كتاب الصيام 39

كتاب الصيام 39

الدرس في كتاب الصيام 39، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

دراسة أسانيد أحاديث ختم القرآن والاعتدال في العبادة

يستعرض المقطع أسانيد حديثين نبويين حول قراءة القرآن في شهر والنهي عن الإفراط في قيام الليل، مع تفنيد أحوال الرواة وبيان درجاتهم. ويؤكد على مبدأ الاعتدال في العبادة والاستمرار على القليل الدائم.

الاقتصاد في العبادة والمداومة عليها

يحث النص على الاعتدال في العبادة وتجنب الإفراط الذي يؤدي إلى الملل والانقطاع، مستشهداً بنهي النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو. ويوجه إلى صيام داود عليه السلام (يوم ويفطر يوم) كنموذج للاقتصاد والاستمرار.

حكم صيام الدهر وتأويل حديث «لا صام من صام الأبد»

يناقش المقطع حديث «لا صام من صام الأبد» واختلاف العلماء في دلالته بين التحريم والكراهة مع شروط. ويخلص إلى أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الاقتصاد والمداومة، وأن صيام داود هو أكمل الصيام.

الخاتمة والصلاة على النبي

يختتم المتحدث المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين. معلناً انتهاء الحديث أو الدرس.

  • 10 جمادى الأولى 1444هـ - 03/12/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أسلم بن الحجاج، أبو الحسين، النيسابوري، القشيري، رحمه الله، في صحيحه: قال: حدثني القاسم بن زكريا، وهو أبو محمد القرشي، وهم بن دينار، هو ثقة. قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، وهو أيضا أبو محمد الكوفي، هو ثقة، إلا أنه كان يتشيع. قال الإمام الذهبي، رحمه الله، الحافظ، أحد الأعلام: على تشيعه، على تشيعه وبدعته، على تشيعه وبدعته، فكان غاليا في التشيع، في تفضيل علي، رضي الله عنه، على أبي بكر وعمر، حتى إن بعض أهل الحديث ترك الرواية عنه، لكنه كان حافظا، ولهذا روى عنه أهل العلم وقبلوا منه الحديث. قال: عن شيبان، وهو أبو معاوية البصري، شيبان بن عبد الرحمن التميمي النحوي، وهو ثقة. قال: عن يحيى، وهو ابن أبي كثير البصري، عن محمد بن عبد الرحمن، وهو هذا محمد بن عبد الرحمن مجهول، قال فيه الحافظ: مجهول، مولى بني زهرة، لكن السند في الشواهد، والحديث كما مر معنا له طرق عديدة. قال: عن أبي سلمة، وهو عبد الرحمن بن قرشي، قال: وأحسبني قد سمعته أنا من أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، قال: قال لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: «اقرأ القرآن في كل شهر». قال: قلت: إني أجد قوة. قال: «فاقرأه في عشرين ليلة». قال: قلت: إني أجد قوة. قال: «فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك»، يعني في سبعة أيام. وحدثني أحمد بن يوسف الأزدي، وهو أبو الحسن النيسابوري، هو ثقة. قال: حدثنا عمر بن أبي سلمة، وهو التنيسي، أبو حفص الدمشقي، صدوق له أوهام. قال: أخبرنا الأوزاعي، وهو عبد الرحمن بن عمرو الشامي الدمشقي، إمام أهل الشام في زمانه، كان حافظا فقيها رأسا في السنة. قال: عن الأوزاعي قراءة، يُسمعنا قراءة، يُسمعنا قراءة... ها ها، يعني قرأ عليه عمر بن أبي سلمة، قرأ على الأوزاعي حديثه، يسمى ماذا عنده للحديث؟ إيش يسمى هذا من أنواع تحمل الحديث؟ ها، إيش يسمى؟ ها، ماذا يسمى من أنواع تحمل الحديث؟ لا، القراءة على الشيخ يسمى إيش؟ ها، يسمى عرض، ولا مناولة؟ ها، عرض، يسمى العرض، يعني يعرض عليه حديثه فيقرأه عليه، نعم، هذا يسمى العرض، أما الوجادة: أن يجد كتاب الشيخ فيحدث منه. نعم. قال: قراءة. قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن ابن الحكم بن ثوبان، وهو عمر بن الحكم، أبو حفص، ثقة. قال إمام الذهب، رحمه الله: لم يخرج له البخاري، إنما أخرج له مسلم. قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله، لا تكن بمثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل». وهذا الحديث أراد النبي، عليه الصلاة والسلام، من عبد الله، من عمرو، أن يقتصد في العبادة، أن يقتصد في العبادة، وأن يقتصر على العمل القليل الذي يستمر عليه ويداوم، ولا ينقطع عنه، أفضل من العمل الكثير الذي مما يؤدي بعد ذلك إلى تركه والانقطاع عنه، فهو يقول له: لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل، رغم كان من أسباب ذلك أنه شق على نفسه، وكلف نفسه في قيام الليل الشيء الكثير، حتى عجز بعد ذلك، أو أصابه الكسل، وأصابه الملل، فترك هذه العبادة والطاعة، فكأنه يقول له: انتبه أن تكون مثله، تشق على نفسك، وتقبل على العبادة بكلفة ومشقة، ثم بعد ذلك تترك وتنقطع، لا تكون كذلك، احرص على الاستمرار والمداومة، وإن كان العمل قليلا، وإن كان العمل قليلا، فعمل قليل وعبادة قليلة مع مداومة استمرار، خير من عمل كثير يعقبه الانقطاع، وكذلك الترك. نعم. قال: وحدثني محمد بن رافع، وهو النيسابوري القشيري، أحد الحفاظ الزهاد، وهو ثقة عابد، كما قال الحافظ، رحمه الله. قال: قال: حدثنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني. قال: أخبرنا ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ثقة، إلا أنه مدلس. قال: سمعت عطاء، وهو ابن أبي رباح القرشي، مولاهم المكي، كان، رحمه الله، عالما فصيحا فقيها، انتهى إليه الفتوى في مكة، هو ومجاهد، رحمهم الله، ومع ذلك كان، رحمه الله، ذميم الخلقة، كان أسود أفطس، كذلك يعني قصير الرقبة، ومع ذلك رفعه الله سبحانه وتعالى بالعلم، تذكر أنه مرة كان يدعو: «اللهم اعتق رقابنا من النار»، فقالت له امرأة: «وأي رقبة لك؟» ها، وأي رقبة لك؟ لأنه كان قصير رقبة، ما فقالت: «أي رقبة لك؟» نعم. ومع ذلك كما سمعتم رفعه الله سبحانه وتعالى بالعلم، حتى صار مفتي أهل مكة في الموسم، وكان ينادي: الخليفة في زمانه لا يفتي الناس في الحج إلا عطاء. قال: سمعت عطاء يزعم أن أبا العباس، وأبو العباس هذا هو السائب بن فروخ المكي الشاعر، وهو ثقة، قال: أخبره أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنه، ما يقول: بلغ النبي، صلى الله عليه وسلم، أني أصوم وأسرّد، وأصلي الليلة، فإما أرسل إلي، وإما لقيته، فقال: «ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي الليلة يعني كله؟ فلا تفعل، فإن لعينك حظا، ولنفسك حظا، ولأهلك حظا». انظروا نهي النبي، عليه الصلاة والسلام، على الاستمرار في العبادة على هذا الحال، أن يصوم النهار كل يوم، وأن يقوم الليل كل ليلة، وأمره، عليه الصلاة والسلام، أن يراعي ما عليه من حقوق على جسده، وعلى نفسه، وعلى أهله. قال: «فإن لعينك حظا»، يعني لها حظ من الراحة والنوم، وهكذا لنفسك حظا كذلك من الراحة، ولأهلك حظا من قضاء حوائجهم والنظر في أمورهم. قال: «فصم وأفطر، وصلي ونم، وصم من كل عشرة أيام يوما، ولك أجر تسعة»، يعني تأجر بصيام يوم أجر تسعة أيام، فكأنك صمت عشرة أيام، فأرشده النبي، عليه الصلاة والسلام، إلى الاقتصاد، الاقتصاد في العبادة، يصوم ويفطر، يقوم وينام، ويصلي وينام، ويصوم ويفطر، ويقوم وينام، ويصوم، يعني من الأيام الشيء القليل، في كل عشرة أيام يوما، فيكون قد صام في الشهر ثلاثة أيام. قال: «إني أجدني أقوى من ذلك، يا نبي الله». قال: «فصم صيام داود، عليه السلام». قال: «وكيف كان داود يصوم، يا نبي الله؟» قال: «كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى»، يعني لا يفر إذا لاقى العدو في الجهاد في سبيل الله، والمعنى أن كونه يصوم يوما ويفطر يوما، هذا لا يضعفه عما ينبغي أن يقوم به من بقية الحقوق، ومن ذلك ما يتعلق بالجهاد في سبيل الله، وملاقات الأعداء. قال: «ومالي بهذه، يا نبي الله؟» يعني بهذه الخصلة وهذه الصفة، ألا أفر إذا لاقيت العدو؟ هذه شديدة، هكذا يقول، رضي الله عنه. قال عطاء: فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد». قال: وحدثني محمد بن حاتم، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، بهذا الإسناد، وقال: إن أبا العباس الشاعر أخبره. قال مسلم: أبو العباس، السائب بن فروخ، من أهل مكة، ثقة عدل. وقوله، عليه الصلاة والسلام: «لا صام من صام الأبد»، استدل به من ذهب من أهل العلم إلى تحريم صيام الدهر، هو قول الظاهرية وجماعة من العلماء، هو ظاهر هذا الحديث، وما كان بمعناه من نهي النبي، عليه الصلاة والسلام، عن صيام الدهر: «لا صام من صام الأبد». ومعنى هذا الحديث، والله أعلم، على أحد تفاسيره: أن من صام الأبد لا يشعر بمشقة الصيام، لا يشعر بمشقة الصيام، فإذا صام الدهر والأيام كلها، يصبح الصوم عنده شيء معتاد، كحال المفطر، كحال المفطر، فلا يجد مشقة، ولا يجد تعبا في صيامه، فكأنه لم يصم، فكأنه لم يصم. نعم، هذا ذكر في تأويل هذا الحديث. وجمهور أهل العلم ذهبوا إلى جواز صيام الدهر مع الكراهة، إذا لم يصم أيام العيد، فحملوا هذا الحديث على هذا المحمل الذي ذكر. ومنهم من قال: إن هذا نهي لعبد الله بن عمرو على جهة الخصوص، وذكروا غير ذلك، لكن الله أعلم، ظاهر هذا الحديث هو النهي عن صيام الأبد: «لا صام من صام الأبد»، فيكون هذا نهي عن صيام الأبد، وصيام الدهر، فهو خبر يراد به النهي، فصيام الأبد على الصحيح أنه لا يجوز، أنه لا يجوز أن يصوم الإنسان الدهر كله، حتى ولو أفطر أيام العيد، يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق، فهذا الحديث، وما كان بمعناه من نهي النبي، عليه الصلاة والسلام، عن صيام الدهر، يدل على المنع من ذلك. وأما من ذهب من السلف، وذكر عنه أنه كان يصوم الدهر، فهذا يعني يحمل على أنه لم يرى التحريم، لم يرى التحريم، وإنما رأى الكراهة، ففعلوا ذلك، وإلا فالأقرب، الله أعلم، هو النهي عن صيام الدهر، والنبي، صلى الله عليه وسلم، أوصى عبد الله بن عمر بما هو أفضل، فلو كان صيام الدهر أفضل لأرشده إلى ذلك، ولما ذكر له أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأراد الزيادة فوصله إلى صيام داود، قال: «أطيق أفضل من ذلك»، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «لا أفضل من ذلك»، ولو كان صيام الدهر أفضل لقال له: صم الدهر، أو لم ينهه عنه ابتداء، لكن قال: «لا أفضل من ذلك»، إذن ما من صيام أفضل من صيام داود، وعلى هذا، فقوله، عليه الصلاة والسلام: «لا صام من صام الأبد»، يدل على أن صيام الأبد منهي عنه، يدل على أنه منهي عنه. وكان مما ذكرنا المقصود من هذا الحديث هو الاقتصاد في باب العبادة، وأن المسلم لا يشق على نفسه، ولا يكلف نفسه فوق طاقتها في باب العبادة والطاعة، حتى يصيبه بعد ذلك الكسل والخمول، والترك والانقطاع، بل يستمر على العبادة بعمل قليل وطاعة قليلة مع الاستمرار والمداومة، فهذا أحب إلى الله جل وعلا، مع مراعاة ما عليه من الحقوق الأخرى على نفسه، وعلى أهله، وعلى ولده، فيعطي كل ذي حق حقه. طيب، إلى هنا، صلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.