كتاب المساجد ومواضع الصلاة 53

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 53

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 53، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شرح حديث تفويت صلاة العصر

المحور الأول يتناول شرح حديث تفويت صلاة العصر ورواياته المختلفة، ويبين معناه ومدى خطورة تفويت هذه الصلاة.

تفصيل معاني تفويت صلاة العصر وعقوبتها

هذا المحور يفصل في معاني تفويت صلاة العصر وعقوبتها، حيث يشير إلى أن تفويت الصلاة يعتبر أمرًا خطيرًا وقد يؤدي إلى حبوط العمل.

تفسير حديث حبوط عمل تارك صلاة العصر وتأويلاته

المحور الثالث يفسر حديث حبوط عمل من ترك صلاة العصر، ويبين آراء العلماء في تأويل الحديث، مثل رأي الحافظ ابن حجر.

خطورة تفويت صلاة العصر والوعيد الخاص بها

هذا المحور الأخير يركز على خطورة تفويت صلاة العصر والوعيد الخاص بها في الحديث الشريف، ويبين رأي الإمام النووي في خصوصية هذا الوعيد لصلاة العصر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: قرأت على مالك بن أنس إمام دار الهجرة. عن نافع، مولى ابن عمر، عن ابن عمر، وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد السبعة المكثرين من الحديث من الصحابة، رضوان الله عليهم، ممن رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم فوق الألف. فمن هؤلاء السبعة، من هؤلاء السبعة، عندي: أنس والحبر، كالسعدي وجابر، وزوجة النبي صلى الله عليه وسلم، المكثرون في رواية الأثر: أبو هريرة، يليه ابن عمر، وأنس، والحبر، كالسعدي، وجابر، وزوجة النبي صلى الله عليه وسلم. هذه الأبيات الإمام السيوطي رحمه الله في ألفية الحديث: هؤلاء السبعة من الصحابة الذين أكثروا عن النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الحديث، حتى رووا عنه فوق الألف من الحديث: أبو هريرة، وابن عمر، وأنس بن مالك، والحبر عبد الله بن عباس، والسعدي أبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وزوجة النبي صلى الله عليه وسلم، أي عائشة، رضي الله تعالى عنها. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذي تفوته صلاة العصر، كأنما وتر أهله وماله». هذه الرواية بالنصب، وروي كذلك بالضم، كما قال الإمام النووي رحمه الله في الشرح: «كأنما وتر أهله وماله». فكلتا الروايتين صحيحة، إلا أن النصب هو المشهور، الذي عليه أكثر أهل العلم، جمهور أهل العلم. والنصب على أنه مفعول ثاني، والرفع على أنه نائب فاعل. قال: وحدثنا أبو بكر وعمر الناقد، قال: حدثنا سفيان عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال عمر: يبلغ به. وقال أبو بكر: رفعه، يبلغ به، يعني النبي عليه الصلاة والسلام. وهو لفظ من ألفاظ رفع الحديث، هذا لفظ من الألفاظ التي يكون للحديث حكم الرفع، إذا قال: يبلغ به، أو يرفعه، أو ينميه، نعم، نحو ذلك من عبارات التي فيها إشارة إلى رفع الحديث، فيكون الحديث مرفوعا. قال: وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، قال: واللفظ له، قال: حدثنا ابن وهب، هو عبد الله، قال: أخبرني عمر بن الحارث عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم... من أبو سالم؟ هذا من أبو... قال: عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، من أبو عبد الله بن عمر؟ نعم، عبد الله بن عمر، وسالم أكثر من الرواية عن أبيه، هو ونافع، قال: عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من فاتته العصر، فكأنما وتر أهله وماله». هذا الحديث فيه التغليظ في تفويت صلاة العصر، الذي تفوته صلاة العصر. ما المراد بالفوات؟ بالفوات هنا تفوته. أشار الإمام النووي رحمه الله إلى أقوال: أن المراد بذلك قد يكون المراد تركه لصلاة العصر بالكلية، حتى يخرج وقتها، قد فاتت فيه. ويكون المراد أن تفوته بذهاب وقت الاختيار، الذي ينبغي أن يصلي فيه من غير عذر، حتى تصفر الشمس، فهذا يعتبر في حقه قد فاتته العصر، لأن وقتها الذي ينبغي أن تؤدى فيه قد فات، وقت الاختيار الذي ينبغي أن تؤدى فيه الصلاة، هو قبل اصفرار الشمس. فإذا ترك الصلاة حتى اصفرت من غير عذر، فهذا يصدق في حقه أنه فاتته العصر، نعم. وهكذا أيضا قد يكون المراد الذي تفوت صلاة العصر، أي متعمدا، يتعمد ترك صلاة العصر من غير عذر، حتى تغرب الشمس، حتى تغرب الشمس. وكل هذه المعاني محتملة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق، قال: «الذي تفوته صلاة العصر»، ولم يخص ذلك بمعنى معين، فكل ما فيه معنى فوات صلاة العصر، فهو داخل في الحديث، سواء كان الفوات بالكلية حتى تغرب الشمس، أو كان الفوات فوات لوقتها الاختياري من غير عذر، حتى تصفر الشمس، فهو داخل في الحديث، وإن كان بعضها أشد من بعض. قال: «الذي تفوته صلاة العصر، كأنما وتر أهله وماله». ومعنى «وتر أهله وماله»، أي نقص أهله وماله، نقص أهله وماله، فكأنه فقد أهله وماله، كأنه فقد أهله وماله. ولا شك أن هذا أمر شديد على الإنسان، أمر شديد على الإنسان، يعني أن يصاب في أهله وماله، بينما كان يعيش معهم ويعلم معهم، فما درى إلا وقد هلكوا وفقدهم، لا شك أن هذا شديد على النفس. هكذا حال من ترك صلاة العصر، هكذا حال من ترك صلاة العصر حتى فاتته من غير عذر، نعم. حاله كحال من فقد شيئا عزيزا عليه وأمرا عظيما. وقيل: المراد يعني حصول الألم والحسرة يوم القيامة، يوم أن يجازى على هذا العمل الذي صدر منه من تضييع وتفويت صلاة العصر، يصيبه من فقد أهله وماله، يصيب من فقد أهله وماله. وعلى كل، يدل على تغليظ تفويت صلاة العصر، وأن تفويتها ليس بالأمر الهين، بل هو أمر عظيم. ولهذا جاء في صحيح البخاري، من حديث بريدة، قال: النبي صلى الله عليه وسلم: «من ترك صلاة العصر، فقد حبط عمله». وهذا أيضا يدل على خطورة التهاون والتشاهل في صلاة العصر، فقد يحبط عمل الإنسان. وهل مراد بحبوط العمل حبوط العمل بالكلية، كحال الكافر، أو كحال الذي كان مسلما ثم ارتد وكفر؟ لأن الردة محبطة للأعمال، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقدم إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا. وقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُنْيَا وَالآخِرَةِ﴾. فهل هذا هو المراد بقوله: «فقد حبط عمله»؟ قال أهل العلم في حمل هذا الحديث، كما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله: أنه يحمل على من فعل ذلك مستحلا لترك صلاة العصر، فإن استحلال المحرم، أو كذلك أيضا إنكار الواجب، مما يوقع الإنسان في الكفر. فحمل هذا الحديث على هذا المعنى. وذكر أيضا أقوالا أخرى: أن المراد يعني بحبوط الأعمال: «فقد حبط عمله»، عمله يعني حبوط العمل الذي عمله قبل أن يؤدي هذه الصلاة، فصلاة العصر. أو أنه قد يؤدي به الأمر إلى أن يحبط عمله، فيكون المراد التغليظ والتشديد في هذا الأمر، وليس المراد ظاهره، لا يراد ظاهر اللفظ، يعني حقيقة حبوط الأعمال، وإنما المراد التغليظ وبيان يعني خطورة هذا الأمر، وهو التهاون والتساهل في صلاة العصر. ومثل هذا كثير في بعض الأدلة، مثل قول الله عز وجل في قتل النفس: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. فهذه الآية ظاهرها أن قاتل النفس يخلد في النار، مع أن المراد بذلك بيان يعني خطورة هذا الذنب وعظم هذا الذنب، وأن صاحبه معرض للعذاب، ولا يقتضي ذلك أن يخلد في النار كما يخلد أهل الكفر، لكنه قد يعذب ويمكث في النار زمنا طويلا، قد يمكث في النار زمنا طويلا، عذبه الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». ونحو ذلك من أدلة، فيكون هذا المعنى هو المراد، يعني التغليظ في هذا الأمر، وليس المراد به حقيقة ظاهره. وعلى كل، إن هذه الأحاديث تدل على يعني أهمية المحافظة على صلاة العصر، وعدم التساهل في توفية هذه الصلاة، أو تأخيرها عن وقتها، حتى تصفر الشمس، أو حتى تغيب الشمس، بل ينبغي أن تؤدى في أول وقتها، أن تؤدى في أول وقتها. فإن أخرت في وقتها المختار، فلا بأس، يعني لو أخر إنسان الصلاة، صلاة العصر، ليس صلاها في أول الوقت، أخرها بعد دخول الوقت بساعة، وهو مزال الوقت وقت اختيار، لا بأس إن كان هناك حاجة. لكن يؤخرها إلى اصفرار الشمس من غير عذر، هذا لا يجوز. وهل هذا الحكم تلحق به بقية الصلوات؟ بقية الصلوات الخمس، هل يشملها هذا الحكم؟ أن من فاتته صلاة الفجر، أو الظهر، أو المغرب، أو العشاء، يكون له نفس هذا التغليظ: «كأنما وتر أهله وماله»؟ قال بهذا بعض أهل العلم، كما ذكر الإمام النووي رحمه الله في الشرح، الإمام ابن عبد البر نحو ذلك. لكن النص على أن هذا الحكم خاص بصلاة العصر. ولو كان الحكم عاما، لقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ترك الذي تفوته صلاة»، فكأنما... وأطلق، فيشمل ذلك جميع الصلوات. لكن خص صلاة العصر، يدل على أن هذا الحكم خاص بها دون غيرها. وإن كان ولا شك أن التفويت أي صلاة من الصلوات من غير عذر، إثم عظيم وذنب كبير، لكن ليس هو كتفويت صلاة العصر، لعظم أمر هذه الصلاة. ولهذا خصت بهذا الوعيد في هذا الحديث: «الذي تفوته صلاة العصر». إذن غير صلاة العصر، يختلف ذلك. وهذا الذي رجحه الإمام النووي رحمه الله، وهو ظاهر هذه الأحاديث. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.