الآداب التي يكتسبها العبد من الصيام 3

الدرس في الآداب التي يكتسبها العبد من الصيام 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في آداب الصيام وتزكية النفس

الصيام مدرسة لتربية النفس وتزكيتها، ويكتسب منه المؤمن تقوى الله عز وجل. الصوم جنة ووقاية من عذاب الله والنار والمعاصي.

أهمية الصوم في كبح الشهوات وطاعة النفس

الصوم يحمي العبد من الذنوب والشهوات التي تغضب الله، والجنة محفوفة بالمكاره والنار محفوفة بالشهوات. تزكية النفس وطاعة الله عز وجل هي سبيل الفلاح.

تتمة الكلام عن تزكية النفس في الصيام

الصيام ليس فقط الامتناع عن الطعام والشراب، بل يتعداه إلى تزكية النفس وترك المحرمات. يجب على الصائم أن يجاهد نفسه على تقوى الله وأن يتجنب المعاصي والجهل.

أهمية الاستغفار والتوبة في رمضان

يُنصح بالاستغفار والتوبة دائمًا حتى من الذنوب غير المعروفة، مما يساعد على تطهير النفس. هذا الفعل يُعد من الأمور المهمة التي تُذكر وتُنصح بها للتقرب من الله عز وجل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فمن الآداب التي يكتسبها الصائم من الصيام، وكذلك أيضًا ينبغي أن يجعل نفسه تتأدب بهذا الأدب العظيم، ألا وهو تزكية النفس بهذه الآداب العظيمة، كالإخلاص والتقوى، والإنابة إلى الله، وكذلك أيضًا غيرها من الآداب النفسانية. فالصيام مدرسة في تربية النفس، ولهذا من أعظم ما يكتسبه الإنسان من هذا الصيام تقوى الله جل وعلا، وهي من الآداب النفسانية العظيمة التي تزكى بها النفس. فقال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، فهو تزكية لنفس المؤمن حتى يتقي الله عز وجل. وقد ذكرنا من قبل أن التقوى تأتي من أين، وكذلك أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء عنه في البخاري ومسلم حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الصوم جنة»، الصوم جنة، فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم. فانظر إلى هذا الحديث العظيم، بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أولًا أن الصوم جنة، والمراد جنة أي وقاية يتقي بها العبد من عذاب الله جل وعلا، وكذلك يتقي بها العبد أيضًا من الذنوب والمعاصي. ولهذا جاء في حديث جابر عند أحمد، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصوم جنة يستجن بها أحدكم من النار». وجاء في لفظ: «الصوم جنة كجنة أحدكم من القتال»، جنة ترس الذي يتقي به السهام ويتقي به السيوف، معنى ذلك أن العرب كانت تفعل ذلك في حروبها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصوم جنة»، الصوم جنة كجنة أحدكم من القتال، فهذا الصوم يستجن به العبد، يتقي به العبد عذاب النار، ويتقي به العبد ما يوصل إلى النار. ويتقي به العبد ما يوصل به إلى النار، استجن بها من النار، أي يكون له وقاية من هذه المعاصي والشهوات والملذات التي تغضب الله جل وعلا. فلهذا جاء أيضًا في الصحيحين من حديث علقمة، وجاء من حديث الأسود وغيرهما من أصحاب عبد الله بن مسعود، قال علقمة: كنت واقفًا عند عبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان، فقال عثمان: يا أبا عبد الرحمن، أنزوجك فيحتاج إلى شابة تتزوجها؟ قال: إن كان لأحد، فإني أريدها لعلقمة. وكما قال وضي الله عنه: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». والوجاء كاسر لهذه الشهوة ورادع لها. فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث ذكر أن من لم يستطع الزواج فعليه بالصوم، لماذا؟ لأن الصوم يردعه عن هذه الشهوة التي جعلها الله عز وجل وجبلها الله عز وجل في الإنسان امتحانًا واختبارًا له. فالمؤمن الذي يراقب الله ويخشى الله سبحانه وتعالى ويتقيه يبتعد عما حرم الله، وإن كانت نفسه تشتهي هذه الأمور. لكن كما هو معلوم أن الجنة حفت بالشهوات، وأن النار حفت بالمكاره. حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. فمن أراد طريق الشهوات فهي توصله إلى النار، ومن سلك طريق المكاره التي تكرهها النفس والتي شرعها الله عز وجل، لكن النفس تكرهها، مثل الصوم، وكذلك ترك المعاصي، وقبح هذه الشهوات المحرمة. وهذا كله مما لا تحبه النفس ولا تشتهيه، لكن العبد ينبغي أن يلزم نفسه. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾. إن أراد الجنة فإنه يخاف أولًا أن يكون عنده خوف من ربه جل وعلا، والأمر الثاني أنه ينهى هذه النفس عما تشتهيه. فلهذا فإن ربنا جل وعلا أقسم بإحدى عشر قسمًا من أجل أن يبين أن هذه النفس لابد أن يزكيها العبد. كما في قوله جل وعلا: ﴿والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها إلى أن قال جل وعلا ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾. ثم قال جل وعلا: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾. وهذا كله يبين لنا أن النفس لابد أن تربى على طاعة الله جل وعلا، وعلى أيضًا عدم إعطائها ما تهوى، عدم إعطائها ما تهوى. فإن اللسان إذا أعطى نفسه هواها، فإنها تقود به إلى النار، لأن طريق النار هي طريق الشهوات. وأما عدم إعطاء النفس هواها هو طريق الجنة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الحديث. ولهذا جاء في حديث أبي هريرة أيضًا، لما النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل لجبريل لما خلق الجنة، قال له: اذهب فانظر إليها، قال: فنظر إليها، فقال: والله يا رب لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفت بالمكاره، فقال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فنظر إليها، فقال: والله يا رب لقد خشيت أن لا يدخلها أحد». فلهذا المؤمن يجاهد نفسه على تقوى الله جل وعلا. والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين. فلهذا من الآداب العظيمة التي يؤدب بها هذا الصيام أنه يؤدب النفس ويزكيها. فصوم جنة، وكذلك أيضًا الصيام كاسر للشهوة، فعليه بالصوم فإنه له وجاء. وكذلك أيضًا مما ينبغي أن يحرص على تكملة هذا الباب، الصيام يعتبر من الأمور التي تساعده على تزكية نفسه. وكذلك أيضًا يجب على الصائم أن يزكي نفسه، فإنه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، وجاء في رواية: ولا يفسق، والفسق هو المعاصي، ولا يجهل، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم». لا يجهل، معنى لا يعتدي على الناس إما بالضرب وإما بالشتم وإما بغيره، فهذا كله من الجهل الذي لا ينبغي للصائم أن يتخلق به. فهذا كله يدل على هذا. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصائمين، قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». فهذا يدلنا على أن الصيام لا بد فيه من تزكية النفس، وإلا فإن الصائم لا يستفيد من صيامه. ومعنى لا يستفيد أي لا يؤجر على صيامه. وكما قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: ليس الصوم ترك الطعام والشراب والشهوة فقط، وإنما الصوم ترك ما يغضب الله وما يحرم على العبد. فالصوم أيضًا حقيقة الصوم هو ترك المفطرات، وكذلك ترك المحرمات. فهذا هو حقيقة الصوم الذي أراده الله عز وجل. ولا شك أن الإنسان لا يستطيع أن يترك كل المحرمات، لكن كما قال الله عز وجل: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. وإن وقع في الحرام استغفر الله. وكما قلنا قبل في الدرس الذي مضى، فإنه يعود نفسه على التوبة والاستغفار فيما علم وفيما لم يعلم. وهذا أيضًا يقوده إلى تزكية نفسه. فإذا فعل شيئًا أو لم يفعل، لكن أحيانًا كما قلنا يكون هناك ذنب لا يعلمه، فيستغفر الله عز وجل ويتوب إلى الله في كل وقت وحين. وهذا يساعده على تزكية نفسه مما يشوبها. فهذا إن شاء الله شيء مما يذكر، فنسأل الله عز وجل التوفيق والعون والسداد. والحمد لله رب العالمين.