الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 62، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
كان عبد الله بن قيس الأشعري صحابي جليل حسن الصوت بالقرآن، تولى مناصب قضائية مختلفة. قال له النبي: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود».
فضل صلاة العشاء في جماعة وتأخيرها إلى ثلث الليل، والأفضل صلاتها في أول وقتها إلا إذا وجد سبب للتأخير. يبين جواز تأخيرها في السفر.
يجيز الحديث بعد العشاء إذا كان في أمور الخير مثل سماع العلم أو الحديث مع الضيف أو الأهل في الأمور المباحة. يبين حرص الصحابة على سماع العلم.
يتم الجمع بين الأحاديث المختلفة والتأكيد على الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التركيز على التقديس للنبي وأتباعه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مصر بن الحجاج، أبو الحسين، أن يسابور القشير، رحمه الله، في صحيحه: وحدثنا أبو عامر الأشعري، وعبد الله بن براد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قالوا: حدثنا أبو كريب، وهو محمد بن العلاء الهمداني، قالوا: حدثنا أبو أسامة، وحماد بن أسامة، عن بريد، وهو ابن أبي بردة، عن أبي بردة، وهو الأشعري، ابن أبي موسى، قيل: اسمه الحارث، وقيل: عامر، قال: عن أبي موسى، وهو عبد الله بن قيس الأشعري، والأشعريون من اليمن. عبد الله بن أبي موسى موسى الأشعري صحابي جليل، قدم على النبي عليه الصلاة والسلام في السنة السابعة، هو وجماعة من قومه، نحو خمسين رجلا ممن أسلم. وكان حسن الصوت بالقرآن، حتى قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود». حتى قال بعض الأئمة: إنه أحسن الصحابة صوتا. كان أبو موسى أحسن الصحابة صوتا، رضي الله تعالى عنه. وكان من القضاة، ولهذا قال من المديني، رحمه الله: «قضاة الأمة أربعة»، قضاة الأمة أربعة: عمر، وأبو موسى، وعلي، وزيد بن ثابت. قال من المديني: «قضاة الأمة أربعة: عمر، وعلي، وأبو موسى، وزيد بن ثابت». وقد ولي للنبي عليه الصلاة والسلام زبيدا وعدا، وولي لعمر، رضي الله عنه، الكوفة والبصرة. قال: كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة، وذلك أن أبا موسى لما رجع إلى قومه وأسلم معه خمسون رجلا، ذهب معهم في السفينة، فألقتهم الأمواج إلى أرض الحبشة، تعطلت بهم السفينة وألقتهم في أرض الحبشة، فجلسوا عند جعفر بن أبي طالب، ثم قدموا معهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام في السنة السابعة. قال: كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولا في بقيع بطحان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فكان يتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم. قال أبو موسى: فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا وأصحابي، وله بعض الشغل في أمره، حتى أعتم بالصلاة حتى بهار الليل -يعني انتصف- أعتم في الصلاة يعني أن تأخر، وأظلم يعني أظلم الليل. ولم يصل النبي عليه الصلاة والسلام صلاة العشاء، فأخرها حتى بهار الليل -يعني انتصف الليل أو كاد أن ينتصف- ويحمى القول هنا حتى بهار الليل يعني كاد أن ينتصف الليل. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بهم. فلما قضى صلاته، قال: «لي من حضر على رسلكم» -يعني تأنوا ولا تستعجلوا- يقال رسلكم ورسلكم، فتح الراء وكسرها، والكسر أفصح، بمعنى التأني وعدم الاستعجال. قال: «أعلمكم وأبشروا أن نعمة الله عليكم أنه ليس من الناس أحد يصلي هذه الساعة غيركم» -يعني في هذا الوقت الذي أخر فيه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء- وهذا كان قبل انتشار الإسلام، هذا كان في المدينة قبل أن تفتح الفتوح وينتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. فما من وقت وساعة مر الآن إلا وفيها من يصلي لله، بحمد الله جل وعلا. قال: «أو قال: ما صلى هذه الساعة أحد غيركم»، لا ندري أي الكلمتين قال. قال أبو موسى: فرجعنا فرحين بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. نعم، هذا الحديث فيه ما مر بيانه في الأحاديث السابقة، وهو استحباب صلاة العشاء في آخر، أو تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل أو بعد ذلك إذا لم يكن في ذلك مشقة. وقول أبي موسى، رضي الله عنه: «فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا وأصحابي، وله بعض الشغل في أمره، حتى أعتم بالصلاة»، هذا معنى أنه لم يكن هذا من عادة النبي عليه الصلاة والسلام أنه يصلي العشاء في هذا الوقت، وإنما كان يبادر بها. وإنما حصل هذا أحيانا، حصل هذا أحيانا، وذلك لأجل كما مر معنا في الأحاديث عدم المشقة على الناس. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالصلاة في هذه الساعة»، وقال: «إنه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي». لكن لأجل رفع المشقة صلىها النبي صلى الله عليه وسلم في أول وقتها. لكن لما شغل في هذه المرة صلىها في هذا الوقت الذي هو في آخر وقتها، وأخبر أنه ليس أحد يصلي في تلك الساعة أحد غير الصحابة، الصحابة رضوان الله عليهم في تلك الصلاة. فهذا يعلم منه أن الأفضل أن تصلى في أول الوقت، لأجل عدم المشقة على الناس. ولا شك أن تأخيرها فيه مشقة، تأخيرها فيه مشقة يحتاج الإنسان أن ينام، قد يكون متعبا يعني من عمل النهار وعمل اليوم. فإذا أخرت الصلاة إلى ثلث الليل أو نحو ذلك، سيكون بذلك مشقة. فلأجل هذا يكون الأفضل أن تصلى في أول وقتها، في أول وقتها. إلا إذا حصل الإنسان يعني سببا للتأخير، هو ومعه مثلا جماعة من الناس، فالأفضل أن يؤخرها لأنه حينئذ ليس عليهم مشقة. كان يكون إنسان في سفر، فيصليها هو ومن معه من رفقة في الوقت المستحب، يعني يؤخرها إلى ثلث الليل الأول. طيب أو يكون مثلا في رحلة أو شيء من ذلك، فلا بأس أن يؤخرها إلى ثلث الليل. وأما صلاتها في المسجد، فتصلى في أول الوقت. ولو أخرت عن وقتها يعني شيئا من الوقت، نحو نصف ساعة أو ساعة إلا ربع أو ساعة، لا بأس. مثل هذا ليس فيه مشقة على الناس شديدة. وكذلك أيضا في هذا الحديث حرص الصحابة رضوان الله عليهم على سماع العلم والانتفاع به، وفرحهم بسماع الحديث من النبي عليه الصلاة والسلام. فلما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بهذه البشارة التي بشرهم بها فرحوا بذلك. قال أبو موسى: «فرجعنا فرحين بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم». نعم، فهذا فيه الفرح بتحصيل العلم وسماعه، لأن هذه من نعم الله سبحانه وتعالى على العبد أن يوفق لحضور مجالس العلم وسماع العلم والانتفاع بالعلم. كذلك أيضا فيه جواز الحديث بعد صلاة العشاء إذا كان في أمور الخير، إذا كان في أمور الخير كسماع العلم، أو كذلك الحديث مع الضيف، أو كلام الرجل مع أهله في الأمور المباحة ونحو ذلك. وأما ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من كراهة الحديث بعدها، فهو في الأمور التي هي من الشر أو من الذنوب والمعاصي والخطايا، أو التوسع في ذلك يعني في الكلام والحديث مما قد يوقع الإنسان في الأمر المحظور، يعني يتوسع في الكلام والحديث بعد صلاة العشاء مما قد يوقعه في الأمر المحظور. فالأفضل والمستحب أن الإنسان إذا صلى العشاء يبادر بالنوم، حتى يختم له عمل ذلك اليوم بصلاة العشاء، يختم له بصلاة العشاء. لكن لو تحدث بشيء من الحديث النافع كسماع العلم، أو حضور مجلس علم، أو كلام مباح يعني مع الضيف، الضيف يحتاج إلى مؤانسة، فيؤانسه بشيء من الحديث معه، لا بأس. أو كذلك أيضا الحديث مع أهله، فلا بأس بذلك. ولهذا يحمل هذا الحديث، فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا صلى بهم العشاء، ثم حدثهم بهذه البشارة وبهذا الأمر، وهو الذي نهى عليه الصلاة والسلام عن الحديث بعدها. إذن يحمل هذا النهي على يعني الحديث المحرم، أو كذلك التوسع في الكلام بعد العشاء مما قد يوقع في الأمر المحظور. وأما إذا كان الحديث في أمر من أمور الخير كتعليم العلم، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو حديث مباح مع الضيف أو مع الأهل، فلا بأس بذلك. وهذا جمعا بين الأحاديث. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.