الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 95، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يؤكد المقطع مشروعية القنوت في صلاتي الفجر والمغرب وسائر الصلوات عند نزول النوازل، مستدلاً بحديث البراء بن عازب. كما يبين صيغة القنوت النبوية الواردة في حديث خفاف بن إيماء والتي اشتملت على الدعاء على القبائل المعادية والدعاء للمؤمنين.
يستعرض المقطع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في قنوت النازلة على قبائل غدرت ودعاءه لغفار وأسلم، مبيناً استخدامه للجناس الاشتقاق مطابقة لأسماء القبائل. كما يشير إلى محبة النبي للفأل الحسن وكراهيته للطيرة في سياق الدعاء.
يذكر الشيخ تفاؤل النبي ﷺ بأسماء القبائل الدالة على المغفرة والسلامة وربط الاسم السيء بالمعصية، مستخلصاً من ذلك مشروعية قنوت النازلة. ويقرر جواز الدعاء للمسلمين والدعاء على الكافرين في هذا القنوت بحسب الحال.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، أبو موسى العنزي، الملقب بالزمن، قال: وابن بشار، وهو محمد بن بشار، الملقب ببندار، أي: واسع المِرّ. قال: حدثنا محمد بن جعفر، الملقب بغندر. قال: حدثنا شعبة، وهو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، عن عمر بن مرة، وهو أبو عبد الله الكوفي الأعمى، ثقة، عابد، وكان مُدَلِّسًا، ورمي بالإرجاء، كما قال الحافظ رحمه الله. قال: سمعتُ، سمعتُ ابن أبي ليلى، وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو عيسى، ثقة، أبو عيسى، ثقة، لكن اختلف في سماعه من عمر رضي الله عنه. قال: حدثنا، قال: حدثنا البراء بن عازب، هو الأنصاري، شهد مع النبي عليه الصلاة والسلام أحدًا، واستصغر يوم بدر. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الصبح والمغرب. قال: حدثنا ابن نمير، وهو محمد بن عبد الله بن نمير، ثقة، حافظ. قال: حدثنا أبي، وهو عبد الله بن نمير. قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الحافظ الإمام، قال فيه الحافظ رحمه الله: ثقة، حافظ، فقيه، عابد، إمام، حجة. قال: عن عمر بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفجر والمغرب. هذا الحديث فيه مشروعية قنوت النوازل في صلاتي الفجر والمغرب. مرّ معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في النوازل في الصلوات كلها، وربما قنت في الفجر والظهر والعشاء، وفي حديث البراء أنه قنت عليه الصلاة والسلام في الفجر والمغرب، وكل ذلك سنة، يجوز هذا أو هذا أو هذا. وفي حديث أنس أنه قنت شهرًا في صلاة الصبح، وهذا يحتمل أنه قنت في الفجر قنوت النازل أيضًا وحده، وكل هذا جائز: أن يقنت في الصلوات كلها، أو في بعض الصلوات كالفجر والمغرب، أو كذلك في الفجر والظهر والعشاء، أو يقنت في الفجر، فكل ذلك جائز. قال: وحدثني أبو الطاهر، أحمد بن عمر بن السرح المصري. قال: حدثنا ابن وهب، وعبد الله بن وهب المصري. قال: عن الليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث الفهمي المصري، عن عمران بن أبي أنس، عن حنظلة بن علي، عن قفاف بن إيماء الغفاري، وهو صحابي، كان إمام بني غفار، وشهد الحديبية مع النبي عليه الصلاة والسلام. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: «اللهم، اللهم، العن بني لحيان، ورعلا، وذكوان، وعصية، عصوا الله ورسوله، غفار، غفر الله لها، وأسلم، سالمها الله». قال: حدثنا يحيى بن أيوب، وهو زكريا البغدادي، قال: وقتيبة، ومن حجر. قال: من أيوب، حدثنا إسماعيل، أو من جعفر، قال: أخبرني محمد، من عمر، عن خالد، من عبد الله، من حرملة، عن الحارث، من خفاف، أنه قال: قال خفاف بن إيماء: ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رفع رأسه، فقال: «غفار، غفر الله لها، وأسلم، سالمها الله، وعصية، عصت الله ورسوله، اللهم، العن بني لحيان، ورعلا، وذكوان»، ثم وقع ساجدًا. قال خفاف: فجعلت لعنة الكفار من أجل ذلك. قال: حدثنا يحيى بن أيوب، قال: حدثنا إسماعيل، قال: وأخبرني عبد الرحمن، من حرملة، عن حنظلة بن علي، من الأسقع، عن خفاف بن إيماء، بمثله، إلا أنه لم يقل: فجعلت لعنة الكفار من أجل ذلك. هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام قنت في الصلاة، أي: قنوت النازلة، فهو كما ترون في هذا الحديث دعا على قوم، ودعا لقوم، كما قال رضي الله عنه: النبي صلى الله عليه وسلم لا يقنت في الصلاة إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم. هذا هو قنوت النازلة. فهنا دعا النبي عليه الصلاة والسلام على بني لحيان، ورعل، وذكوان، وعصية، ودعا لغفار وأسلم: «غفار، غفر الله لها، وأسلم، سالمها الله». ففيه جواز، أو مشروعية قنوت النازلة، كما مرّ معنا، وكذلك مشروعية الدعاء على الكافرين بالهلاك والعذاب، كما دعا النبي عليه الصلاة والسلام على بني لحيان، ورعل، وذكوان، وعصية، وكذلك أيضًا جواز الدعاء للمؤمنين بالمغفرة والرحمة والعافية والسلامة، إذا نزلت بالمسلمين النازلة، وأصابتهم مصيبة، فيدعى لهم بحسب تلك النازلة. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «عصية، عصوا الله ورسوله، وغفار، غفر الله لها، وأسلم، سالمها الله»، هذا يسميه العلماء من جناس الاشتقاق، من جناس الاشتقاق، يعني: أن يُشتق من الاسم ما يناسبه من الدعاء. فعصية: كون هذه القبيلة تنسب إلى رجل يقال له عصية، وقد عصوا، عصوا الله ورسوله، وغدروا بالعهد الذي بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام، فقتلوا أولئك السبعين من القراء في بئر معونة، دعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام من جنس اسمهم، فقال: «وعصية، عصوا الله ورسوله». وغفار وأسلم: كونهما بادرتا بالإسلام، دعا لهما من جنس اسم هذه القبيلة بما يناسب، فغفار: قال: «غفر الله لها»، وأسلم: «سالمها الله». وقالوا: إن أسلم أسلمت من غير قتال، أسلمت سلمًا من غير قتال، فلهذا دعا لها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «أسلم، سالمها الله». وهكذا يقال مثلًا: من اسمه علي: «أعلاك الله»، ومن اسمه صالح: «أصلحك الله»، وأحمد مثلًا: «أحمد الله عاقبتك»، ونحو ذلك. هذا يسمى جناس الاشتقاق، وهو أيضًا فيه معنى التفاؤل. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب الفأل، كان يكره الطيرة، ويحب الفأل، الفأل: الكلمة الطيبة، الكلمة الطيبة التي تدخل على الإنسان السرور. نعم، كمن يعني يبحث عن شيء فيقال له: «يا واجد»، فيتفائل بأن يجد هذا الشيء الذي يبحث عنه. وهكذا من لُدغ مثلًا فيقال له: «يا سالم»، دعا له بالسلامة، فيتفائل. فالفأل الحسن يعني: من الكلام الطيب الذي كان يحبه النبي عليه الصلاة والسلام. ومن هذا أيضًا قوله: «غفار، غفر الله لها، وأسلم، سالمها الله»، يعني: كون هذه القبائل تسمى بهذه الأسماء التي فيها من معاني المغفرة والسلامة، فيتفائل فيها خيرًا، يتفائل فيها خيرًا. وانظروا إلى عصية: لما سميت بهذا الاسم، وقعت منها المعصية، وحصل منها ما هو من جنس اسمها. نعم، فالفأل الحسن مما كان يحبه عليه الصلاة والسلام. فالشاهد من هذه الأحاديث: مشروعية قنوت النازلة، والدعاء للمسلمين، والدعاء على الكافرين. طيب، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. ترجمة: نانسي قنوت.