كتاب المساجد ومواضع الصلاة 93

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 93

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 93، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حديث قنوت النبي شهراً لفكاك المستضعفين

يروي أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في صلاة العشاء شهراً داعياً لفك أسر المستضعفين من الصحابة ومستنصراً على مضر. تناول المقطع حال راوي الحديث الأوزاعي ومناقشة تدليس التسوية في سنده.

مشروعية قنوت النوازل وضعف حديث القنوت الدائم

استعرض المقطع دعاء النبي في قنوته لإنقاذ المستضعفين والدعاء على كفار مضر مبيناً مشروعية قنوت النوازل عند المصائب. ناقش ضعف حديث القنوت المستمر في صلاة الصبح مستدلاً بحديث أنس أن النبي قنت شهراً ثم ترك.

أحكام قنوت النوازل وتمييزه عن قنوت الوتر

يميز النص بين قنوت الوتر الثابت وقنوت الفجر غير الثابت، ويوضح أن قنوت النوازل يشرع عند حدوث نازلة ويوقف عند زوالها اقتداءً بالنبي. يستدل بحديث أبي هريرة على جواز القنوت في الظهر والعشاء والفجر للنوازل دون مواظبة دائمة.

قنوت النازلة في صلاتي الفجر والمغرب

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت في الفجر والمغرب عند نزول النوازل داعياً للمؤمنين ولاعناً للكفار عند تسلطهم. وهذا سنة ثابتة تُعمل بها حسب الحاجة عند حدوث النوازل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج، أبو الحسين، النيسابوري، القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا محمد بن مهران الرازي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، وهو ثقة إلا أنه مدلس، كان يدلس تدليس التسوية، ويفعل ذلك كثيرًا في روايته عن شيخه الأوزاعي. ما هو تدليس التسوية؟ نعم، إسقاط ضعيف بين ثقتين، سمع أحدهم من الآخر، فيسوي السند بالثقات، ويسقط الضعيف. فلما قيل له في ذلك: لماذا تفعل هذا؟ قال: أنا أجل الأوزاعي أن يروي عن هؤلاء الضعفاء. لكن إذا حدَّث صرح بالتحديث فحديثه مقبول، وهنا قد صرح بالتحديث. قال: حدثنا الأوزاعي، وهو عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، إمام أهل الشام في زمانه، ويقال له الأوزاعي نسبة إلى أوزاع، وهي محل في دمشق. قال: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركعة في صلاة شهرًا، إذا قال: سمع الله لمن حمده، يقول في قنوته: «اللهم أنجِ الوليد بن الوليد، اللهم أنجِ سلمة بن هشام، اللهم أنجِ عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنجِ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف». قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء بعد، قلت: أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك الدعاء لهم. قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا؟ وحدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا حسين بن محمد، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي العشاء، إذ قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال قبل أن يسجد: «اللهم أنجِ عياش بن أبي ربيعة»، ثم ذكر بمثل حديث الأوزاعي إلى قوله: «كسني يوسف»، ولم يذكر ما بعده. في هذا الحديث يخبر أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قنت شهرًا بعد الركعة الأخيرة، بعد الرفع من الركعة الأخيرة، إذا قال: سمع الله لمن حمده، يعني إذا رفع من الركوع وقال: سمع الله لمن حمده، هنا يقنت ويدعو. قال: يقول في قنوته: «اللهم أنجِ الوليد بن الوليد، اللهم أنجِ سلمة بن هشام، اللهم أنجِ عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنجِ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر»، يعني: اجعل بأسك عليهم شديدًا. فدعا النبي عليه الصلاة والسلام لقوم من الصحابة، دعا لهم أن ينجيهم الله سبحانه وتعالى، ودعا على قوم، أي: من الكفار، بعض القبائل الكفار، كما مر معنا في الحديث الذي قبله في حديث عبد الرحمن بن عوف، أيضًا حديث أبي هريرة لما دعا على رعل، وذكوان، وعصية، عصوا الله ورسوله، قبائل يعني من كفار العرب، دعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام. وقوله: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف»، يعني: اجعلها عليهم سنين مجدبة قاحطة، لا غيث فيها ولا مطر. وهذا فيه مشروعية قنوت النوازل، مشروعية قنوت النوازل إذا نزلت بالمسلمين نازلة، أو أصابتهم مصيبة من اجتياح عدو مثلًا، أو إصابتهم بوباء أو مرض أو نحو ذلك، فيشرع حينئذ أن يدعى للمسلمين، ويدعى على أعدائهم، يدعى للمسلمين ويدعى على أعدائهم، فيقنت في الصلوات الخمس كلها، يسمى هذا القنوت: قنوت النوازل، وهو مشروع، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا، ثم ترك، أي: ترك القنوت ولم يستمر. وفي هذا دليل على ضعف الحديث الوارد حيث رواه الترمذي وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا. هذا الحديث يسد الباب على الشافعية في مشروعية القنوت في صلاة الصبح على جهة الاستمرار. هذا الحديث ضعيف لا يصح، بل هو منكر، يعتبر حديثًا منكرًا؛ لأن الثابت في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا ثم ترك، وأنه كان لا يقنت عليه الصلاة والسلام إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم. هذا هو الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أنس. وأما هذا الحديث: أنه قنت، أو ما زال يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا، فهو لا يصح؛ لأن أبا جعفر الرازي وهو... يعني ضعيف، وعنده مناكير، يروي عن الثقات المنكرات، وطرقه كلها ضعيفة لا تصح، ومدارها على عمر بن عبيد المعتزلي. فالقنوت في الصبح لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا في قنوت النوازل، إلا في قنوت النوازل. وهكذا أيضًا في قنوت الوتر، أيضًا هذا ثابت في حديث الحسن بن علي، علمه النبي عليه الصلاة والسلام قنوت الوتر المشهور: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت»، الحديث. أما قنوت الفجر فهذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام دعا ثم ترك الدعاء، فلما سأل أبو هريرة عن السبب، قيل: أما تراهم قد قدموا؟ يعني: قد جاءوا وسلموا، فلا حاجة حينئذ للاستمرار في الدعاء. فقنوت النوازل يكون عند حدوث نازلة، وإن استمرت لا بأس أن يستمر بالقنوت، ويكون الدعاء فيها بحسب النازلة، بحسب النازلة: إذا كان يعني عدو مثلًا تسلط عليهم، فيدعى لهم أن الله يكف شر عدوهم، وأن يدفع عنهم عدوهم، وأن يحفظهم، وأن يصون دماءهم وأموالهم إلى آخر ذلك. إذا كان مثلًا وباء ومرض، فيدعى لهم أن الله يشفيهم ويعافيهم ويرفع عنهم هذا البلاء وهذا الوباء. وهكذا على حسب النازلة. فإن رفعت فيوقف الدعاء، يوقف الدعاء. وإن استمرت يعني فترة طويلة، يدعى لهم فترة ثم يوقف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما استمر في دعاء النازلة على جهة الاستمرار، إنما دعا فترة ثم ترك عليه الصلاة والسلام. وهكذا يدعى لهم فترة من الزمن، ثم ثم يترك الدعاء، ويدعى لهم بعد ذلك في ظهر الغيب، في ظهر الغيب، في السجود، في أوقات السحر، ونحو ذلك من أوقات الإجابة. وحدثنا محمد بن المثنى، هو موسى العنزي، قال: حدثنا معاذ بن هشام، وهو أبو عبد الله الدستوائي، قال: حدثنا أبي، وهو هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا هريرة يقول: «والله لأقربنكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم». فكان أبو هريرة يقنت في الظهر، والعشاء الآخرة، وصلاة الصبح، ويدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار. نعم، في هذا الحديث أبو هريرة رضي الله عنه قنت في الظهر، وفي العشاء صلاة العشاء، وفي صلاة الصبح، وأخبر أنه سيفعل ما رأى من النبي عليه الصلاة والسلام، فدل هذا على أنه يشرع أيضًا قنوت النوازل في هذه الصلوات. لا يلزم في قنوت النازلة القنوت في كل الصلوات، هذا جائز ومشروع أيضًا، يشرع القنوت في بعض الصلوات ك الظهر، والعشاء، والفجر، ك الظهر، والعشاء، والفجر، هذا أيضًا جائز. وسيأتي أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في الفجر والمغرب، قنت قنوت النازلة في الفجر والمغرب، وكل ذلك سنة ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقوله هنا: «يدعو للمؤمنين ويلعن الكفار»، لأن قنوت النازلة كما سمعتم يكون على حسب النازلة، فإن كان شيء يحتاج إلى دعاء للمؤمنين فيدعى لهم، ويدعى على الكفار، إن كان هناك تسلط منهم على أهل الإيمان، فيدعى عليهم أن الله ينتقم منهم ويكف شرهم على أهل الإسلام. اللهم صل على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.