الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 27، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي أبو هريرة وعمران بن حسين أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم في ركعتين في صلاة العصر أو الظهر، ثم أتم الصلاة وسلم وسجد سجدتي السهو. يبين الحديث كيفية التعامل مع سهو الإمام في الصلاة.
يشرح المقطع حديث ذي اليدين ويبين أحكام الصلاة عند السهو، حيث سلم النبي صلى الله عليه وسلم من ركعتين أو ثلاث ركعات سهواً، ثم أتم الصلاة وسجد للسهو. يوضح الاختلاف بين أهل العلم في صحة الصلاة عند حصول الكلام أو الحركة بعد السلام.
يشرح كيفية التعامل مع السهو في الصلاة، ويبين أن سجود السهو يكون بعد السلام إذا كان الإمام قد سهى وسلم قبل إتمام ركعات الصلاة. يوضح أن الكلام في أثناء الصلاة غير جائز حتى لمصلحة الصلاة.
لا يجوز الاستهزاء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم أو التنقص منه، حيث يعتبر ذلك أمرًا غير جائز. الاستهزاء يعد انتقاصًا لقدْر النبي ويجب احترامه وتقديره بالصلاة عليه وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، رحمه الله، بصحيحه: حدثني عمر الناقد، وزهير بن حرب، جميعاً عن ابن عيينة، واللفظ لسفيان بن عيينة، أبو محمد الهلالي. قال عمر: حدثنا سفيان بن عيينة -يعني عمر صرح بالتحديث في الرواية الأولى في سند الذي قبله- عمر وزهير جميعاً عن ابن عيينة بالعنعنة، ثم ذكر روايته عن عمر أنه قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا أيوب، عن محمد بن سيرين -وهو أبو بكر البصري، إمام في الحديث والفقه والتفسير، وفي ذلك أيضاً تعبير الرؤى، وله خمسة إخوة كلهم من رواة الحديث، أبناء سيرين: محمد، وأنس، ويحيى، ومعبد، وحفصة، وكريمة- هؤلاء الستة أبناء سيرين من رواة الحديث، وكلهم ثقات. وسيرين هو والد محمد، كان مولى لأنس بن مالك، وولد له ثلاثة وعشرون ولداً. ولد لسيرين ثلاثة وعشرون ولداً من أمهات أولاد -يعني أمهات متفرقة- حتى أن محمد بن سيرين دخل هو وسبعة من إخوانه على زيد بن ثابت، فلما رآهم زيد، قال: هذان إخوة لأم، وهذان لأم، وهذان لأم، وهذا لأم. قال محمد بن سيرين: فما أخطأ -يعني عرف- كل اثنين أنهم إخوة لأم -يعني إخوة من أم واحدة- فكانوا سبعة، ثلاثة -يعني كل واحد له أم- والسابع كذلك أخوهم من أم أخرى. ومحمد بن سيرين، رحمه الله، كان ورعاً. ومن ذلك أنه حبس على دين. وقيل: سبب هذا الحبس أنه اشترى زيتاً بسعر مرتفع، فوجد فأرة في هذا الزيت، فقال: هذه الفأرة لابد أنها كانت -يعني من أول عصر هذا الزيت- فكب هذا الزيت كله، فخسر، فحبس على ثمن هذا الزيت. فقال له السجان: ما رأيك لو تذهب إلى أهلك بالليل وتعود في النهار -يعني أراد أن يتعاون معه- فقال له ابن سيرين، رحمه الله: لا أعينك على خيانة السلطان. لا أعينك على خيانة السلطان. فهو يقول -يعني أنه سجنت بحق- ولا يرضى السلطان بهذا أن أخرج في الليل وأرجع في النهار، وأنت مؤتمن في حراستك وفي قيام بأمر السجن، فلا أعينك على الخيانة، رحمه الله. قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: كان إماماً في السنة. كان إماماً في السنة، وهو الذي يقول: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». قال: سمعت أبا هريرة يقول: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي -إما الظهر وإما العصر- فسلم في ركعتين، ثم أتى جذعاً في قبلة المسجد، فاستند إليها مغضباً. وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلما، وخرج سرعان الناس -يعني المسرعين- فقال: فخرج سرعان الناس. قصرة الصلاة -يعني يقولون قصرة الصلاة- لأن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من ركعتين، والزمن زمن تشريع، فظنوا بذلك أن الصلاة قصرة من أربع إلى ركعتين. قال: فقام ذو اليدين -وهو رجل في يديه طول، اسمه الخرباق بن عامر، كما سيأتي، فكان يلقب بذي اليدين- قال: فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يميناً وشمالاً، فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، لم تصلي إلا ركعتين. فصلى ركعتين، وسلم، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر ورفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع. قال: وأخبرت عن عمران بن حسين أنه قال: وسلم. قال: وحدثنا أبو الربيع الزهراني، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي -بمعنى حديث سفيان-. قال: حدثنا قتيبة بن السعيد، عن مالك بن أنس، عن داود بن الحسين، عن أبي سفيان -مولى ابن أبي أحمد- أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ذلك لم يكن. فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، فقال: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم يا رسول الله. فأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من الصلاة، ثم سجد وهو جالس بعد التسليم. قال: حدثني حجاج بن الشاعر، قال: حدثنا هارون بن إسماعيل الخزاز، قال: حدثنا علي -وهو ابن المبارك- قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو سلمة، قال: حدثنا أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين من صلاة الظهر، ثم سلم، فأتاه رجل من بني سليم، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ وساق الحديث. قال: حدثني إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: بينما أنا أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الركعتين، فقام رجل من بني سليم، واقتص الحديث. قالوا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، جميعاً عن ابن علية، قال زهير: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب -أبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي، وأبو المهلب مختلف في اسمه، قيل: معاوية، قيل: عمر بن معاوية- قال: عن عمران بن حسين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم. فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم. قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا خالد -وهو الحذاء- عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن الحسين، قال: سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين -بسيط يعني: طويل أو كبير، فالبسيط في اللغة بمعنى الشيء الواسع أو الكثير- نعم، الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، يبسط يعني: يوسع، بخلاف استعمالها في العرف، تستعمل على بمعنى الشيء القليل واليسير، تقول: هذا أمر بسيط، يعني: أمر يسير. وإلا فالبسيط بمعنى الشيء الواسع الكثير. قال: رجل بسيط اليدين، فقال: قصرة الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضباً، فصل الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم. وحديث عمران بن حسين في سلام النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاث ركعات، هذه قصة أخرى غير حديث أبي هريرة في سلام النبي عليه الصلاة والسلام من ركعتين. فهذا الحديث حديث أبي هريرة رضي الله عنه مشهور بحديث ذي اليدين، وفيه كما سمعنا: أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بأصحابه الظهر أو العصر، فسلم من ركعتين، ثم قام النبي عليه الصلاة والسلام إلى جذع فاتكأ عليه، وخرج الناس من كان مسرعاً منهم. وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاب أحد أن يتكلم مع وجودهما. فقال ذو اليدين للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، قصرة الصلاة أم نسيت؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: صدق. هل صدق في كلامه أو ما يقول ذو اليدين؟ في رواية البخاري قال: «لم أنسى ولم تقصر». فقالوا كما يقول ذو اليدين: سلمت من ركعتين. فقام النبي عليه الصلاة والسلام فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم سجد سجدتين بعد السلام. فهذا الحديث فيه كما أمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام قد يصيبه السهو والنسيان كغيره من البشر، وهو القائل: «إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني». وهاهو عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث سلم من ركعتين سهواً ونسياناً. وفيه أيضاً احترام أهل الفضل والعلم، وأنه لا ينبغي أن يتكلم الصغير مع وجود الكبير. فهاب من كان حاضراً أن يكلم النبي عليه الصلاة والسلام مع وجود أبي بكر وعمر، وهما يعتبران من كبار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، إلا إذا كان في السكوت -يعني فوات مصلحة- لا يمكن تداركها مع وجود أهل الفضل، فلا بأس أن يتكلم من كان دونهما في السن والعلم. فلما لم يتكلم أبو بكر وعمر، تكلم من كان دونهما، ونبه النبي عليه الصلاة والسلام على ما حصل من السهو. وفيه: أن نفي المتكلم لحصول شيء منه على حسب ظنه لا يكون بذلك كاذباً. فالنبي عليه الصلاة والسلام قيل له: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم أقصر ولم أنسى. قال: هذا على حسب ظنه -يعني أنه صلى صلاة كاملة- ولم يحصل منه شيء من النسيان أو قصر الصلاة. وبهذا لم يكن كاذباً عليه الصلاة والسلام، وإنما قال هذا على حسب ظنه. فكون الإنسان ينفي شيئاً واقعاً على حسب ظنه لا يكون بهذا قد كذب. يعني لو قيل للإنسان: أنت فعلت كذا أو كذا، فيقول: لا، ما فعلت. يقول هذا على جهة النسيان والسهو، فلا يكون بهذا كاذباً، بخلاف لو قاله وهو ذاكر متعمد، فهنا يقع في الكذب. وفيه كذلك: أن من سهى فسلم قبل تمام الصلاة، ثم تكلم أو تحرك، ولو كان الكلام كثيراً أو الحركة كثيرة، لكن الفاصل كان قليلاً أو قصيراً عرفاً، أن هذا لا يمنع من إتمام الصلاة وإكمالها ومن صحة الصلاة. فالنبي صلى الله عليه وسلم سلم من ركعتين، وخرج من كان مسرعاً، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم متكئاً، وجعل الصحابة ينظر بعضهم إلى بعض: ما الذي حصل؟ قصرة الصلاة أم نسي النبي صلى الله عليه وسلم؟ ثم جاء ذو اليدين فكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كلم الصحابة: صدق ما يقول؟ قالوا: نعم. ثم قام، ثم قام وأتم الصلاة وأكملها. وفي حديث عمران بن حسين: صلى بهم ثلاث ركعات، وخرج إلى البيت -وإن كان بيته قريب عليه الصلاة والسلام- لأن حجره كانت ملاصقة بالمسجد، ثم نبه أنه سلم من ثلاث ركعات، فجاء وأتم الرابعة، ثم سجد للسهو. فدل هذا على أن الصلاة صحيحة إذا حصل كلام أو حركة بسبب النسيان والسهو. سلم الإمام من ركعتين أو من ثلاث ركعات، وتكلم من تكلم، وتحرك من تحرك، ثم نبه، فيقوم ويأتي بما نقص من الصلاة فيكملها، ثم يسجد للسهو، والصلاة صحيحة. وهذا قول جمهور أهل العلم، قول جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وخالف في هذا أبو حنيفة، رحمه الله، قال: فإن الصلاة لا تصح. قال: الصلاة لا تصح إذا سلم ولم يكمل الصلاة، وتكلم وحصل شيء من الكلام، فإن الصلاة تبطل، وعليه استئناف الصلاة من جديد. والصحيح ما عليه جمهور أهل العلم، ويدل على هذا هذا الحديث، كما سمعنا: تكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وتكلم من الصحابة، ومع ذلك قام النبي عليه الصلاة والسلام وأتى بالركعتين وأتم الصلاة. وهكذا أيضاً: فيه كذلك أنه بعد إتمام الصلاة، إذا كان الإمام قد سهى وسلم قبل إتمام ركعات الصلاة، فإنه يتمها إذا كان الفاصل قريباً. أما إذا كان الفاصل طويلاً -إذا كان الفاصل بين السلام وبين إتمامها قد طال- ونتساءل في الصلاة من جديد -يعني سلم من ركعتين والجميع سهى، الإمام ومن خلفه- وبعد ساعة أو ساعتين قالوا: والله ما صلينا إلا إلى ركعتين، هنا ما يصلح أن يأتي ويكمل الصلاة، بل تستأنف الصلاة من جديد. نعم، فإذا أتم ما عليه -إذا أتم ما عليه من نقصان من ركعات الصلاة- فإنه يسلم، ثم يسجد للسهو بعد السلام، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: أتى بالركعتين، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو. قال: «ثم كبر، ثم سجد -يعني بعد أن سلم من إتمام الصلاة كبر وسجد للسهو- السجود الأول، ثم كبر للرفع من السجود، ثم كبر للسجود مرة أخرى، ثم كبر للرفع من السجود، ثم سلم». إذا: يسجد سجدتين، ثم يسلم، ولا يتشهد ولا يتشهد مرة أخرى. إذا كان سجود السهو بعد السلام، فإنه يسجد سجدتين، ثم يسلم مباشرة، ولا يتشهد. واضح. أما إذا كان السجود قبل السلام، فإنه يكفيه التشهد الأخير -تشهد الصلاة- بعد أن يتشهد، إذا أراد أن يسجد للسهو، يسجد سجدتين، ثم يسلم. أما بعد الصلاة، فإنه يسجد من غير تشهد: يسجد السجدتين، ثم يسلم. وما ورد في ذكر التشهد فهو ضعيف لا يصح. كذلك أيضاً: في هذا الحديث استدل به من قال بعدم قبول خبر الواحد -عدم قبول خبر الواحد- كالمعتزلة الذين لا يقولون بقبول خبر الواحد. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له ذو اليدين: «أقصرت الصلاة أم نسيت؟» جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينظر يميناً وشمالاً، فقال: «ما يقول ذو اليدين؟ أصح هذا الكلام؟» قالوا: صدق، لم تصلي إلا ركعتين. هل في هذا دليل على عدم قبول خبر الواحد؟ الجواب: لا، ليس في هذا دليل على عدم قبول خبر الواحد. بل إن النبي عليه الصلاة والسلام إنما أراد التيقن والتثبت -أراد جادة التثبت في هذا الأمر- لا أن خبر الواحد لا يقبل. نعم، وإنما أراد التثبت في مثل هذا الأمر. ومثل هذا لا يدل على عدم قبول خبر الواحد. وإذا كان من أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن خبر ذي اليدين صحيح -لو كانوا اثنين مثلاً- وما زال الخبر واحداً، ما بلغ حد التواتر، ما زال الخبر واحداً، مع ذلك أخذ النبي عليه الصلاة والسلام بقولهم. والأدلة على قبول خبر الواحد كثيرة في الكتاب والسنة، سواء كان ذلك في باب العقائد أو في باب العبادات. فخبر الواحد مقبول كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، خلاف أهل البدع والأهواء. وكذلك أيضاً: هل يستدل بهذا الحديث على جواز الكلام في الصلاة؟ على جواز الكلام في الصلاة لمصلحة الصلاة؟ قال: بهذا بعض أهل العلم: إذا تكلم المأموم لمصلحة الصلاة، فإن الصلاة صحيحة. واستدلوا بهذا الحديث، قالوا: بأن ذا اليدين تكلم، كلم النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم كلمه، وتكلم غيره من الصحابة لنتأكد من خبره، ومع ذلك أتم الصلاة عليه الصلاة والسلام. فيدل هذا على أنه يجوز الكلام في أثناء الصلاة، وهذا الكلام متعلق بمصلحة الصلاة، فالصلاة صحيحة. والصحيح: أنه لا يجوز الكلام في أثناء الصلاة، ولو كان لمصلحة الصلاة، ولو كان لمصلحة الصلاة -كأن يقول المأموم للإمام حين سهى ولم يدري موضع السهو: اسجد كذا وكذا مثلاً، عليك سجود أو ركوع أو كذا، يكلمه- وهذا الكلام في مصلحة الصلاة، إذا فعل ذلك فإن هذا المأموم بطلت صلاته، وعليه أن يستأنف الصلاة من جديد. وهذا الحديث لا يدل على مشروعية الكلام في أثناء الصلاة لمصلحة الصلاة؛ لأن الصحابة تكلموا بعد سلام النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة -بعد أن سلم وخرجوا من الصلاة- فأرادوا أن يتأكدوا: هل فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا عمداً، أن الصلاة قصرت بدل أربع صلاة ركعتين، أم أنه حصل نسياناً؟ فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. هم لم يتكلموا في أثناء الصلاة، وفي داخل الصلاة، وإنما بعد سلام النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة. فلا يكون في هذا دليل على جواز الكلام في أثناء الصلاة، ولو كان لمصلحة الصلاة. بل الصحيح: أن الكلام لا يجوز، وأن الكلام في أثناء الصلاة عمداً -لمن كان متعمداً ذاكراً عالماً- أنه يبطل الصلاة. نعم، طيب. إلى هنا، وأيضاً كذلك قوله: «فما يقول ذو اليدين؟» أن تلقيب الإنسان بمثل هذا اللقب من باب التعريف: أنه لا بأس به، ولا يعد من الغيبة أو من التنقص. كأن تقول: فلان بوصفه الذي يعرف به، بلقبه الذي يعرف به، فهذا لا بأس به. فهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يقول ذو اليدين؟» فهو معروف ومشهور بهذا الوصف، فلم يكن هذا من التنقص أو من السخرية أو كذلك من الغيبة -يذكر في غيبته- لأنه يعرف بذلك. فمثل هذا لا بأس به: فلان الأعرج، فلان الأعمى، فلان الطويل، فلان القصير، من باب التعريف لا بأس به. أما إذا كان من باب التنقص والاستهزاء والسخرية، فهذا لا يجوز. أما إذا كان من باب التنقص والاستهزاء والسخرية، فهذا لا يجوز. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.