الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أجرين لمن علم جاريته وأدبها ثم أعتقها وتزوجها، مع بيان اختلاف في لفظ الحديث بين "أعتقها وتزوجها" و"أعتقها ثم أصدقها". ويناقش أسانيد الحديث ورواة مثل الشعبي وأبي بردة.
يبيّن المقطع فضل من يعلّم أمته ويؤدبها ثم يعتقها ويتزوجها، وأن أجره يتضاعف مستدلاً بأحاديث عتق صفية وجويرية وجعل عتقهما مهراً. ويذكر جواز ذلك عند جمهور العلماء سواء كان العتق سابقاً على النكاح أو مقترناً به.
يبيّن المقطع فضل من آمن من أهل الكتاب بنبيه ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران، مع مقارنة حال اليهود والنصارى في العداوة والمودة للمسلمين. كما يذكر حديث المملوك الذي يؤدي حق مواليه وحق ربه فله أجران، وينقل عن الشعبي قيمة طلب العلم والرحلة إليه.
روى الشعبي أن الرجل كان يقطع رحلة شهر كامل للحصول على حديث واحد، مما يدل على عظيم مكانة الحديث عند السلف. ويشير المقطع إلى أن الحديث يُؤخذ بلا مقابل مادي، والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال البخاري رحمه الله تعالى: "باب اتخاذ السراري، ومن أعتق جارية ثم تزوجها". "اتخاذ السراري": السراري المراد بها المملوكات الإماء. "ومن أعتق جارية ثم تزوجها": معنى جعل مهرها عتقها. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، وموسى بن إسماعيل هو أبو سلمة التبوذكي المنقري البصري، كان حافظًا من حفاظ أهل البصرة. قال: حدثنا عبد الواحد، وعبد الواحد الظاهر أنه عبد الواحد بن زياد، وهو كوفي طيب. قال: حدثنا صالح بن صالح الهمداني. معنى: أي أحد في الصحيحين فهو بإسكان الميم والدال، يعني يقولون: الدال المهملة، ليس الدال... معنى هذه النسبة إلى همدان: همدان بطن من بطون اليمن، أو قبيلة من القبائل الكبيرة في اليمن، فكل من جاء في الصحيحين فهو همدان، وكذلك في الكتب الستة. وأما همدان بفتح الميم والدال فهذا نسبة إلى همدان بلدها في خراسان، فغالبًا، بل لا تجد أحدًا من أصحاب الكتب الستة، وانما جاء بعدهم. فقال: حدثنا صالح بن صالح الهمداني، قال: حدثنا الشعبي، عامر بن شراحيل الشعبي، حافظ من حفاظ أهل الكوفة الكبار. قال: "ما كتبت سوداء على بيضاء"، أنا ما كان يكتب، وانما كان يحفظ. قال: حدثني أبو بردة، وهو ابن أبي موسى الأشعري، يقال إن اسمه... كنيته عن أبيه هو أبو موسى، ابن الله... ابن قيس الأشعري اليماني الأشعر، هم من تهامة، فإنا من اتباع... معنى الآن من معنى... أماكنهم تابعًا للحديد فهم تهاميون. قال: عن نبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدّبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران، وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران، وأيما مملوك أدى حق مواليه وحق ربه فله أجران". قال الشعبي: "خذها بغير شيء"، يقول لصالح بن صالح. قال: "خذها بغير شيء، قد كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة". وقال أبو بكر، وهو ابن أبي عياش، وهذه متابعة لصالح بن صالح الهمداني. وقال أبو بكر بن أبي عياش عن أبي حصين، معنى: بفتح الحاء، وليس هناك بهذه الكنية بل بهذا الاسم إلا هذا، وهو اسمه عثمان بن عاصم الساساني، عثمان بن عاصم الساساني وهو أبو حصين. قال: أبو بكر عن أبي حصين، عن... كل ما... كل الذي جاء في الكتب الستة بضم الحاء: حصين، حصين بن عبد الرحمن وغيره، لكن هذا انفرد بفتح الحاء: حصين. وقال أبو بكر عن أبي حصين وهو عثمان بن عاصم، عن أبي بردة، عن نبيه، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "أعتقها ثم أصدقها". "أصدقها": يعطيها مهرًا. لكن بعضهم رواها: "ثم أعتقها وتزوجها"، وأبو بكر بن عياش في حفظه شيء، في حفظه شيء، فهذا الحديث فيه... كما جاء في الرواية الأخرى: "ثلاثة يعطون أجرهم مرتين"، ثلاثة يعطون أجرهم مرتين، فذكر هؤلاء الثلاثة. أولًا: رجل عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدّبها فأحسن تأديبها. إن هذه وليدة مملوكة، فكيف لو فعل ذلك بابنته؟ علمها فأحسن تعليمها، وأدّبها فأحسن تأديبها، سيكون الأجر أعظم، كما جاء أيضًا في الحديث الذي أخرجه البخاري: "من عال ثلاث بنات، أدبهن وعلمهن، كن له سترة من النار". قالت امرأة: واثنتان يا رسول الله؟ قال: "واثنتان". فهذا فضل من راع هذه الوليدة المملوكة، لم يظلمها، ولم يهنها، وانما أكرمها وعلمها وأدّبها. والنبي عليه الصلاة والسلام قد أوصى بهؤلاء الممالك، قال عليه الصلاة والسلام: "إخوانكم خولكم، فمن كان عنده أخوه فليطعمه مما يطعم، وليكسوه مما يكسو". خولكم: كأنهم عندكم أمانة، فمن كان عنده أخوه فليطعمه مما يطعم، ويكسوه مما يكسو، فمعنى يعطيه مما آتاه الله عز وجل. وفي هذا الحديث أن الأجر يتضاعف، إن الأجر يتضاعف، وهناك أشياء كثيرة يتضاعف بها الأجر: من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، أجران، كذلك من دعا إلى هدى، دعا إنسانًا إلى هدى، له أجره أيضًا، وهكذا أحاديث كثيرة يتحصل فيها العبد على أكثر من أجر في العمل الواحد. والذي عليه هنا: قال: "فأعتقها فتزوجها"، أن يجعل عتقها مهرها، وهذا قد جاء في السنة: النبي عليه الصلاة والسلام أعتق صفية وجعل عتقها مهرها، وكذلك جويرية. لما جاءت جويرية بنت الحارث المصطلقية جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت لدحية، أو كانت لثابت بن قيس، فقالت: يا رسول الله، إني بنت سيد قومي، فهل تعينني على أن أعتق؟ فقال الله النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟" قالت: بلى. قال: "أعتقك وأتزوجك". فقالت: نعم، معنى: رضيت بذلك. فأعتقها فتزوجها. فلما علم الناس، أي الصحابة، بزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فمن كان عنده أحد من بني المصطلق أعتقه، وقال: "أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فكانت بركة على أهلها. قال: "أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدّبها فأحسن تأديبها، وتزوجها". فيجوز كما قلنا أن يجعل العتق مهرًا، وهذا قول جمهور العلماء، خلافًا لمن كره ذلك من بعض السلف، وبعضهم... أو لعلهم لم يتي... لم يسمعوا بهذه الأحاديث. وسواء كان أعتقها ابتداء ثم تزوجها، أو أنه أعتقها لسبب ثم جعل عتقها زواجها، فكل هذا جائز. ولهذا جاءت في رواية في هذا الحديث: أن رجلًا... أو صالح بن صالح يقول: رأيت رجلًا من أهل خراسان سأل الشعبي، فقال... قال: من قبل... من قبلنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتق أمته ثم تزوجها فهو كالراكب بدنته، كالراكب بدنته. معنى: أنه خطأ، كأنه ركب بدنته. فبين له الشعبي أن هذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وما جاء عن بعض السلف كابن عمر وابن عباس أو ابن مسعود، لعلهم لم يصلهم حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلحديث النبي صلى الله عليه وسلم هو المقدم. وإلا فقد جاء عن جماعة من السلف كما ذكر ذلك الحافظ: جاء عن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وجاء عن بعض التابعين كابن سيرين والحسن، كراهية ذلك. لكن كما قلنا الحديث واضح في جوازه، وقد فعله النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: "أيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران". أيضًا هذه فضيلة لأهل الكتاب، لمن آمن بنبيه وآمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر ذلك ربنا جل وعلا. وهذا لأجل أنه أذعن لله وخضع لله. وغالب هؤلاء استكبروا، خاصة اليهود، عندهم كبر عظيم. وأما النصارى فغالبًا ما يدّعون، لكن أحيانًا يتشربون الشرك، ويتشربون الكفر الذي عندهم، فلا يرجعون، بل يحقدون على أهل الإسلام. لكن كما قال الله عز وجل: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وهذا لأجل العبادة، كأن الله عز وجل يقول: إن العبادة هذه التي يفعلون ترقق قلوبهم، ترقق قلوبهم، فلذا تجد أن الحقد ليس عندهم. ولما ترك هؤلاء العبادة، أي من النصارى، صاروا مثل اليهود. الآن النصارى أحقد من اليهود، لأنهم ما تربوا على العبادة ولا على الرهبانية ولا على غيرها، وإنما تجد غالبهم أهل إلحاد. ومن تمسك بدينه فهو يتمسك بهذا الدين المحرف، هذا الدين المحرف. وأما الدين الذي أنزل الله عز وجل به على عيسى، فلا تجد أحدًا يقول بذلك الدين. فالنبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن من آمن بنبيه ثم آمن برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فله أجران. وهذا الأجر أجر ليس أجر واحد، بل هو أجر يجري عليه أجران، تجري عليه، وأيضًا يتحصلها في كل عمل. قالوا: "أيما مملوك أدى حق مواليه وحق ربه فله أجران". أدى حق مواليه بطاعتهم وبخدمتهم، وأدى حق ربه بعبادته وصلاته وما كان معذورًا فيه، فله الخيار. كان معذورًا فيه: عذره الشرع، مثل الحج، مثل الجمعة، وغيرها من الأمور التي عذره الشرع فيها، فله بالخيار: إن أذن له أسياده بالذهاب إلى الحج حج، وكذلك الجمعة وغيرها من هذه الأحكام، فهو يؤدي حق مواليه وحق ربه جل وعلا. قال الشعبي: "خذها بغير شيء، قد كان الرجل يرحل فيها دونها إلى المدينة". أنا من الكوفة إلى المدينة. وجاء في حديث، وجاء أيضًا في رواية النضر: قال الشعبي: "خذها بغير شيء، قد كان الرجل يرحل لمثل هذا الحديث شهرًا، يرحل لمثل هذا الحديث شهرًا"، يعني يذهب شهرًا كاملًا لأجل مثل هذا الحديث. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.