الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 24، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُروى عن الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه عن عبد الله بن وهب، حافظ وفقيه، الذي حرص على طلب العلم والعمل به. يُعلق الإمام الذهبي على هذا الحرص، مشيرًا إلى أهمية تطبيق العلم.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إنشاد الضالة في المسجد، حيث بنيت المساجد للعبادة وليس للأمور الدنيوية. يُستحب لمن يسمع منشدًا أن يقول له: لا ردها الله عليك.
لا يجوز البحث عن الضائع في المسجد، ويمكن وضع الأشياء الضائعة عند الإمام أو مسؤول الأمانات. الإعلان عن الميت في المسجد مختلف فيه، والأفضل تركه وتعلية الورقة خارج المسجد.
المنشد هو من يبحث عن شيء ضائع له أو لغيره، ويقوم بذلك من تلقاء نفسه. يُوضح حكم إنشاده في المسجد وأحكام متعلقة بهذا الفعل.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمر، وابن السارح المصري، قالا: حدثنا ابن وهب، عبد الله ابن وهب بن المسلم -وهو حافظ فقيه، كان من المتقنين، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله: روى مئة ألف حديث، وما أنكر عليه من حديث- وهذا يدل على إتقانه. كان سبب طلبه للعلم، كما ذكر الذهبي رحمه الله في ترجمته، أنه قال: وقع في نفسي أمر عيسى عليه السلام مما خلقه الله، قال: فسألت أحد المشايخ عن ذلك، فقال لي: ابن وهب أطلب العلم. قال ابن وهب: أطلب العلم. قال: فطلبت العلم، فكان ذلك سبب طلبي للعلم. فكر في هذه المسألة، فأرشده هذا الشيخ إلى أن يطلب العلم ويتفقه في الدين، وهذا من توفيق الله سبحانه وتعالى للعبد. فإن الله عز وجل إذا أراد بعبده خيرا وفقه، خاصة إذا علم الله عز وجل من هذا العبد الصدق والإخلاص وإرادة الخير، جعل الله سبحانه وتعالى من أسباب التوفيق ما يفتح له باب الهداية وباب الخير. وكان رحمه الله حريصا على العمل بالعلم، ومن ذلك أنه قال: نويت أني إذا اغتبت أحدا أن أصوم يوما، قال: فكنت أغتاب وأصوم، قال: فوجدت ذلك ثقيلا، فنويت أني إذا اغتبت أحدا أن أتصدق بدرهم، قال: فتركت الغيبة من شدة حبي للدراهم. قال الإمام الذهبي رحمه الله معلقا: هكذا والله العلماء، وهذا من ثمرة العلم النافع. ومراده بذلك أن العالم حقا هو الذي يعمل بالعلم ويحرص على أن يقوده العلم إلى طاعة الله جل وعلا وإلى مرضات الله سبحانه وتعالى وإلى ترك المحرمات والإقبال على الطاعات ومحاسبة الإنسان لنفسه. فهكذا أراد أن يحاسب نفسه وأن يهذب نفسه لترك الغيبة التي هي مفتاح شر وذنب عظيم، فهذب نفسه بذلك بأن يتصدق حتى يترك الغيبة ويبتعد عنها. وكان سبب موته رحمه الله أنه قرئ عليه كتاب أهوال يوم القيامة، والكتاب من تأليفه، قرئ عليه هذا الكتاب فغشي عليه ولم يتكلم بعد ذلك وتوفي بعد ذلك بأيام. قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا». قال: وحدثنيه زهير بن حرب، قال: حدثنا المقرئ، قال: حدثنا حيوة، قال: سمعت أبا الأسود، يقول: حدثني أبو عبد الله مولى شداد، أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بمثله. قال: وحدثني حجاج بن الشاعر، قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام الصمعاني، قال: أخبرنا الثوري -هو أبو عبد الله الإمام سفيان الثوري- عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن رجلا نشد في المسجد، فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن أبي سنان، عن القاسم بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى قام رجل، فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له». نعم، هذه الأحاديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعن بريدة رضي الله تعالى عنه، في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن إنشاد الضالة في المسجد، أي: من ضاع عليه شيء، ضاعت عليه شاة أو ناقة أو ضاع عليه مال أو ضاع عليه جوال أو نحو ذلك من الأموال، فإنه لا يجوز أن يقوم في المسجد وينشد الضالة، يقول: من رأى الشيء الفلاني أو الحاجة الفلانية؟ لا يجوز فعل ذلك في المسجد؛ لأن المساجد لها حرمتها، وهي إنما بنيت لطاعة الله جل وعلا وعبادة الله وإقام الصلاة وذكر الله جل وعلا، لم تبنى لمثل هذه الأمور الدنيوية. فلا يجوز إنشاد الضالة في المسجد، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك». هذا من باب الزجر، له أن يقال له: لا ردها الله عليك، أي: هذه الضالة، أي: لا وجدتها؛ لأن المساجد ما بنيت لذلك. فإن المساجد لم تبن لهذا؛ لإنشاد الضوال، لهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا الرجل إلى جمل أحمر، قال: من رأى الجمل الأحمر؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له». هذا مما ينافي المقصود من بناء المساجد وإعمارها بطاعة الله وعلى ذكر الله سبحانه وتعالى. ومثل ذلك البيع والشراء في بيوت الله جل وعلا، وقد جاء النهي ثبت النهي عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث في نهيه عن البيع والشراء في المساجد، هذا أيضا مما ينافي المقصد الذي لأجل بنيت المساجد. وكذلك أيضا رفع الصوت، كذلك رفع الصوت والصياح في بيوت الله جل وعلا، هذا أيضا لا ينبغي، فلابد أن يكون المسلم في بيت الله جل وعلا عنده السكينة والوقار والهدوء، احتراما لبيوت الله جل وعلا، وهذا من تعظيم شعائر الله، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. وعمر رضي الله عنه لما سمع رجلين رفعا أصواتهما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كاد أن يضربهما، لما سألهما فأخبر أنهما من الطائف، قال: كنت أوجعتكما ضربا ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمقصود أن هذه الأحاديث فيها النهي عن إنشاد الضالة في المسجد، لكن إذا أراد الإنسان أن ينشد الضالة خارج المسجد لا بأس، أن ينشد الضالة خارج المسجد، يقف في خارج المسجد في باب المسجد مثلا، فيسأل الناس عن مرأة كذا وكذا، أو عن شيء فلاني، أو عن الأمر الفلاني. نعم، من غير أن ينشد الضالة داخل المسجد. وأما إذا كان الشيء الضائع يعني ضاع على أحد ممن هو من رواد المسجد، كمن يأتي إلى المسجد للصلاة فضاع عليه شيء، فقد مفتاحا، فقد جوالا، فيرجع إلى الإمام إمام المسجد، والعادة أن من وجد الشيء ضائعا يأتي به إلى إمام المسجد فيضعه عنده، فيأتي صاحب الضالة والضائعة فيسأل الإمام: هل أحد أتى بالأمر الفلاني إن وجده فأخذه؟ وهكذا أيضا من كان يسكن في المسجد كطلاب العلم الذين في المسجد إذا ضاع عليهم شيء لا ينشدون الضالة، ما يقول: من رأى الشيء الفلاني؟ نعم، أو يسأل عنه. فممكن من وجد شيء ضائعا إذا كان لا يعرف صاحبه يضعه مثلا عند الإمام أو عند المؤذن أو عند مسؤول الأمانات أو نحو ذلك، فإذا ضاع عليه إنسان أو طالب شيء يأتي إلى مسؤول الأمانات فيسأله: إن أحد أتى إليه بشيء؟ حتى لا يقع في مثل هذا الأمر المنهي عنه في بيوت الله جل وعلا. قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا جرير، عن محمد بن شيبة، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: جاء عرابي بعدما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، فأدخل رأسه من باب المسجد، فذكر بمثل حديثهما. قال مسلم: هو شيبة بن نعامة أبو نعامة، روى عنه مسعر والشيباني وجرير وغيرهم. يعني هذا العرابي أدخل رأسه من باب المسجد فنشد الضالة. نعم، طيب. إلى هنا. خارج المسجد تعلق الورقة خارج المسجد لا، ما يعلق في المسجد، يدخل بنفس الحكم. هذا السؤال كتابة البحث عن السؤال عن شيء ضائع داخل المسجد لا يكون الورطة خارج المسجد، يعني الإخبار بموت الميت، هذه مسألة فيها خلاف من أهل العلم. من أهل العلم من يرى أن هذا يعني من باب الإخبار بجنازة هذا المتوفى للحضور والصلاة عليه ونحو ذلك، وأن هذا ليس فيه حرج، ومن أهل العلم من يرى أن هذا من النعي، أن هذا من النعي الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. والأظهر في هذا والله أعلم هو الترك، هو الترك؛ لأن هذا ليس من هدي السلف، كما قال العلماء، منهم ابن عثيمين رحمه الله: أن الإخبار بموت الميت في المساجد بمثل الصورة التي يخبر بها في هذه الأزمان، هذا ليس من هدي السلف، ما كان السلف يفعلون ذلك. أنه إذا مات ميت يعني نعى في المساجد: مات فلان بن فلان، وأنه سيصلى عليه في المسجد الفلاني في الوقت الفلاني إلى آخره، ما كانوا يفعلون ذلك. ولا شك أن خير الهدي هدي النبي عليه الصلاة والسلام وهدي الصحابة رضوان الله عليه، ما فعلوا ذلك، فلهذا يترك مثل هذا الأمر. وإن احتيج إلى الإخبار بموت الميت أو الصلاة عليه، ممكن تعلق ورقة خارج المسجد، نعم، أو يخبر إنسان بالجنازة ويخبر غيره من الإخوة من غير إعلان في المسجد. والله تعالى أعلم. موسى هو في قريب من هذا المعنى، سواء أنت نشد شيئا لك أو أنت تنشد لغيرك، له الذي ضاع عليه شيء سيأتي من نفسه، ما يحتاج أن يخبر، سيأتي من نفسه ويسأل: هل أحد أتى بشيء؟ وكذا، من غير أن يعني ينشد، سواء كان الإمام أو صاحب الضالة. نعم، والله أعلم.