كتاب المساجد ومواضع الصلاة 52

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 52

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 52، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في مقارنة صحيحي البخاري ومسلم

يتناول المقطع مقارنة بين صحيحي البخاري ومسلم من حيث الترتيب والصحة، حيث يتفوق مسلم في الترتيب بينما يعتبر صحيح البخاري أصح. يُبين أن البخاري كان يقطع الأحاديث حسب الحاجة للاستدلال بينما يسوق مسلم الأحاديث كاملة.

شرح حديث أنس بن مالك وحكم حضور نحر الإبل

يشرح المقطع حديث أنس بن مالك حيث صلى مع النبي العصر ثم ذهب مع رجل من بني سلمة ليحضر نحر جزور لهم، وقد أجابهم النبي وذهب معهم. كما يتطرق إلى مسألة ابن لهيعة وتقييم حديثه.

تعجيل النبي بصلاة العصر وتوضيح تواضعه

يذكر المقطع تواضع النبي واستجابته للدعوات ويتحدث عن حديث رافع بن خديج الذي يدل على تعجيل النبي بصلاة العصر. يُظهر أن الصحابة كانوا يصلون العصر مع النبي ثم ينحرون الجزور ويأكلونها قبل غروب الشمس.

رواية الأوزاعي حول نحر الجزور بعد العصر

روى الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنهم كانوا ينحرون الجزور بعد العصر على عهد رسول الله. اختلفت الرواية عن الأوزاعي بذكر الصلاة مع النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا عمر بن سواد العامري، ومحمد بن سلمة المرادي، وأحمد بن عيسى، وألفاظهم متقاربة. قال عمر: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري. وانظروا إلى الإمام مسلم، كيف يعتني بالألفاظ ويدقق فيها، فإذا روى عن شيخ أو أكثر من شيخ، يذكر ألفاظ الرواية التي رووها عن مشايخهم. فهذا يقول: أخبرنا، وهذا يقول: حدثنا، فيفصل ذلك. قال: قال عمر: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا. وهذا مما امتاز به صحيح الإمام مسلم على صحيح البخاري، في دقة العناية بالألفاظ وألفاظ الرواية وحسن الترتيب. صحيح مسلم مقدم على البخاري في حسن الترتيب. فالإمام مسلم يذكر الأحاديث في مضانها بطولها، بخلاف الإمام البخاري، كان يقطع الأحاديث على حسب الاستدلال والاستنباط، يضع الباب ثم يذكر ما يستدل به من الحديث في هذا الباب، فتجد الحديث مقطعًا في عدة مواضع، ثم يذكره في موضع آخر بطوله. بخلاف الإمام مسلم، تجد الحديث في باب الطهارة يسوقه كاملًا بألفاظه وبطوله، ثم في باب الصلاة، ثم في باب الصيام، وهكذا في سائر أبواب العلم. فكان في حسن الترتيب مقدمًا على البخاري. أما من حيث الصحة، فصحيح البخاري أصح من صحيح مسلم، لأن شرط البخاري أقوى من شرط مسلم. الإمام البخاري اشترط في الرواية ثبوت المعاصرة واللقاء، أن يكون الراوي عاصر شيخه ولقيه، ثبت لقاؤه عنه. بخلاف الإمام مسلم، فقد كان يكتفي بمجرد المعاصرة. قال: قال ابن وهب: أخبرني عمر بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب، وهو أبو رجاء المصري، عالم أهل مصر، وكان من العلماء والحكماء الأتقياء، وهو أول من أدخل العلم في مصر، يعني علم الحديث والفقه. قال: أن موسى بن سعد الأنصاري حدثه عن حفص بن عبيد الله عن أنس بن مالك، وحفص بن عبيد الله هو ابن أنس بن مالك، فأنس جده. قال: عن أنس بن مالك أنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، فلما انصرف، أتاه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، إنا نريد أن ننحر جزورًا لنا، ونحن نحب أن تحضرها. قال: نعم. فانطلق، وانطلقنا معه، فوجدنا الجزور لم تنحر، فنحرت، ثم قطعت، ثم طبخت، ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس. قال المرادي: حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة، وهو عبد الله بن لهيعة الحضرمي المصري، أصله حضرمي، وكان في مصر، وكان من قضاة مصر. وابن لهيعة اختلف أهل العلم والحديث في حاله، هل هو ضعيف مطلقًا، أو أنه ضعف بعد أن احترقت كتبه، فساء حفظه؟ فمن أهل الحديث من يضعفه مطلقًا، كيحيى بن سعيد القطان، وأبي حاتم، وأبي زرعة. وهؤلاء يضعفونه مطلقًا، يعني قبل احتراق كتبه وبعد احتراقها. ومنهم من يقول: كان حسن الحديث، لكن لما احترقت كتبه اختلط، وضعف بسبب ذلك. فكان لا يميز ما يؤتى له من الأحاديث، فيحدث بكل ما يؤتى له به. فلهذا بعضهم يقول: إذا روى عنه أحد العبادلة الثلاثة، وهو ابن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ، فهنا يحسن حديثه. كالإمام ابن حبان، والحافظ ابن حجر رحمه الله في التقريب. والأظهر، الله أعلم، أنه ضعيف مطلقًا، يعني كان سيئ الحفظ قبل احتراق كتبه وبعد احتراقها. وهنا يعني ذكره الإمام مسلم في هذا السند، وهذا السند في المتابعات، ولم يخرج له الإمام مسلم في الأصول، يعني معتمدًا عليه، وإنما يذكر له في المتابعات. قال: وعمر بن الحارث في هذا الحديث، هذا حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام العصر، فلما انصرف، أي انتهى من الصلاة وفرغ، أتاه رجل من بني سلمة. فكونه رجلًا مبهمًا لا يضر، لا يضر هذا في صحة الحديث، لأن هذا متعلق بالمتن، ولا يضر جهالة هذا الآتي للنبي صلى الله عليه وسلم، هو صحابي، حتى لو كان في السند لم يضر، لأن الصحابة كلهم عدول. فكذلك أيضًا إذا جاء ذكر الصحابي في مثل الحديث ولم يذكر اسمه، لا يضر ذلك. قال: أتاه رجل من بني سلمة، وبنوا سلمة ممن يسكن قرب المدينة، فقال: يا رسول الله، إنا نريد أن ننحر جزورًا لنا. والجزور، أي الإبل، والإبل يستحب فيها النحر، يستحب فيها النحر. والنحر أن تطعن في أسفل الحلق بخنجر أو نحو ذلك، حتى يسيل منها الدم، ثم بعد ذلك تذبح ويقطع الرأس. قال: ونحن نحب أن تحضرها، يعني أن تشهد نحرها وذبحها وتقطيع لحمها إلى آخر ذلك. قال: نعم. فانطلق، أي إجاب لهم النبي عليه الصلاة والسلام وذهب معهم. وهذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم مع كونه رسول الله، وهو إمام المسلمين، وهو حاكمهم وقاضيهم وعالمهم، ومع ذلك ما كان يترفع عليه الصلاة والسلام إن دعي إلى طعام أن يستجيب. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت». وهذا من تواضعه الكبير عليه الصلاة والسلام. قال: فانطلق وانطلقنا معه، فوجدنا الجزور لم تنحر، فنحرت، ثم قطعت، ثم طبخت، ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس. كل هذا يعني الوقت، صلوا العصر مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذهبوا إلى بني سلمة، ثم نحرت الجزور، ثم قطعت، ثم طبخت، وأكل منها، وما زالت الشمس لم تغرب بعد. وهذا يدل على ماذا؟ على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجل في صلاة العصر، فيصليها في أول وقتها، عند أول مصير ظل الشيء مثله. وهكذا لو جعل بين دخول الوقت والصلاة نصف ساعة، لا بأس، هذا من الصلاة في أول الوقت. فكل ما عجل بها كان أفضل، يعني أوفق بسنة النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: حدثنا محمد بن مهران الرازي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، وهو الشامي، كان ثقة، بل قيل فيه: عالم أهل الشام، كما قال الذهبي رحمه الله، إلا أنه كان يكثر من التدليس، كان يدلس تدليس التسوية. وكان يفعل هذا كثيرًا في روايته عن الأوزاعي. وتدليس التسوية أن يروي هذا الراوي المدلس عن ثقة، ثم يسقط ضعيفًا بين ثقتين، يعني بين شيخه وشيخ شيخه، فيسقط شيخ شيخه الضعيف، ويروي الحديث عن من بعده، فيسوي السند بالثقات. قال: حدثنا الأوزاعي، وهو عبد الرحمن بن عمر، إمام أهل الشام، عن أبي النجاشي، وهو عطاء بن صهيب، مولى رافع بن خديج. قال: سمعت رافع بن خديج، وهو صحابي جليل، شهد مع النبي عليه الصلاة والسلام أحدًا وما بعدها من المشاهد، وكان رضي الله عنه مهتمًا بالزراعة، ولهذا روى بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالزراعة والحرث. يقول: كنا نصلي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ننحر الجزور، فتقسم عشر أقسام، ثم تطبخ، فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مغيب الشمس. وهو كحديث أنس الذي قبله في تعجيل النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة العصر، فيسع الوقت لنحر الجزور وتقسيم لحمها وطبخها حتى تنضج، ثم تؤكل، وذلك كله قبل أن تغيب الشمس. قالوا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وهو الحنظلي، المعروف براهويه، الإمام الحافظ الحجة. قال: أخبرنا عيسى بن يونس، وشعيب بن إسحاق الدمشقي. قال: حدثنا الأوزاعي بهذا الإسناد، غير أنه قال: كنا ننحر الجزور على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد العصر، ولم يقل: كنا نصلي معه، يعني لم يذكر الصلاة مع النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما اقتصر على ذكر نحر الجزور بعد العصر.