التعليق على الجواب الكافي 121

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 121، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

خطورة جريمة الزنا ومخالفتها لمقاصد الشريعة

جريمة الزنا من أعظم الجرائم لأنها تفسد نظام العالم وتختلط الأنساب وتوقع العداوة بين الناس، وقد قرنها الله بالقتل في كتابه ورسوله في سنته لأنها تنتهك العرض وتخالف مقاصد الشريعة في حفظ الدين والعرض والنسب وغيرها.

تحريم الزنا وآثاره المدمرة على الفرد والمجتمع

الزنا جريمة عظيمة عند الله تعالى، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع، وذكر القرآن الكريم خطورة الزنا وجزاء فاعليه، ويترتب عليه اختلاط الأنساب وضياع النسب.

تحريم زواج المرأة التي تزوجها الأب ووجوب حفظ الفرج

نهى الإسلام عن زواج المرأة التي كانت زوجة للأب، واعتبره فاحشة ومقتًا، وأمر بحفظ الفرج وغض البصر، وعلق الفلاح على ذلك، وجعل من لم يحفظ فرجه من الملومين والعادين.

التفصيل في حفظ الفرج وأسبابه

سيتم تفصيل أربعة أشياء وهي النظرات والخطرات واللفظات والخطوات بإذن الله تعالى فيما يتعلق بحفظ الفرج وغض البصر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: فصلاً، جريمة الزنا، قالوا: لما كانت مفسدة الزنا من أعظم المفاسد، وهي منافية لمصلحة نظام العالم، نظام العالم في حفظ الأنساب وحماية الفروج، أي الناس جميعًا، فالله عز وجل يحمد على حفظ نظام العالم. قال: وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب وحماية الفروج، وصيانة الحرمات، وتوقي ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس؛ لنفساد كل منهم امرأة صاحبه وابنته وأخته وأمه، وفي ذلك خراب العالم. كانت تلي مفسدة القتل في الكبر، ولذا قرنها الله سبحانه بها في كتابه، ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، كما تقدم. فالزنا جريمة عظيمة شنيعة؛ لأنها تفتت الأنساب، وأيضًا تدخل نسبًا في نسب، وهذا يكون فيه اختلاط في هذا العالم. وربنا جل وعلا قد وضع في شريعته النكاح حتى يتنظم النسل، تنظم الناس بهذا الباب. فالزنا يخلط الناس في الأنساب، وكذلك أيضًا جرأة المرأة على أنها ترتكب هذه الجريمة مع الرجال. فلهذا كانت من أعظم الفاسد؛ لأن هذا الدين العظيم جاء لحفظ خمس مقاصد عظيمة، هي مقاصد الشرع، وهي حفظ الدين، وحفظ العرض، وحفظ العقل، وحفظ المال، وحفظ النسب. منهم من يقول: حفظ النفس بدل العرض، أو النسب، فهذه الخمسة المقاصد من مقاصد الشريعة التي جاءت بها العديان. فجريمة الزنا هي خدش للعرض أو النسب، بعضهم يقول: أنها ستة فيزيد النسل، لكن النسل قد يدخل في العرض أو العرض يدخل في النسب. فزنا جريمة عظيمة، ولهذا الله عز وجل يذكرها مع القتل: ﴿الذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾. وبعد ما ذكر أيضًا في سورة الإسراء: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقكم وإياهم إن قتلهم كان خطأ كبيرا ثم قال ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ إلى غيرها من الآيات التي بيّن الله عز وجل أو قرن أن يقرن القتل بالزنا، أن يذكر الزنا بعد القتل، وهذا يدل على أنها جريمة عظيمة؛ لأنها انتهاك للعرض. قال الإمام أحمد رحمه الله: «ولا أعلم بعد قتل النفس شيئًا أعظم من الزنا». ولهذا أيضًا جاء في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك. قال: قلت ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قال: قلت ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك». فهذه الأشياء التي ذكرت في هذه الآية ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام من أكبر الكبائر. قال: فدل على أن الزنا يتبع القتل في الجريمة، فالقتل هو خرق لضابط النفس أو لمقصد النفس، وكذلك الزنا أيضًا خرق لمقصد العرض. فلهذا فإن النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع في خطبته المشهورة لما خطب الناس عليه الصلاة والسلام قال: «إن دماءكم وأموالكم وعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». فدل على أن الزنا أمره عظيم عند الله. ولهذا ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في خطبة الكسوف، ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الزنا وذكر غيرة الله عز وجل، وأن الله عز وجل يغار إذا زنى عبده أو أمته. قال رحمه الله: وقد أكد سبحانه حرمته، أي حرمة الزنا، بقوله: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾. قال: فقرن الزنا بالشرك وقتل النفس، وجعل جزاء ذلك الخلود في النار في العذاب المضاعف المهين ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة والإيمان والعمل الصالح. وقد قال جل وعلا: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾. وربنا جل وعلا سمى في القرآن جريمتين سماهما فاحشة: الزنا واللواط، عمل قوم لوط. فسماهما فاحشة، وعمل قوم لوط يعتبر فرعًا من الزنا، أنه قد يدخل في الزنا، وهو قد يكون أعظم منه، إلا أن الزنا فيه جريمة عظيمة، وهي اختلاط الأنساب، وأيضًا كذلك ضياع النسب. ولهذا كان جريمته عظيمة جدًا من هذا الباب، ومن باب أن الإنسان يأتي غيره في مكان لم يجعله الله عز وجل من طبيعة الإنسان. فهذا كان أيضًا جريمة عظيمة، ولهذا أجمع الصحابة رضي الله عنهم على قتل من يفعل فعل قوم لوط، واختلفوا في كيفية قتله. فجاء عن أبي بكر أنه قال: «يحرق». وجاء عن ابن عباس أنه قال: «يرمى من فوق شاهق، ثم إن لم يمت يرمى بالحجارة حتى الموت». قال: فأخبر عن فحشه في نفسه، أي عن فحش هذا الزنا، وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول، حتى عند كثير من حيوانات. كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمر بن ميمون الأودي قال: «رأيت في الجاهلية قردًا زنا بقردة، فاجتمع القرود عليهما فرجموهما حتى ماتا». وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في باب القسامة في الجاهلية. قال: ثم أخبر عن غايتي بأنه ساء سبيلا، فإنه سبيل هلكة وبوار وافتقار في الدنيا، وسبيل عذاب الآخرة وخزي ونكال. لما كان نكاح أزواج الآباء من أقبحه، خصه بمزيد ذم، فقال: ﴿إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا﴾. أعظم الزنا أن يزني الرجل أو يحلل ذلك من نكاح زوجة أبيه. قال الله عز وجل: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا﴾. وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، أنه يتزوج الرجل زوجة أبيه، ثم نهاهم الإسلام عن ذلك، أنه لا يجوز. وهذا يعتبر مثل الزنا، بل أشد. حتى قال الله عز وجل: ﴿إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا﴾. وأخرج الترمذي رحمه الله عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: «لقيت خالي أبا بردة ومعه لواء عقده له النبي عليه الصلاة والسلام، فقلت: أين تريدون؟ قال: أرسلنا النبي عليه الصلاة والسلام إلى رجل تزوج بزوجة أبيه، وأمرنا أن نقتله». وجاء في رواية أخرى: «وأن نخمس ماله». فهذا الرجل تجرأ فتزوج زوجة أبيه، معنى حل الحرام، لم يزن بها، ولكنه تزوجها، معنى جعلها حلالا وهي حرام. قال: وعلق سبحانه جل وعلا فلاح العبد على حفظ فرجه منه، فلا سبيل للفلاح بدونه. فقال: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾. فهنا أمر الله عز وجل بحفظ الفروج: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾. فمعنى سبحانه علق الفلاح بهذه الأوصاف، منها حفظ الفرج. وقد جاء في الصحيحين في حديث سهل بن سعد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة». من يضمن لي ما بين لحييه، أي لسانه، وما بين فخذيه، أي فرجه، أضمن له الجنة. قال: وهذا يتضمن ثلاثة أمور، من قوله جل وعلا: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾. من لم يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين، وأنه من الملومين، ومن العادين. ففاته الفلاح، واستحق اسم العدوان، ووقع في اللوم. فمقاسات ألم الشهوة ومعاناتها أيسر من بعض ذلك. قال: وأمر الله تعالى نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمال مطلع عليها. قال: ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾. ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر، جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج. كما قال: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾. فقدم غض البصر على حفظ الفرج؛ لأن الفرج أول مدخل له وأقرب مدخل له هو العين أو النظر. قال: كما أن معظم النار مبدأها من مستصغر الشرر. تكون نظرة، ثم تكون خطرة، ثم خطوة، ثم خطيئة. ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: من حفظ النظرات والخطرات والخطوات والخطيئات. فينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، ويلازم الرباط على ثغورها؛ فمنها يدخل عليه العدو فيجوس خلال الديار ويتتبع ما على تتبيرا. سأت إن شاء الله وتعالى التفصيل في هذه الأربعة الأشياء: النظرات والخطرات واللفظات والخطوات، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.