كتاب المساجد ومواضع الصلاة 60

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 60

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 60، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل المسلمين الأوائل وحرصهم على الصلاة

حديث عائشة يدل على فضل المسلمين الأوائل في حرصهم على الصلاة في وقتها، حيث انتظروا صلاة العشاء حتى نام الصبيان والنساء. النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة لبيان جواز ذلك.

تأخير صلاة العشاء إلى وقتها الأفضل

النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء أحيانا ليبين جواز ذلك وفضل الوقت الأفضل بعد ذهاب عامة الليل. لم يواضب على تأخيرها لتجنب المشقة على الأمة.

حكم تأخير صلاة العشاء وضوابطه

يجوز تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل، وكان النبي يصليها في أول الوقت غالبا. المقطع يستدل على جواز الفترة الطويلة بين الأذان والإقامة.

أفعال لا تنقض الوضوء وخاتمة الدرس

هناك أفعال لا تنقض الوضوء، ويحمل الحديث على معنى محدد. الدرس ينتهي بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمامنا مسلم بن الحجاج أبو الحسين، أن إسحاق بن منصور القشيري رحمه الله، في صحيحه: وحدثنا عمر بن سواد العامري قال: وحرملة بن يحيى قال: أخبرنا ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري، قال: أخبرني يونس وابن يزيد أبو يزيد القرشي، أن ابن شهاب أخبره، وهو الإمام الزهري محمد بن عبيد الله، عن عبد الله بن الشهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، وهو من العوام أبو عبد الله، كان ثقة حافظا فقيها عالما، إلا أنه ليس له سماع من أبيه، كما قال الإمام الدارقطني رحمه الله: لم يسمع عروة من أبيه الزبير لأنه كان صغيرا، وهو من أثبت الناس في عائشة رضي الله عنها، هو والقاسم بن محمد وعمرة بنت عبد الرحمن، قال فيه الزهري رحمه الله: كان بحرا لا تكدره الدلاء. قال: أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي بصلاة العشاء، وهي التي تدعى العتمة، فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال عمر بن الخطاب: نام النساء والصبيان. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لأهل المسجد حين خرج عليهم: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم، وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس. زاد حرملة في روايته: قال ابن شهاب، وذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وما كان لكم أن تنزروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصلاة. ومعنى تنزروا: أي تلحوا. قال: وذاك حين صاح عمر بن الخطاب. قال: وحدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي عن جدي، عن عقيل، عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثله، ولم يذكر قول الزهري، وذكر لي، وما بعده. هذا الحديث حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي عليه الصلاة والسلام أعتم في ليلة من الليالي بصلاة العشاء، يعني أخر صلاة العشاء حتى اشتدت ظلمة الليل، ونام النساء والصبيان الذين كانوا ينتظرون الصلاة. والمراد بالنوم: يعني بدايات النوم أو كالنعاس بسبب تأخر النبي عليه الصلاة والسلام. فأخبر عمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن النساء والصبيان قد ناموا، بمعنى قد تأخرت في الخروج إلى الصلاة. فخرج النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبرهم أنهما ينتظر هذه الصلاة أحد من أهل الأرض غيرهم، لأن هذا كان قبل فشو الإسلام وقبل انتشاره، فهم الذين كانوا ينتظرون الصلاة، ولم يكونوا أحد غيرهم. نعم، وسيأتي في روايات أخرى أن النبي عليه الصلاة والسلام أخرها لأن هذا هو وقتها الأفضل، من باب بيان فضيلة الوقت، لكن لأجل عدم المشقة لم يواضب النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، فكان في غالب أمره يصلي العشاء في أول وقتها، لكن أخرها أحيانا ليبين لهم أن هذا جائز، وأن هذا هو وقتها الأفضل إذا لم يكن في ذلك مشقة على الناس. قال: وحدثني إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن حاتم، كلاهما عن محمد بن بكر، قال: وحدثني هارون بن عبد الله، قال: حدثنا حجاج بن محمد، قال: وحدثني حجاج بن الشاعر ومحمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، وألفاظهم متقاربة، قالوا جميعا عن ابن جريج، وهو عبد الملك بن جريج، ثقة إلا أنه مدلس، قال: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، أنها أخبرته عن عائشة، قالت: أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصل، فقال: إنه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي. وفي حديث عبد الرزاق: لولا أن يشق على أمتي. نعم، في هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر في صلاة العشاء حتى ذهب عامة الليل، يعني كثير من الليل، وليس أكثره، لأن وقت صلاة العشاء كما مر معنا إلى نصف الليل، ولو كان الذي ذهب أكثر الليل معنا ذهب أكثر من النصف، فلهذا يحمل قولها: ذهب عامة الليل، الكثير منه، لكن ليس أكثره، يعني أقل من النصف، ما هو أقل من النصف نحو الثلث الليل الأول أو زيادة، فصلى بهم نبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخبرهم أن هذا وقتها الأفضل. إنه لوقتها: يعني وقتها المختار ووقتها الأفضل، وليس المراد: إنه لوقتها يعني أول وقتها، لأن أول وقتها يدخل بغياب الشفق الأحمر كما في الأحاديث الأخرى. فقوله: إنه لوقتها: يعني وقتها المختار والأفضل. لولا أن أشق على أمتي: يعني لصليتها في هذا الوقت أو أمرت بالصلاة العشاء في هذا الوقت، لكن هذا سيشق على الأمة، ولو كان الأمر كذلك أو أمر به لربما صار أمرا لازما، وحينئذ تحصل المشقة لهذه الأمة، وقد جاءت هذه الشريعة بالتيسير والتخفيف، ورفع الأصار والأغلال التي كانت في الأمم السابقة، فلأجل ذلك لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بصلاة العشاء في هذا الوقت، لكن فعل ذلك لبيان الجواز، وكذلك أيضا بيان أن هذا الوقت الأفضل، فمن تيسر له ذلك من غير مشقة فلا بأس أن يؤخر صلاة العشاء، فيصليها مثلا في الثلث الليل الأول، فهذا وقتها المختار، وإلا إذا وجدت المشقة، وهذا الغالب أنها إذا أخرت يكون في ذلك مشقة على الناس، فإن تصلى في أول الوقت. قال: وحدثني زهير بن حرب أبو خيثمة النسائي، قال: وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال إسحاق: أخبرنا، وقال زهير: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور بن المعتمر، عن الحكم، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة. وهذا فيه دليل على جواز أن يقال: صلاة العشاء الآخرة، خلافا من منع ذلك. قال: فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، يعني أنه أخرها عليه الصلاة والسلام إلى ثلث الليل أو زيادة على ذلك، لكن أقل يعني من نصف الليل. قال: فلا ندري شيء شغله في أهله أو غير ذلك، يعني السبب ما هو سبب تأخيره، الله أعلم، لم يعلموا سبب تأخير النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فقال حين خرج: إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم. وهو بنحو ما جاء في رواية الأولى حديث عائشة، حين قال النبي عليه الصلاة والسلام: ليس هناك أحد ينتظرها غيركم. قال: ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة، يعني لا استمررت على ذلك أن أصلي العشاء في هذا الوقت، لكن لأجل حصول المشقة بذلك لم يفعل ذلك عليه الصلاة والسلام. قال: ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى. نعم، هذا أيضا فيه دليل على يعني جواز أن يكون بين الأذان والإقامة فترة طويلة. المؤذن أذن في أول الوقت، وقيمة الصلاة في ثلث الليل أو بعده، معنى أنه كان هناك زمن طويلا بين الأذان والإقامة. قال: وحدثني محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، وهو همام الصنعاني، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني نافع، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شغل عنها ليلة فأخرها. معنى هذا أنه كان في الغالب في غالب حاله عليه الصلاة والسلام أن يصليها في أول الوقت، فحصل هذا التأخير أحيانا في بعض المرات. قال: شغل عنها ليلة فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ليس أحد من أهل الأرض الليلة ينتظر الصلاة غيركم. وقوله: رقدنا ثم يعني استيقظنا، هذا إما أن يحمل على أنه كان قبل أن يبين أن النوم ناقض الوضوء، قبل أن يبين ويعلم أن النوم ناقض الوضوء، أو يحمل هذا الرقود على أنهم كانوا يطجعون يطجعون وهم مستيقظون، تعرفون الواحد لما يجلس وقتا طويلا يشعر بشيء من التعب، فربما يطجع يعني على أحد شقيه من باب أنه يستريح من طول الجلوس، فيكون هذا المقصود أنهم يطجعوا، وربما حصل لهم شيء من بدايات النوم أو النعاس، ومثل هذا لا ينتقض به الوضوء، فيحمل على هذا والله أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.