الدرس في كتاب الحج 27، ألقاها
يشرح هذا الفصل معنى التمتع بالعمرة إلى الحج وأدلته من السنة النبوية، حيث يستدل بشرح الإمام عبدالغني المقدسي لحديث أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي وحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما. يبين أن التمتع جائز ومشروع ولم ينسخ.
يتناول هذا الفصل تفاصيل حجة الوداع للنبي صلى الله عليه وسلم، ومسائل التمتع والقران في الحج، واستدل العلماء بهذه التفاصيل على أحكام الحج والعمرة.
يشرح هذا الفصل أحكام الهدي في الحج والعمرة، حيث يبين كيفية سوق الهدي وتقليده وإشعاره، ويشرح مشروعية التمتع بالعمرة إلى الحج. كما يستدل على جواز إرسال الهدي إلى مكة وذبحه هناك، ويوضح ما يفعل إذا عطب الهدي أو مرض أثناء الطريق.
يناقش هذا الفصل حكم الأكل من الهدي عند الإحرام، حيث يرى العلماء أن المحرم ينطلق ويترك هديه ليأكل منه غيره، معللين ذلك بأن الفقراء لا يأكلون معهم لنهي الحديث ولمنع التذرع لقتل أو نحر الهدي لإطعام الآخرين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب عمدة الأحكام في كتاب الحج منه: قال باب التمتع، ومعنى التمتع كما مر معناه التمتع بالعمرة إلى الحج، وذلك بأن يأتي الإنسان بسفرة واحدة بعمرة ثم يتحلل منها، ثم بعد ذلك إذا جاء يوم التروية يحرم بحج، فسمي هذا بحج التمتع لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فهو متمتع؛ لأنه بعد أن يقوم بالعمرة يتحلل تحللًا تامًا، ويبقى على حله إلى أن يحرم بالحج في أيام الحج، أي في يوم التروية. قوله رحمه الله تعالى: عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، وقد مر علينا أيضًا فيما مضى أن الأنساك ثلاثة: مفرد، وقارن، ومتمتع. المفرد: أن يفرد الحج بسفرة واحدة، والقارن: من أدخل العمرة مع الحج، والمتمتع: كما سمعتم، من تمتع بالعمرة إلى الحج، أتى بعمرة أولًا ثم تحلل منها ثم حج. والمحرمون أربعة: إما محرم بعمرة، أو محرم بعمرة وحج، وهذان على قسمين: إما متمتع، وإما قارن، والرابع المحرم بحج مفرد. فهؤلاء كلهم محرمون. والعمرة كما مر معنا، وكذا الحج العمرة واجبة على الصحيح، أنها مرة في العمر. وكلا الواجب، وكلا الحج واجب مرة في العمر. قال رحمه الله تعالى: عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، قال: سألته -ابن عباس- عن المتعة، فأمرني بها، وسألته عن الهدي، فقال: فيها جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم. قال: وكأن ناسًا كرهوها، فنمت فرأيت في المنام وكأن إنسانًا ينادي: حج مبرور ومتعة متقبلة، فأتيت ابن عباس رضي الله عنهما فحدثته، فقال: الله أكبر، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ذكر هذا الحديث، وكذلك حديث ابن عمر الذي يليه؛ لأجل أن يبرهن على أن المتعة جائزة ومشروعة، وأنها لم تنسخ، وأنها لم تنسخ، بل هي ما زالت مشروعة في كل زمان، الحمد لله جل وعلى. واستدل على ذلك بحديث ابن عباس هذا، وأن أبا جمرة سأل ابن عباس عن المتعة، وكون أبي جمرة يسأل عن المتعة يحتمل أمورًا؛ يحتمل أن يكون تحرج منها، تحرج من المتعة التي هي العمرة في أيام الحج، نظرًا لما كان عليه أهل الجاهلية من التحرج من ذلك. ويحتمل أن يكون تحرج من ذلك لما فشى عن جمع من السلف أنهم كانوا ينهون عن التمتع بالعمرة إلى الحج، كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في حديث عمران بن حسين. فلأجل هذا أو لذات أو معنى ثالث، وهو أنه أراد أن يسأل عن دينه، أراد أن يسأل عن حكم هذه المسألة، سؤالًا عن العلم، وسؤالًا عما يريد فعله من أعمال العبادات. وهذا هو الواجب. ومثل هذا السؤال يكون من باب السؤال الواجب، ومن باب العلم الواجب لمن جهل الحكمة الشرعية في هذه المسألة؛ لقول الله جل وعلا: ﴿فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قوله: فأمرني بها، أي أن ابن عباس أمره بالمتعة، أي بالتمتع بالعمرة إلى الحج. وابن عباس رضي الله عنهما كان مذهبه معروفًا مشهورًا، وقد مر معنا أن ابن عباس رضي الله عنه وطائفة كانوا يرون وجوب التمتع لمن لم يسق الهدي، أي أن من ساق الهدي فإنه يجب عليه أن يكون قارنًا، ومن لم يسق الهدي يوجب عليه التمتع. قال: فأمرني بها، وسألته عن الهدي، فقال: فيها جزور. والجزور معروف، وهو الإبل، الجمال. قال: ففيها جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم. فقوله: فأمرني بها، وسألته عن الهدي، أي وسألته عن الهدي المذكور في الآية، في قول الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فالله جل وعلا أخبر أن المتمتع يهدي. فهذا الرجل سأل ابن عباس: ما الهدي؟ أو ما يجزئ في الهدي؟ فقال ابن عباس: جزور، أو بقرة، أو شاة. البقرة معروفة، أو شاه. والشاة يدخل فيها الذكر والأنثى من المعز والضأن. وقوله: أو شرك في دم، معناه أن يشترك جماعة في جزور، أو في بقرة، ويفترض البعير عن السبعة، والبقرة عن السبعة؛ لما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله، قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحرنا الجزور عن سبعة، والبقرة عن سبعة. قال: وكأن ناسًا كرهوها، أي كرهوا المتعة في الحج. وذلك كما سمعتم؛ لأنه قد فشا بينهم أن بعض كبار الصحابة كانوا ينهون عن المتعة، عن التمتع بالحج. قال: فنمت فرأيت في المنام وكأن إنسانًا ينادي: حج مبرور ومتعة متقبلة. وهذا كما هو ظاهر فيها رؤية. وهذه الرؤية جاءت مصدقة ومقررة ومؤيدة لفتوى ابن عباس رضي الله عنهما. قال: فأتيت ابن عباس رضي الله عنهما فحدثته، أي حدثه بهذه أو بتلك الرؤية، فقال: الله أكبر. وهذا فيه أن الإنسان إذا جاءه الشيء الذي يعجبه، أو الشيء الذي فيه التعظيم، عظم الله جل وعلا بقوله: الله أكبر؛ كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخدم هذه العبارات في الأمر الذي يعجبه، صلوات الله وسلامه عليه. ثم قال: سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، أي أن هذه الرؤية رؤية حق؛ لأنها موافقة لسنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. وفي هذا دلالة واضحة على أن التمتع بالعمرة إلى الحج من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الإسلام. قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: «تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهل بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى، فساق الهدي من ذي الحليفة، ومنهم من لم يهد. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة، قال للناس: من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل، ثم ليهل بالحج، وليهد. فمن لم يجد هديا، فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله». قال: فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة، وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم، فانصرف. فأتى الصفا، فطاف بين الصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض، فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه. وفعل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى وساق الهدي من الناس. هذا الحديث من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فيه كما هو ظاهر: أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة. قال: وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج. وهذا الحديث وما شاكله مما جعل العلماء رحمهم الله تعالى يختلفون في هذه المسألة: هل حج رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنًا، أو حج متمتعًا، أو حج مفردًا؟ فذهب بعض أهل العلم إلى الأول، وبعضهم إلى الثاني، وبعضهم إلى الثالث، وكل استدل بدليله. قال رحمه الله تعالى: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج. قال العلماء رحمهم الله تعالى: والتمتع يطلق على التمتع المعروف، ويطلق كذلك التمتع على القارن؛ باعتبار أنه تمتع بالعمرة إلى الحج، أو أدخل العمرة على الحج، كذلك يقال فيه بأنه متمتع. بعضهم قالوا: القارن متمتع لغة؛ لأنه جمع بين العمرة والحج. قوله رحمه الله تعالى: وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، فيه أن القارن يسوق الهدي من الميقات، أو من قبل الميقات. معنى هذا: أن من أراد أن يحج قارنًا، فإنه لا بد له أن يسوق الهدي؛ يجب عليه أن يسوق الهدي. ومن لم يسق الهدي، فليتمتع. قوله: من ذي الحليفة، من الميقات. قال: وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل أولًا بالعمرة. قال: ثم أهل بالحج، أي ثم بعد ذلك أهل بالحج. أهل بالعمرة أولًا، ثم أهل بعد ذلك بالحج. قال: فتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهل بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى، فساق الهدي من ذي الحليفة، ومنهم من لم يهد. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة، قال للناس: من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه. هذا لمن ساق الهدي. ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل، ثم ليهل بالحج، وليهد. فمن لم يجد هديا، فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. قوله: فكان من الناس من أهدى، أي من ساق الهدي، فساق الهدي من ذي الحليفة، ومنهم من لم يهد، أي لم يسق الهدي. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة، قال للناس. وجاء في حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف وسعى، فلما كان في آخر شوط من المروة، قال للناس: أمر الناس بأن من كان قد ساق الهدي، فليبق على إحرامه، ومن لم يسق الهدي، فليطف بالبيت، وبصفا والمروة، ثم ليحلل، ثم ليحلل. وأوجب عليهم ذلك. قال: فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى بهذا أو بهذا الحديث، وبغيره؛ على أن من لم يسق الهدي، فإنه يجب عليه أن يتمتع بالعمرة إلى الحج، ومن ساق الهدي، فإنه يجب أن يبقى قارنًا؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم، لعموم قول الله جل وعلى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. يعني هذا: أن من ساق الهدي، فإنه يبقى على إحرامه حتى ينحر هديه يوم النحر. قوله: ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل. هذا فيه ذكر واجبات العمرة؛ ليقول النبي صلى الله عليه وسلم: فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل. وهذه الألفاظ كما ترون، الألفاظ أمر تدل على الوجوب؛ لأن الأصل في الأمر أنه يقتضي الوجوب. والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ركنا العمرة باتفاق، مع الإحرام، مع نية الإحرام. قال: ثم ليهل بالحج، وليهد. قوله: ثم، تدل على التراخي؛ تدل على أن بعد أن يحل من عمرته، يوقع حلالًا إلى أن يأتي وقت، أو يوم التروية، فإنه يحرم من جديد، يحرم بالحج، ويحرم من جديد. قال: وليهد، أي عليه الهدي، أي المتمتع. قال: فمن لم يجد هديا، أي أنه فقير، أو لا استطاعة له على أن يشتري الهدي؛ لأمر أو لآخر، لا يستطيع، غير قادر على شراء الهدي. قال: فليصم ثلاثة أيام. وقوله صلى الله عليه وسلم: فمن لم يجد، كما سمعتم، أي لم يجد سعة، وقدرة على شراء الهدي. وهذا فيه دلالة على أن القادر على شراء الهدي، فإنه يجب عليه أن يشتري هديا. فإن لم يستطع، فليصم. يقول الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَىٰ أَهْلِيكُمْ﴾. قال صلى الله عليه وسلم: فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. فقوله: فليصم ثلاثة أيام في الحج، أي في زمن الحج. مثلا تمتع، دخل في بداية ذي القعدة، أو في بداية شوال، أو في نصف شوال، أو في نصف ذي القعدة، أو في آخر ذي القعدة، تمتع بالعمرة. واضحة جماعة، بعد أن يتمتع بالعمرة، له أن يصوم؛ له أن يصوم، إذا لم يكن قادرًا على أن يشتري هديا؛ له أن يصوم ثلاثة أيام في هذه الفترة؛ لأنها في زمن الحج. قال: وسبعة إذا رجعتم، أي إذا رجع الإنسان إلى بلده. وها هنا أيضًا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى جملة من المسائل، نشير إلى بعضها إشارة لطيفة. قال رحمه الله تعالى: عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أنها قالت: «يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا من العمرة، ولم تحلل أنت من عمرتك؟» فقال: «إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر». قالت حفصة رضي الله عنها وأرضاها لما رأت الناس منهم من لم يسق الهدي، بعد أن طاف وسعى، قصر وحل له كل شيء. ورأت النبي صلى الله عليه وسلم على إحرامه، فقال صلى الله عليه وسلم: «إني لبدت رأسي»، ومعنى تلبية الرأس: أي تلبية الشعر، أن يجعل فيه شيء من صمغ عند الإحرام؛ لألا يشعث ويقمل، إبقاء على الشعر. قال رحمه الله تعالى: عن عمران بن حصين رضي الله عنه، أنه قال: «أنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنه حتى مات». قال رجل برأيه ما شاء. قال البخاري: قال: «إنه عمر». ولمسلم: قال: «نزلت آية المتعة -يعني متعة الحج- في قول الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات». قال: وله ما بمعناه. وحاصل ما تقدم: أن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: «أنزلت المتعة في كتاب الله»، أي آية التمتع بالعمرة إلى الحج. قال: «وفعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام حجة الوداع». وتعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي بعد حجة الوداع بأشهر، فيدل على أنها كانت آخر شيء، لم تنسخ، بل هي باقية على إحكامها. قال: «وفعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل قرآن يحرمه»، أي لم ينزل قرآن يحرم التمتع. قال: «ولم ينه عنه حتى مات»، أي ولم ينه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وهذا يدل على مشروعية التمتع بالعمرة إلى الحج، وأنه باق على مشروعيته. قال: فقال رجل برأيه ما شاء، أي أنه قالوا: بعض أهل العلم أنه يعرض بعمرو بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه؛ لأن عمرو بن الخطاب رضي الله عنه كان ينهى عن التمتع في أيام الحج، ينهى عن التمتع في أيام الحج. قال رحمه الله تعالى: «باب الهدي»، أي باب الهدي للحاج. والهدي: هو ما يسوقه الحاج، أو ما يهدي به الحاج من النسك. وقد جاء ومر معنا في حديث ابن عباس: أن الهدي إما أن يكون من الإبل، من البعير، أو من البقر، أو من الغنم، أو أن يكون شركًا؛ بأن يشترك السبعة في البقرة، أو السبعة في البعير الواحد. فهذه كلها هدي، تهدى، تنحر يوم النحر، تذبح يوم النحر؛ تقربًا إلى الله جل وعلا؛ لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «فتلت قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أشعرها وقلدها، أو قلدتها، ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له حلالًا». قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: فتلت قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أي أنها صنعتها بيدها، وجهزتها بيدها. قال: ثم أشعرها وقلدها. ومعنى أشعرها: كما قال العلماء رحمهم الله تعالى: هو أن يذهب، أو أن يحلق الشعر الذي في سنام البعير؛ حتى يدميه، حتى يخرج الدم. وكانت هذه علامة وإشارة إلى أن هذا الهدي مما أهل به لله جل وعلا، أي صار هديا. قال: ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة. وهذا فيه دلالة على استحباب سوق الهدي، أو إرسال الهدي إلى مكة؛ لمن لم يحج، أو يعتمر. أن هذه من الأشياء مستحبة؛ الذي كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم: أن الإنسان يسوق، يرسل بالهدي إلى مكة، يذبح في مكة، ويوزع بين فقراء مكة استحبابًا؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. قوله: وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له حلالًا. وفي هذا إشارة إلى ما سئلت عنه عائشة رضي الله عنها وأرضاها؛ فإن عائشة رضي الله عنها سئلت، أو أخبرت: بأن ابن عباس كان يقول: من ساق الهدي، فإنه يحرم من مجرد سوق الهدي. فعائشة رضي الله عنها أنكرت هذا الأمر؛ فقالت: فتلت قلائد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فأشعرها وقلدها، وبقي في المدينة، ولم يحرم عليه شيء، بل جاء في بعض الروايات: بأنه قال: «فلم يحل له»، أو «بقي على إحلاله»، ما يحل للرجل من زوجته، أو من أهله. قال رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: «أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مرة غنما». وهذا فيه دلالة على أنه يجوز أن يكون الهدي من الغنم. ويجوز أيضًا فيه دلالة على أنه يجوز أن يسافر بالهدي من أماكن بعيدة؛ فإن بين المدينة ومكة مسافات بعيدة، لا سيما في ذاك الزمن، تحتاج إلى أيام. ومع هذا أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم؛ ففيها دلالة على أنه يجوز سوقها، ولو كانت من أماكن بعيدة إلى البيت الحرام. قال: قد يقول قائل: فإن عطبت، مرضت، وخشي عليها الهلاك من طول السفر، فما يصنع بها؟ الجواب: على ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلين كانا خرجا حاجين، فأعيا على أحدهما بعير، فلما وصل إلى الحج، قال: «والله لا أتيتها، ولا أسأل عنها»، يعني سؤالًا ملحًا. فأتى ابن عباس رضي الله عنه، فسأل عن هذه المسألة. فقال له ابن عباس: «على الخبير وقعت»، أي على صاحبك العالم بهذه المسألة وقعت. قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: أو أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل هديه مع رجل، فقال رجل: يا رسول الله، رأيت إن عطب بعضها، فماذا أعمل؟ أو كما قال». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن حره، وخذ بخفه، أو قال: بقدمه، فأغمسه بدمه، ثم ضعه على صفحته»، أي على صفحة عنقه. قال بعض أهل العلم: «ضعه على صفحة السنام»، إشارة منه إلى أن هذا هدي. قال: فاستدل العلماء على أن الإنسان إذا أعي عليه بعيره، وخشي عليه الهلاك، فإنه ينحره، ثم يأخذ قدم ذلك البعير، ويمرغه بالدم، ثم يضعه على صفحته، ولا يأكل منه شيئًا. ينطلق هو والرفقة؛ إذا كانوا في قافلة، كانوا في مجموعة، كانوا في سيارة، ينطلقون ويتركون. قال العلماء: لأنه سيأتي غيرهم، وينظرون إلى هذا المنظر، فيعرفون أنه هدي أعيا، فيأكلون منه. ويقولون: أن عادة الناس كما ذكر ذلك النووي رحمه الله: «فإن قيل: لماذا لا يأكل الفقراء معهم، الفقراء من أهل تلك القافلة؟» قال: «للنهي في الحديث». وأيضًا: «لأجل أن لا يتذرع متذرع ليقتل، أو لنحر هديه من أجل أن يأكل منه الآخرون». قال: نكتفي بهذا، إن شاء الله.