أو البصاق في المسجد، في جدار من جدران المسجد أو في أرضية المسجد. إن احتاج إلى ذلك أو أراد أن يفعل ذلك، والمسجد كان مفروشا بالحصى أو التراب، لا بأس أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه. وأما إذا كان المسجد مفروشا بالفرش والسجاد، فإنه لا يجوز أن يبصق فيها أو يتنخم فيها، وإنما كما أشار النبي عليه الصلاة والسلام: يتنخم في ثوبه، طرف الثوب أو طرف العمامة، ثم يدلك بعضه على بعض كما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، أو إذا كان معه منديل أو معه أوراق كهذه الأوراق المناديل الخفيفة، فيتنخم فيها، وحينئذ يسلم المسجد من مثل هذه القاذورات. فالذي ينبغي أن ينزه المسجد عن البصاق والنخامة والمخاط، هذه وإن كانت طاهرة، لكنها قذرة، يحصل فيها تلويث للمسجد. فإذا اجتمعت عدة نخامات فيتقذر المسجد، ثم ربما يأتي أخوك المسلم ويريد أن يصلي فيجلس على النخامة فيتأذى من ذلك. فلهذا لا يجوز البصاق والبزاق والنخامة في المسجد، ومن رأى شيئا من ذلك، فإنه يزيله كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين رأى البصاق بجدار القبلة فأزاله وحكه عليه الصلاة والسلام. يزيل ويبعده لأن هذا من تعظيم بيوت الله جل وعلا أن تنزه من مثل هذه القاذورات وتنظف وتطيب. وكما سمعنا: إذا احتاج المصلي أن يبصق، فيبصق عن يساره، إذا لم يكن عن يمينه أحد، أو عن يمينه إذا لم يكن عن يمينه أحد، أو بين يديه بين قدميه، هذا كما قلنا إذا كان في المسجد مفروشا بالحصى والتراب، وإلا بصق في طرف الثوبه ورد بعضه على بعض. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن أحدكم إذا قام يصلي، فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه»، هل هذا معناه أن الله جل وعلا ليس في العلو، أن الله جل وعلا ليس في العلو، أو أن الله في كل مكان كما يقول أهل الحلول والاتحاد؟ الجواب: لا. فالله عز وجل في العلو، وهو مستو على عرشه جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وهو معنا جل وعلا، يعني: بعلمه وإحاطته. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن الله قبل وجهه»، حقيقة، لكن جل وعلا ليس من ذلك الحلول أو المماسة. فالله عز وجل معنا، والمصلي إذا صلى، الله قبل وجهه حقيقة، وهو في العلو مستو على عرشه، ولا تنافي بين الأمرين. فإن معية العلم والإحاطة لا تلزم منها المماسة. فأنت تقول مثلا: أنا أسير والقمر معنا نسير، والقمر معنا، القمر معنا حقيقة. وهل هو يعني بجانبنا نمسه بأيدينا؟ الجواب: لا. هو في العلو في محله، القمر في محله، وهو معنا حقيقة من غير يعني حصول اختلاط ومماسة. فهكذا الله عز وجل قبل وجه المصلي حقيقة، وهو مستو على عرشه جل وعلا. وفي حديث أبي هريرة: يعني بين النبي عليه الصلاة والسلام أن مثل هذا الفعل، وهو التنخم في أثناء الصلاة في جهة القبلة، هذا من سوء الأدب، من سوء أدب العبد مع ربه. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما بال أحدكم يقوم مستقبلا ربه»، المصلي إذا قام يصلي، فهو يصلي بين يدي الله جل وعلا، ويناجي ربه سبحانه وتعالى، قال: «فيتنخع أمامه»، أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ يعني: أنت لو جئت عند إنسان، فجعل يتنخع ويتنخم أمام وجهك وبصق، أو وضع هذه النخامة في جهتك، أليس يعني ترى أن هذا فيه شيء من الإهانة وعدم الاحترام؟ فإذا كان هذا في حق المخلوق، والله جل وعلا أحق سبحانه وتعالى بالتعظيم والإجلال، ففعل المصلي لمثل هذا الفعل، لا شك أنه سوء أدب مع الله جل وعلا، لا يجوز للمسلم أن يفعل مثل ذلك. فلهذا لا يفعل هذا الأمر، يتنخع ويتنخم قبل وجهه أو في جهة القبلة، وإنما يفعل ذلك كما سمعنا: عن يساره أو تحت قدمه، أو يضعه في الثوب ويلف بعضه على بعض. صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.