الدرس في كتاب الصيام 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع حديث عائشة وجابر رضي الله عنهما عن اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهراً ودخوله عليهن في تسع وعشرين ليلة، مع بيان أن الشهر تسع وعشرون. كما يناقش رجال الإسناد وتصحيح عنعنة أبي الزبير عند رواية الليث بن سعد عنه، ويذكر اختلاف الروايات في عدد الليالي.
يروي المقطع أحاديث عن اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهراً إثر حلفه (إيلاء) بسبب كثرة مطالبهن بالنفقة، ثم دخوله عليهن بعد تسعة وعشرين يوماً مبيناً أن الشهر يكون تسعاً وعشرين. وتضمنت الروايات تفصيل حال أم سلمة رضي الله عنها ووصفها بالفضل والجمال، مع ذكر أسانيد متعددة متفقة على المعنى.
يشرح المقطع حكم الإيلاء إذا حلف الزوج بعدم وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر، فيُوقف أربعة أشهر ثم يُخير بين الفيئة أو الطلاق، أما إذا حلف بأقل من ذلك فلا شيء عليه إن صبر، وعليه كفارة يمين إن حنث. ويستدل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في اعتزال نسائه شهراً تبين أنه تسعة وعشرون يوماً، لتقرير أن الشهر القمري يكون تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً، ويُعتبر في حساب العبادات كنذر الصوم وتحديد دخول رمضان.
يُذكر أن الشهر قد يتم ثلاثين يوماً، وفي هذه الحالة يكون اليوم التالي هو أول أيام رمضان. ثم يُختتم الحديث بالصلاة على النبي وآله وصحبه، مع الإشارة إلى ترجمة نانسي قنقر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري رحمه الله في صحيحه في كتاب الصيام: حدثنا عبد بن حميد، وهو ابن نصر أبو محمد الكسي، ثقة حافظ وصاحب المنتخب. قال: أخبرنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني أبو بكر صاحب المصنف. قال: أخبرنا معمر، وهو ابن راشد نزيل اليمن، عن الزهري، وهو محمد بن مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهراً. قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة أعدهن، دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: بدأ بي، فقلت: يا رسول الله، إنك أقسمت ألا تدخل علينا شهراً، وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن. فقال: «إن الشهر تسع وعشرون». وحدثنا محمد بن رمح، وهو ابن المهاجر أبو عبد الله القيسي، وهو ثقة ثبت كما قال الحافظ. قال: أخبرنا الليث، وهو ابن سعد أبو الحارث الفهمي المصري. وحدثنا قتيبة بن سعيد، وهو قتيبة بن سعيد بن طريف بن جميل أبو رجاء البغلاني، قال: واللفظ له. قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد، عن أبي الزبير، وهو محمد بن تدرس، نعم، وهو صدوق إلا أنه مدلس. قال: عن جابر. هنا روى بالعنعنة، ومع ذلك ذكر مسلم رحمه الله حديثه هنا في الصحيح، فما هو الجواب؟ مطلقة، أو هناك شيء آخر؟ لا، في شيء آخر. ها، ها، صرح عن جابر. هنا روى بالعنعنة. ها، أيوة. وإذا روى الليث قبله تحمل على السماع. نعم، إذا روى عنه الليث بن سعد فعنعنته مقبولة. فعنعنة أبي الزبير مقبولة؛ لأن الليث سأل أبا الزبير عن حديثه الذي سمعه من جابر فأخبره به. فإذا روى عنه الليث قبلت عنعنة أبي الزبير، فيكون هذا الحديث مما سمعه أبو الزبير من جابر رضي الله عنه. قال: عن جابر رضي الله عنهما. ها، أبو الزبير ما أخرج له البخاري، وإنما أخرج له مسلم. قال: عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه، هو عبد جابر بن عبد الله بن حرام، أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتزل نساءه شهراً، فخرج إلينا في تسع وعشرين. فقلنا: إنما اليوم تسع وعشرون. فقال: «إنما الشهر تسع وعشرون»، وصفق بيديه ثلاث مرات، وحبس إصبعاً واحدة في الآخرة، يعني أطلق يده مع أصابعه ثلاث مرات، وفي الثالثة حبس الإبهام، يعني تسعة وعشرين. وحدثني هارون بن عبد الله، وهو البغدادي أبو موسى الحمال. قال: وحجاج بن الشاعر، وابن يوسف الثقفي. قال: حدثنا حجاج بن محمد، وهو المصيصي. قال: قال ابن جريج، وهو عبد الملك بن جريج، ثقة إلا أنه مدلس. قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهراً، فخرج إلينا صباح تسع وعشرين. فقال بعض القوم: يا رسول الله، إنما أصبحنا لتسع وعشرين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشهر يكون تسعاً وعشرين». ثم طبق النبي صلى الله عليه وسلم بيديه ثلاثاً، مرتين بأصابع يديه كلها، والثالثة بتسع منها. وحدثني هارون بن عبد الله، قال: حدثنا حجاج بن محمد، قال: ابن جريج، أخبرني يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي، وهو المخزومي القرشي، أن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث، وهو أبو عبد الله القرشي، وكلاهما ثقة، قال: أخبره أن أم سلمة رضي الله عنها، وهي هند بنت أبي أمية المخزومية القرشية رضي الله تعالى عنها، وهي أم المؤمنين، إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت زوجها أبي سلمة بن عبد الأسد، وبنى بها عليه الصلاة والسلام في سنة ثلاث من الهجرة، وهي آخر من مات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، عاشت تسعين سنة أو أكثر، وماتت بعد مقتل الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما بزمن يسير، في بضع وستين من الهجرة. قال: وكانت رضي الله عنها من النساء الفاضلات ذوات الجمال. قالت: أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف أن لا يدخل على بعض أهله شهراً، فلما مضى تسعة وعشرون يوماً غدا عليهم أو راح، فقيل له: حلفت يا نبي الله ألا تدخل علينا شهراً. قال: «إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً». وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن راهويه. قال: أخبرنا روح، من قاسم. حا. وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا الضحاك، يعني أبا عاصم، جميعاً عن ابن جريج بهذا الإسناد مثله. فهذه الأحاديث فيها إخبار هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم بأن النبي عليه الصلاة والسلام اعتزل نساءه شهراً، وذلك أنه آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه شهراً، حلف أنه ما يدخل عليهم، حلف عليه الصلاة والسلام أنه لا يقرب نساءه شهراً، وذلك لما أكثرن عليه عليه الصلاة والسلام من النفقة وسؤال ذلك، كما جاء في البخاري من حديث أنس، فحلف النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يدخل عليهن شهراً، فاعتزلهن، ثم دخل عليهن بعد مضي الشهر، وأمره الله جل وعلا أن يخير نساءه، فاخترنه كلهن رضي الله تعالى عنهن. فالشاهد: النبي صلى الله عليه وسلم لما مضت مضى الشهر. والإيلاء: أن يحلف الرجل أنه لا يقرب امرأته، أنه لا يقرب امرأته. نعم، فإذا حلف أن لا يقربها أكثر من أربعة أشهر، هذا يوقف أربعة أشهر، يوقف أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر يقال له: تعال، إما أن ترجع إلى مرتك وتأتيها وتجامعها، وإما أن تطلق، لقول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. إذا رجع عند الأربعة أشهر وأتى أهله، يكفر كفارة يمين، والله غفور رحيم. وإن أبى وأصر إلا أن يستمر في حلفه وأن يمتنع من إتيان أهله، فإنه يؤمر بالطلاق، يؤمر بالطلاق، يؤمره الحاكم أن يطلق. فإذا حلف أقل من أربعة أشهر، إذا حلف أن لا يقرب نساءه شهراً أو شهرين أو ثلاثاً، فهذا إذا امتنع أن يأتيهن في هذه الفترة حتى مضت، فليس عليه شيء. وإن أتاهن قبل مضي أو إكمال هذه المدة، فعليه كفارة يمين. فالنبي صلى الله عليه وسلم اعتزل نساءه شهراً، مضى هذا الشهر، فخرج إليهن عليه الصلاة والسلام، وكان هذا الشهر الذي اعتزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم نساءه خرج تسعة وعشرين يوماً، خرج هذا الشهر تسعة وعشرين يوماً. فلما دخل عليهم، يعني تعجبنا، قلنا: أنت أقسمت أنك لا تدخل علينا شهراً، ولم يمضي يعني من أيام هذا الشهر إلا تسعة وعشرين يوماً. فبين لهن النبي عليه الصلاة والسلام أن الشهر يكون تسعة وعشرين، أي أن الشهر قد يكون ثلاثين يوماً، وقد يكون تسعة وعشرين يوماً، وكان هذا الشهر الذي حل فيه النبي عليه الصلاة والسلام تسعة وعشرين. فتبين من هذا أن الشهر كما مر معنا في الأحاديث الأخرى قد يخرج ثلاثين يوماً، وقد يخرج تسعة وعشرين يوماً، والمعتبر هو الشهر القمري. الشهر القمري هو الذي به يعني يعتده بدخول الأشهر وتراقب به الأهلة. طيب، فهذا الشهر القمري قد يخرج ثلاثين يوماً، وقد يخرج تسعة وعشرين يوماً. فلو أن إنساناً عليه صيام شهرين مثلاً متتابعين، هو سيصوم بالشهر القمري، قد يخرج الشهر تسعة وعشرين، يكون قد أكمل شهراً. إذا خرج الشهر تسعة وعشرين، يكون قد أكمل هذا الشهر الذي عليه. وهكذا مثلاً لو نذر أن يصوم شهراً، فإنه سيصوم شهراً، فإذا خرج الشهر تسعة وعشرين، يكون بذلك قد أكمل وأتم هذا الشهر الذي حلف أن يصومه. وهكذا على حسب انتهاء الشهر وخروجه. والمراد بمراد الإمام مسلم من ذكر هذا الحديث في هذا الموضع: أن الشهر قد يخرج تسعة وعشرين يوماً، قد ينتهي مثلاً شهر شعبان تسعة وعشرين يوماً، ويرى الهلال ليلة الثلاثين، فإذا رؤي صام حينئذ رمضان، ويكون اليوم الذي بعده هو أول أيام رمضان، ولا مانع من ذلك. وكذلك أيضاً قد يخرج ثلاثين يوماً، وحينئذ يكون اليوم الذي بعده هو أول أيام رمضان. طيب، إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. تفضلوا ترجمة نانسي قنقر.