كتاب المساجد ومواضع الصلاة 51

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 51

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 51، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

استحباب تقديم صلاة العصر

ذكر الإمام مسلم أحاديث لبيان استحباب تقديم صلاة العصر في أول وقتها، حيث يبدأ وقتها عند مصير ظل الشيء مثله. كان النبي يصلي العصر والشمس مرتفعة.

أدلة على أول وقت العصر وتطبيقه

استدل الشيخ بأحاديث نبوية على أن أول وقت صلاة العصر هو عند مصير ظل كل شيء مثله، وكان النبي يصليها في أول وقتها. روى أنس أنهم كانوا يصلون العصر مع النبي ثم يذهبون إلى قباء.

تحذير النبي من تأخير صلاة العصر

حذر النبي من تأخير صلاة العصر حتى تغرب الشمس مثلما يفعل المنافقون، وكان يحث على أدائها في أول وقتها مع خشوع وذكر الله. روى أنس عن النبي قوله في المنافقين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج أبو الحسين في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهو ابن طريف بن جميل أبو رجاء العطاردي، قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد أبو الحارث الفهمي. حاء، ما معنى حاء؟ تحويل السند، وقد تطلق أيضا بمعنى اختصار، اختصار الحديث، إذا جاء في آخر السند، إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حاء أي الحديث. وأيضا تأتي بمعنى ثالث، وهو اختصار حدثنا. نعم، قال: وحدثنا محمد بن رمح، ومن المهاجر التجيبي، قال: أخبرنا الليث، ومن سعد، عن ابن شهاب، وهو الزهري، عن أنس بن مالك، وهو الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتي العوالي والشمس مرتفعة. ولم يذكر قتيبة فيأتي العوالي. والعوالي هي القرى التي كانت حول المدينة، تبعد عن المدينة نحو الثمانية أميال، ومنها أو أقربها إلى المدينة يبعد ميلين، كما ذكر الإمام النووي رحمه الله. قال: حدثني هارون بن سعيد الأيلي، قال: حدثنا ابن وهب وعبد الله بن وهب المصري، قال: أخبرني عمر، هو من الحارث الأنصاري المصري، عن ابن شهاب، وهو الزهري، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر بمثله سواء. وهذا الحديث وما بعده من الأحاديث ستأتي، ساقها الإمام مسلم رحمه الله لبيان استحباب تقديم صلاة العصر في أول وقتها. فذكر حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، معنى حية: أي ما زالت بيضاء، فيها نورها وشعاعها، لم تصفر بعد. فيذهب الذاهب إلى العوالي، يعني إلى القرى التي حول المدينة، فيأتي ويصل إلى العوالي والشمس ما زالت مرتفعة. ومعنى هذا أنه كان يصلي عليه الصلاة والسلام العصر في أول وقتها. ومر معنى أن أول وقت العصر متى؟ ها نعم، عندما يصير ظل الشيء مثله، هو آخر وقت الظهر وأول وقت العصر. نعم، وهذا قول جمهور أهل العلم. قول جمهور أهل العلم أن أول وقت العصر عندما يصير ظل كل شيء مثله. سواء في الزوال، وخالف أبو حنيفة، أبو حنيفة قال: أول وقت العصر عندما يصير ظل كل شيء مثليه. عندما يصير ظل كل شيء مثليه، وهذا خلاف الصواب، خلاف الأحاديث الكثيرة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام أن وقت العصر عندما يصير ظل كل شيء مثله. وعندما يصير ظل كل شيء مثليه، هذا هو قريب وقت اسفرار الشمس، يعني قبل اسفرار الشمس بشيء يسير، فهو في آخر وقت الاختيار، هو آخر وقت الاختيار. وليس هذا هو أول وقت العصر. فالذي عليه جمهور أهل العلم هو الصواب، أن أول وقت العصر هو عند مصير ظل كل شيء مثله. وهذه الأحاديث تؤكد ذلك وتبين ذلك. قال: وحدثنا يحيى، من يحيى، وهو التميمي، قال: قرأت على مالك، وهو ابن أنس إمام دار الهجرة، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، فيأتيهم والشمس مرتفعة. نعم، يذهب بعد أن يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام، يذهب إلى أهل قباء، فيصل إليهم والشمس مرتفعة. والذهاب إليهم إما مشيا وإما على الراحلة، وهذا كذلك يعني يؤكد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي العصر في أول وقتها. قال: وحدثنا يحيى، من يحيى، قال: قرأت على مالك، عن إسحاق بن عبد الله، من أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم يصلون العصر. نعم، ومنازل بني عمرو بن عوف كما ذكر الإمام النووي رحمه الله على ميلين من المدينة. فكان الواحد منهم يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يذهب إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم يصلون العصر. وهذا كما ذكر الإمام النووي رحمه الله أن بني عمرو بن عوف كانوا يؤخرون الصلاة عن أول وقتها، فيصلون الصلاة في وسط الوقت. وإلا لو كانوا يصلون في أول الوقت كما يصلي النبي عليه الصلاة والسلام، لما أدركهم من صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة العصر. فكونهم يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم في أول الوقت، ثم يذهب إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم في صلاة العصر، معنى هذا أنهم يؤخرون صلاة العصر. قال: وحدثنا يحيى، من أيوب، قال: وحدثنا يحيى، من أيوب ومحمد، من الصباح، وقتيبة وابن حجر، قالوا: حدثنا إسماعيل بن جعفر، وهم نبي كثير الأنصاري قارئ أهل المدينة، قال: عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة، حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه، قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قال: فصلوا العصر، فقمنا فصلينا. فلما انصرفنا، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا». وقوله رضي الله عنه: «صليتم العصر؟» إلى آخره، أي أنهم صلوا الظهر، ولعل صلاتهم للظهر كانت متأخرة. فلما دخل وقت العصر، بادر أنس رضي الله عنه بصلاة العصر، فأمرهم أن يصلوا العصر، يعني في أول وقتها. ثم أخبرهم بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «تلك صلاة المنافق»، أنه يؤخر صلاة العصر، حتى إذا صفرت الشمس وكادت أن تغرب، قام فنقر الصلاة نقرا، يعني صلاها من غير طمأنينة ومن غير سكينة، لا يذكر الله فيها إلا قليلا. وقوله: «حتى إذا كانت بين قرني الشيطان»، يعني الشمس عند غروبها تغرب بين قرني شيطان، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر بن عبسة، وبعض أيضا روايات حديث عبد الله بن عمر أنها تغرب بين قرني شيطان. قال: وحدثنا منصور بن أبي مزاحم، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، وهو إمام أهل خراسان، قال: عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف، قال: سمعت أبا أمامة بن سهل، وهو ثقة أدرك النبي عليه الصلاة والسلام ولم يسمع منه، كما قال الإمام البخاري رحمه الله، وكذلك أبو زرعة. وسهل بن حنيف صحابي، والده قال: يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى وصلنا إلى أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر. فقلت: يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم التي كنا نصلي معه. نعم، هنا يخبر أبو أمامة بن سهل بن حنيف يقول: صلينا مع عمر بن العزيز، وهو الخليفة الراشد الذي عده بعض أهل العلم الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز، وذلك في الوقت الذي كان فيه نائبا على المدينة، قبل أن يتولى الخلافة. قال: وحدثنا عمر بن سواد العامري، قال: ومحمد بن سلمة المرادي، وأحمد بن عيسى، وألفاظهم متقاربة، قال عمر: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن موسى بن سعد الأنصاري حدثه، عن حفص بن عبيد الله، عن أنس بن مالك، أنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، فلما انصرف، أتاه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، إنا نريد أن ننحر جزورا لنا. والجزور يطلق على الإبل، قال: ونحن نحب أن تحضرها، يعني أن تحضر نحرها وطبخها وتشارك في أكلها. قال: نعم، فانطلق وانطلقنا معه، فوجدنا الجزور لم تنحر، فنحرت، ثم قطعت، ثم طبخ منها، ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس. إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.