الدرس في كتاب الصيام 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع مثال عمر بن مرة الأعمى الذي أصبح من حفاظ الحديث رغم فقده البصر، مبينًا أن العاهات لم تمنع السلف من طلب العلم. ويخاطب طالب العلم الصحيح الجسم بأن عليه همة ونشاطًا أكبر في التحصيل، امتنانًا بنعم الله عليه من بصر وسمع وقوة.
يحث المقطع طالب العلم على اغتنام فرصة الفراغ والمكان المهيأ للتحصيل، محذراً من تضييع العمر في التنقل بين الدروس والمراكز والكلام الفارغ. ويضرب المثل بالإمام محمد بن عبد الباقي والإمام البخاري اللذين بلغا مراتب عالية في العلم بفضل حفظهما للوقت، وقلة كلامهما، وإعراضهما عن مشاغل الدنيا.
يروي المقطع حديث أبي البختري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الهلال إذا رؤي فهو للليلة التي رؤي فيها سواء كان كبيراً أو صغيراً، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله مده للرؤية فهو لليلة رأيتموه». وإذا لم يُرَ الهلال ليلة الثلاثين وجب إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً.
يوضح المقطع أن العبرة في دخول الشهر برؤية الهلال ليلة الرؤية بغض النظر عن كبره أو صغره، مستدلاً بتبويب الإمام النووي. ويؤكد أنه إذا غم الهلال ولم يُرَ فيُكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام ابن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه في ذكر أحاديث الصيام: قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن فضيل، وهو ابن غزوان، الضبي، أبو عبد الرحمن الكوفي، الصدوق، لكنه رمي بالتشيع. قال: عن حسين، وهو ابن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل الكوفي، ثقة، عاش 93 سنة كما ذكر الإمام الذهبي رحمه الله، إلا أنه تغير حفظه في آخر عمره، وأشار لذلك الحافظ رحمه الله في التقريب. قال: عن عمر بن مرة، عمر بن مرة هو أبو عبد الله المرادي الكوفي الأعمى، قال الإمام الذهبي: أحد الأعلام، كان ضريرًا، قال الحافظ ابن حجر: ثقة عابد، كان لا يدلس، رمي بالإرجاء. انظر إلى هؤلاء الأئمة، لم يثنهم ما قد ابتلاهم الله سبحانه وتعالى به من بعض العاهات كالعمى أن يطلب العلم، وأن يتفقه في دين الله، وأن يقبل على كتاب الله وعلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذا عمر أعمى، ومع ذلك فهو من حفاظ الحديث، ما منعه العمى أن يطلب العلم. فإذا أذهب الله سبحانه وتعالى بصره، فقد جعل له السمع الذي به يتلقى العلم ويصل إلى القلب والفؤاد. فهكذا أقبل على العلم حتى صار من أهل الحديث ومن حفاظ حديث النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يعطي طالب العلم همة ونشاطًا في تحصيل العلم، إذا كان أمثال هؤلاء الذين ابتلاهم الله سبحانه وتعالى بمثل هذه العاهات التي ربما من ابتلي بمثلها عزف عن طلب العلم وترك، ورأى أنه لا يصلح لطلب العلم. فكيف بمن كان صحيحًا قد عافاه الله من الأمراض والأسقام؟ فعنده البصر، وعنده السمع، وعنده القوة، وعنده الهمة، وعنده النشاط. فكيف يتكاسل ويتقاعس عن طلب العلم وتحصيله، وهو يستطيع أن يتلقى العلم سمعًا وكذلك أيضًا قراءة وبصرًا، بخلاف الأعمى؟ فالأعمى غالب تلقيه للعلم أو جل تلقيه للعلم عن طريق السماع، فيحتاج أن يسمع، أن يذهب إلى مجالس العلم ومجالس التحديث، ويسمع الحديث، وربما يكرر عليه، كان عنده شيء من الضعف في الحفظ، يكرر عليه قراءة الحديث حتى يحفظه في قلبه. بخلاف الذي يبصر ويستطيع أن يقرأ بنفسه، وأن يكرر الحديث عدة مرات حتى يحفظه. فالمقصود أن طالب العلم ينبغي أن تكون عنده همة عالية في تحصيل العلم، وفي حفظه ومراجعته وتدبره وتلقيه، وقد عفاه الله سبحانه وتعالى وسلمه من الأمراض والأسقام. فهذه نعمة عظيمة ينبغي أن يستغلها طالب العلم، مع وجود الفراغ والمكان المهيئ لطلب العلم وتحصيله، فلا ينبغي أن يفوت عليه مثل هذه الفرصة، فلا يضيع أوقاته في قيل وقال وأمور لا فائدة منها، يذهب عليه الوقت ويضيع عليه العمر من غير أن يحصل شيئًا من العلم، من غير أن يحصل حصة علمية. يعني ينبغي أن يتحصل في مثل هذا العمر الذي فرغه في طلب العلم. ومشتت العزائم ينفق عمره حيران، لا ظفر ولا إخفاق. لا تكون مشتت العزائم، تنتقل من درس إلى درس، ومن كتاب إلى كتاب، ومن مركز إلى مركز. هذا خطأ عند بعض طلبة العلم: يأتي مركزًا يجلس شهرًا شهرين، يقول: أريد المركز الفلاني، ثم ينتقل إلى المركز الفلاني يجلس شهرًا شهرين ثلاثة أشهر، ثم ينتقل إلى مركز آخر، وهكذا يضيع عمره بالتنقلات، يدخل يدرس نصف الكتاب ثم يذهب ويسافر إلى مكان آخر. هذا ما يتحصل على العلم، ينفق عمره من غير أن يظفر بشيء من العلم. العلم يحتاج إلى صبر، وإلى استمرار ومداومة وتحمل، وبهذا بإذن الله تحصل الثمرة المطلوبة، مع استغلال الأوقات، استغلال الأوقات وعدم تضييعها بلعب وله وقيل وقال. الإمام محمد بن عبد الباقي، إمام في الفنون، قال عن نفسه: أنه حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وما من فنون العلم إلا وله فيه باع، إما أنه يعني أحاط به كله أو بعضه، إلا باب النحو فلم يفتح له فيه. ثم قال: ولا أعلم أني أضعت ساعة من حياتي في لعب أو له. ما أعلم أني أضعت ساعة من حياتي في لعب أو له. يعني كان حريصًا على وقته حتى جمع هذه العلوم وألم بهذه الفنون. وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم، أن يشتغل بأمر نفسه، ويشتغل بالعلم بالحفظ والمذاكرة، يعني يترك ما عليه الناس من أمور الدنيا، ويشتغل بتحصيل العلم. وأكذا كان الإمام البخاري رحمه الله، كما يقول الحسين محمد سمرقندي: كان محمد إسماعيل البخاري رحمه الله مخصوصًا بثلاث خصال مع ما كان فيه من خصال الخير: كان قليل الكلام، وكان لا يطمع فيما في أيدي الناس، ولا يشتغل بأمور الناس. كان كل شغله في العلم. قليل الكلام، ما يتكلم إلا لحاجة، يعني يستغل وقته، لا يتكلم إلا بما فيه خير من مراجعة الحديث وحفظه، أو ذكر لله وقراءة قرآن. قليل الكلام، هذا لا يحصل إلا ممن كان حريصًا على وقته، حريصًا على وقته، فتجده في سائر أوقاته وهو في مذاكرة، في مراجعة، في حفظ، في مطالعة، في قراءة. هكذا يكون طالب العلم الحريص على وقته. لا يطمع فيما في أيدي الناس، يعني من مناصب ورئاسات وأمور دنيا، ولا يشتغل بأمور الناس بأمور دنياهم. كل شغلي في العلم، ولهذا صار إمامًا رحمه الله. قال: عن أبي البختري، وهو سعيد بن فيروز، وهو ثقة ثبت، فيه تشيع قليل، وهو كثير الإرسال، كثير الإرسال، فأرسل عن كثير من الصحابة لم يسمع منهم، كأبي سعيد وأبي ذر وزيد بن ثابت ورافع بن خديج وعائشة رضي الله تعالى عنهم. وكان رحمه الله ممن خرج مع ابن الأشعث لما خرجوا على الحجاج بن يوسف الثقفي، وقتل رحمه الله في تلك الوقعة، وقعة الجماجم. قال: خرجنا للعمرة، فلما نزلنا ببطن نخلة، وهو موضع يعني قريب من مكة نحو مسيرة ليلة، وهو الموضع الذي لقي فيه النبي عليه الصلاة والسلام الجن ليلة الجن. قال: ترى أين الهلال؟ فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، يعني أن هذا الهلال هو ليلة الثالثة. وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، يعني لليلة الثانية. قال: فلقينا ابن عباس، فقلنا: إنا رأينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين. فقال: أي ليلة رأيتموه؟ فقلنا: ليلة كذا وكذا. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله مده للرؤية فهو لليلة رأيتموه». وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، ما اسم غندر؟ محمد بن جعفر، وغندر لقبه. عن شعبة. وابن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث. وحدثنا ابن المثنى، وهو محمد بن المثنى، أبو موسى العنزي، الملقب الزمن، يعني المريض كان به مرض مزمن ثم شفاه الله وعافاه منه. قال: وابن بشار، وهو محمد بن بشار، الملقب بمندار، يعني كثير العلم. قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرنا شعبة، عن عمر بن مرة، قال: سمعت أبا البختري، قال: أهللنا رمضان ونحن بذات عرق، وذات عرق موضع ميقات أهل العراق، وهو بعد موضع بطن نخلة. قال: فأرسلنا إلى ابن عباس رضي الله عنهما فسأله، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أمده لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة». هذا الحديث فيه أن الهلال ذا رؤية فهو للليلة التي رؤية فيها الهلال. إذا رؤية الهلال في ليلة، فيكون هو لليوم الذي بعده، لليوم الذي بعده، سواء كان هذا الهلال كبيرًا أو صغيرًا، لا عبرة بكبر الهلال ولا بصغره، لا عبرة بكبر الهلال ولا بصغره، العبرة بالرؤية. إذا رؤية فهو للليلة التي بعدها. إن الله مده للرؤية فهو لليلة رأيتموه، يعني يكون هذا الهلال للليلة التي رؤية فيها الهلال، سواء كان كبيرًا أو كان صغيرًا. فإن لم يرَ فالعبرة بإكمال العدة. إن الله قد أمده لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة. إذا لم يرى الهلال ليلة الثلاثين، فهنا نكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا، ويكون اليوم الذي بعده هو أول أيام رمضان. فإن رؤية، ولو كان كبيرًا، فهو لليلة رؤية فيها الهلال. إذا رؤية الهلال في الليل فهو لليلة، للليلة التي رؤية فيها الهلال، فالاعتبار ليس بكبر الهلال ولا بصغره. هذا هو ما يدل عليه هذا الحديث. لهذا بَوَّبَ الإمام النووي رحمه الله على هذا الحديث: بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره، وأن الله تعالى أمده للرؤية، فإن غم فليكمل ثلاثون. نعم، إذا رؤية الهلال فهو ليلة رؤية فيها، فإن لم يرَ فإنه يكمل عدة شعبان ثلاثين. صلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.