الدرس في كتاب الإعتكاف 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع حديث عائشة رضي الله عنها عن اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان ثم تركه لاعتكاف شوال، مع تفصيل أسانيد الحديث الواردة في صحيح مسلم عبر يحيى بن سعيد الأنصاري. ويبين منزلة الرواة كعمرة وعروة والقاسم، ومصطلح 'مخرج الحديث' و'المتابعة' في علم المصطلح.
يناقش المقطع خلاف العلماء في وقت دخول المعتكف للعشر الأواخر، مرجحاً دخوله قبل غروب شمس ليلة الحادي والعشرين، ويوضح أن حديث دخول النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفجر يقصد به دخول الخباء لا ابتداء الاعتكاف. كما يبين جواز ضرب الخيام للاعتكاف بشرط عدم تضييق المسجد، ويؤكد جواز اعتكاف النساء في المساجد مستدلاً بإذن النبي لأزواجه.
يبين المقطع جواز اعتكاف المرأة في مسجد مستقل لها مع ضرب خباء للخلوة بالعبادة، بينما كره النبي صلى الله عليه وسلم اعتكاف أزواجه معه في المسجد الجامع لما فيه من فتنة، فتركه في رمضان وقضاه في شوال. ويستدل بذلك على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، كما في النهي عن سب آلهة المشركين سداً لذريعة سب الله، ويؤكد جواز الاعتكاف في غير رمضان.
يستدل المقطع باعتكاف النبي ﷺ في شوال وهو شهر لا يجب فيه الصيام على أن الصوم ليس شرطاً لصحة الاعتكاف. ويؤكد أن الصواب عدم اشتراط الصيام للاعتكاف، فيجوز للمسلم أن يعتكف وهو مفطر بلا حرج.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم، الحجاج، أبو الحسين، النيسابوري، القشيري، رحمه الله، في صحيحه: قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي، أبو زكريا، النيسابوري، قال: أخبرنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم، الملقب بالضرير، كان من أوثق الناس في الأعمش، نعم، وذلك لأنه لازمه عشرين سنة. قال: عن يحيى بن سعيد، وهو الأنصاري، أبو سعيد، وهو ثقة ثبت. قال: عن عمرة، وهي بنت عبد الرحمن، عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، رحمها الله، كانت في حجر عائشة، ولهذا حفظت كثيرًا من الأحاديث عن عائشة رضي الله عنها، كما ذكر الإمام الذهبي رحمه الله لهذا، قال: كانت ثقة، خيرة، كثيرة العلم، وهي من أعلى الناس بحديث عائشة. هي واثنان، من هما؟ عروة بن الزبير، وأيضًا القاسم بن محمد. عروة بن الزبير، ماذا يقرب لعائشة؟ ابن أختها، فعائشة خالته. والقاسم بن محمد، ابن أخيها، فهي عمته. وعمرة كانت في حجرها، فهم لكونهم لهم قرابة واتصال بها، وهذه لكونها كانت عندها، عائشة، فاستفادوا من علمها، وأصبحوا من أعلى الناس بحديث عائشة رضي الله عنها. وهذا يدلنا على أن ملازمة التلميذ لشيخه تثمر، كلما لازمه وأطال المكث معه، كلما كانت الاستفادة أكثر، وكذلك الانتفاع أعظم. قال: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه. وإنه أمر بخبائه فضرب، أراد الاعتكاف، أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأمرت زينب بخبائها فضرب، وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخبائه فضرب. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام الفجر نظر، فإذا الأخبية، الأخبية يعني الخيم، الخيمة التي تضرب وتنصب. قال: آل بر تردن؟ فأمر بخبائه فقوض، يعني رفع، وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال. وقال: وحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان. وحدثني عمر بن سواد. سفيان هنا ابن عيينة، وابن أبي عمر: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، الحافظ. قال: وحدثني عمر بن سواد، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمر بن الحارث. وحدثني محمد بن رافع، قال: حدثنا أبو أحمد. ومحمد بن عبد الله بن الزبير، هو ثقة، قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري. وحدثني سلمة بن شبيب، قال: حدثنا أبو المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعي. وحدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا أبي عن ابن إسحاق. كل هؤلاء عن يحيى بن سعيد. ماذا تسمى رواية هؤلاء عن يحيى بن سعيد؟ أولاً: من المراد بهؤلاء؟ كل هؤلاء من هم؟ سفيان بن عيينة، وعمر بن الحارث، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وابن إسحاق. هؤلاء كلهم رووا عن يحيى بن سعيد، فما تسمى روايتهم؟ هذا مخرج الحديث، أو تقصد مخرج الحديث؟ يعني يحيى بن سعيد هو مخرج الحديث. مخرج الحديث: الرجل أو الراوي الذي تدور عليه الأسانيد، يروى الحديث من طرق عديدة، وكلهم يتفقون في الرواية عن فلان، هذا يسمى مخرج الحديث. طيب، لكن روايتهم هؤلاء عن يحيى بن سعيد ماذا تسمى؟ متابعة. متابعة ماذا؟ متابعة أمة، لأن كلهم تابع بعضهم بعضًا في الرواية عن يحيى بن سعيد، تسمى متابعة أمة. قال: عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى حديث أبي معاوية. وفي حديث ابن عيينة، وعمر بن الحارث، وابن إسحاق: ذكر عائشة، وحفصة، وزينب، رضي الله عنهن، أنهن ضربن الأخبية للاعتكاف. نعم، في الرواية التي عندنا: فأمرت زينب بخبائها، وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعين من هن. في هذه الرواية من هذه الطرق عين من التي أمرت بضرب خبائها، وأنها عائشة وحفصة، رضي الله تعالى عنهما. هذا الحديث استدل به بعض أهل العلم على أن المعتكف إذا أراد أن يعتكف أيامًا فإنه يدخل المعتكف بعد الفجر. قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه. صلى الفجر ثم دخل معتكفه. فعلى هذه الرواية إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر مثلًا، فإنه سيدخل المعتكف بعد فجر يوم الحادي والعشرين، يعني بعد أن يصلي الفجر يدخل المعتكف. وبهذا قال إسحاق رحمه الله، أو الأوزاعي والثوري والليث. وذهب جمهور العلماء، منهم الأئمة الأربعة، إلى أن دخول المعتكف يكون قبل غروب شمس ليلة الحادي والعشرين، لمن أراد أن يعتكف العشر الأواخر مثلًا، فإنه سيدخل المعتكف قبل غروب شمس ليلة الحادي والعشرين، فلا تغرب الشمس إلا وهو في معتكفه، حتى تحسب له من بداية هذه الليلة، لأن الليلة تكون بغروب الشمس، فقالوا: يدخل قبل أن تغرب الشمس في هذه الليلة. وهذا القول هو الصحيح. وأما هذا الحديث، كونه يدخل المعتكف بعد صلاة الفجر، فهذا المقصود من أنه يدخل خباءه وخيمته التي تنصب له، كان يدخل خيمته عليه الصلاة والسلام بعد أن يصلي الصبح، وليس المراد أن ابتداء الاعتكاف يكون بعد الفجر. وفي هذا الحديث كذلك جواز ضرب الأبنية والخيم بالنسبة للمعتكفين، إذا أراد المعتكف أن يجعل له خيمة أو خباء يعتزل به ويتفرغ فيه لطاعة الله وعبادة الله، فهذا جائز، على أنه لا يؤدي إلى تضييق المسجد على المصلين، إذا كان المسجد واسعًا ولا يضيق على المصلين، فلا بأس. أما إذا كان المسجد ضيقًا، وإذا ضربت الخيم ضاق المسجد على المصلين، فهنا يترك، ولا تضرب الخيم. والمقصود من ضرب الخباء والخيمة للمعتكف هو أن ينشغل بعبادة الله ويخلو مع ربه سبحانه وتعالى في خلال هذه الأيام والليالي التي سيعتكفها في المسجد، فيتفرغ لعبادة الله. لا تضرب الخيمة ويجلس في الخيمة في قيل وقال وضحك ومزاح، ليس هذا المقصود من الاعتكاف، وإنما المقصود الانقطاع عن الدنيا وعن الانشغال بالناس والتفرغ للعبادة والطاعة. فإن كان المقصود من ذلك هذا الأمر فنعم لا بأس، وإلا فالأولى ترك ذلك إذا كان سيؤدي نصب الخيم إلى الانشغال وضياع الأوقات، واجتماع المعتكف مع أصحابه، وتذهب الأوقات في القيل والقال، فلا ينبغي مثل ذلك. وفيه كذلك أيضًا جواز اعتكاف النساء، جواز اعتكاف النساء في المساجد، فالنبي عليه الصلاة والسلام قد أذن لأزواجه في أول الأمر بالاعتكاف، كما في رواية البخاري أنه أذن لهن بذلك، فدل هذا على جواز مثل ذلك. لكن مثل هذا الأمر إذا كان في مساجد الرجال، فلا شك أن مثل هذا فيه فتنة وتكشف النساء والنظر إليهن عند دخولهن وخروجهن، فمثل هذا يترك. لكن إذا كن النساء في مسجد مستقل بهن، فلا بأس أن تعتكف المرأة وتضرب لها خيمة تتفرغ فيها لعبادة الله وطاعة الله، والدليل هذا الحديث، الدليل هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن لهن في أول الأمر بذلك. لكن لما تتابعن، رضي الله عنهن، بضرب الأخبية، فزينب نصبت خباءها، ثم عائشة، ثم حفصة، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، قال: «آل بر تردن؟» تردن الطاعة والخير والعبادة، كأنه يقول: ليس هذا يعني طريق نيلها أن تجتمعن معي في المسجد. والنبي صلى الله عليه وسلم يريد بالاعتكاف أن يترك الانشغال بأمور الدنيا وأمور النساء والتفرغ للعبادة والطاعة، فكيف يحصل له ذلك ونساؤه من حوله، رضي الله تعالى عنهن؟ ولعلهن أيضًا فعلن ذلك من باب الغيرة، لما أمرت زينب بضرب خبائها، فأمرت عائشة، ثم أمرت حفصة، فكأنه عليه الصلاة والسلام رأى أن ذلك سيؤدي إلى حصول شيء يشغل عن المقصود من الاعتكاف، لهذا كره الاعتكاف في هذه السنة، وتركه عليه الصلاة والسلام، مع أيضًا ما قد يحصل يعني من وجودهن في المسجد، والمسجد يأتي إليه المؤمنون، ويأتي إليه المنافقون، ويأتي إليه الأعراب، فلا يحسن مكثهن ووجودهن مع أمثال هؤلاء، وأيضًا قد يكون ذلك سببًا لتضييق المسجد على المصلين، وكل ذلك محتمل، كما ذكر الإمام النووي رحمه الله. فلأجل هذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بخبائه فقوض، يعني رفع، وترك الاعتكاف عليه الصلاة والسلام في هذه السنة في رمضان، واعتكف عليه الصلاة والسلام في شوال، اعتكف في العشر الأول من شوال، كأنه قضاء للاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان الذي تركه. وفي هذا أيضًا أن الإنسان قد يترك ما فيه مصلحة لدفع مفسدة، لدفع مفسدة، فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. فالاعتكاف فيه مصلحة، لما فيه من انتفاع القلب وانتفاع المعتكف بذلك التفرغ لطاعة الله وعبادة الله، لكن لما كان اعتكاف عليه الصلاة والسلام سيتسبب في اعتكاف أزواجه معه، ويحصل فيها شيء من المفاسد، ترك عليه الصلاة والسلام هذه المصلحة. وهذا له نظائر كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ومن ذلك مثلًا قول الله جل وعلا: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [الأنعام: 108]. نهى الله جل وعلا عن سَبِّ آلهة المشركين، مع أن ذلك فيه مصلحة من بيان بطلان تلك الآلهة، وبيان ما ينبغي ويجب من توحيد الله سبحانه وتعالى وتعظيم الله عز وجل، لكن لما كانت هذه المصلحة يترتب عليها مفسدة، وهو أن يتجرأ هؤلاء المشركون على سب الله، نهى الله عز وجل أن نسب آلهتهم، ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾، فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. وفيه أيضًا جواز الاعتكاف في غير رمضان، جواز الاعتكاف في غير رمضان، فاعتكف النبي عليه الصلاة والسلام في شوال. وكذلك أيضًا فيه دليل على أنه يجوز الاعتكاف من غير الصوم، أن الصوم لا يشترط في الاعتكاف، وذلك أن شهر شوال لا يجب صومه، اعتكف المسلم وهو مفطر، فلا حرج عليه في ذلك، بخلاف من اشترط الصيام في الاعتكاف، والصواب أنه لا يشترط. نعم، طيب، إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.