التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 20

الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أثر المماطلة في إفساد المعروف ووجوب المبادرة

يحذر الدرس من خدش وجه المعروف بالمماطلة والتأخير مستشهداً ببيت من منظومة «إيوان الحكم» وحديث «مطل الواجد ظلم»، مبيناً أن التسويف في قضاء الحوائج مع القدرة يُعد ظلماً يستوجب العقوبة. ويؤكد على وجوب الإسراع في البر والإحسان وعدم إخلاف الوعد حفظاً لكرم المعروف.

صفات المستشار الصالح وأهلية تدبير الأمور

يستعرض الدرس صفات المستشار المؤهل وأهمها الندب (الهمة والنشاط)، والحزم، واليقظة، واستواء السر والعلانية، مبيناً أن استشارة الكسول تضر بصاحب الحاجة. ويشبّه تدبير الأمور بالحرب التي تحتاج إلى فرسان أكفاء، مستشهداً بحديث «الناس كإبل مئة» لبيان ندرة من تتوفر فيهم أهلية الإدارة الكاملة.

خاتمة الجلسة والدعاء للنبي الكريم

يعلن المتحدث الاكتفاء بما تم طرحه في الجلسة خاتماً بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. وتأتي هذه الخاتمة لتثبيت العلم بالبركة والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال ناظم أبو حاتم البستي رحمه الله في منظومته «إيوان الحكم»: «لا تخدشن بمطل وجه عارفة، فالبر يخدشه مطل وليان». قال الشارح: فقه الله، «لا تخدشن بمطل وجه عارفة»، مراده بقوله «عارفة» أي: معروف. «وجه عارفة» أي: وجه معروف تفعله، فلا تخدش هذا المعروف بالمماطلة. قال: عندما تقدم معروفاً لإنسان، أو تهم بتقديم معروف لإنسان، أو تعد أحداً بمعروف، يعني تقول له: «إن شاء الله سأفعل لك الأمر الفلاني» وتعده. قال: فإياك أن تخدش وجه معروفك له بمطل، يعني: بمماطلة وتأخير وتسويف. يعني مثلاً: شخص وعدته بشيء، وقلت: «حاجتك الفلانية عندي، واعتبرها منتهية» أو «منتهية على يدي»، يعني تنتهي هذه الحاجة على يدي وأنا سأتولاها. ثم جاءك اليوم، وقلت له: «مرني بعد أسبوع»، وبعد أسبوع قلت له: «تعال بعد الأسبوع القادم»، ثم بعد أسبوعين وثلاثة وترديد إلى آخره. قمت بالمعروف، يعني: بعد تردد وتأخير ومماطلة، بعد ذلك فعلت له هذا المعروف. قال: قمت بالمعروف الذي وعدته به، تكون بذلك قد خدشت به وجه المعروف، يعني: جماله وحسنه، خدشته بالمطل والتأخير والتأجيل، وعدم سرعة الوفاء لما وعدته به. يعني: أنت بالبداية تقول: «أبشر، هذا الأمر علي، اعتبره منتهية». جاءك بعد أسبوع، قلت: «تعال الأسبوع القادم». الثاني جاء الأسبوع الثاني، قلت: «الأسبوع الثالث». ما ليس يقع في نفس هذا الإنسان؟ سيقول: «هذا يتلاعب بي، هذا يتلاعب بي، وأخرني أسبوعاً بعد أسبوع». وحينئذ يصبح هذا المعروف لم يقع موقعه الذي ينبغي، لما يرى من المماطلة والتأخير. أصبحت الآن بهذا قد خدشت وأنقصت هذا المعروف. قال: «فالبر يخدشه مطل وليان». قال: البر الذي هو المعروف والإحسان، البر كلمة جامعة لكل خير، لكل خير. قال: «يخدشه» أي: يجرحه، والخدش: الجرح. «يخدشه مطل وليان»، واللي هو المطل، يعني: مماطلة وتأخير. ومنه الحديث، وهو حديث حسن في المسند وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مطل الواجد ظلم، يحل عرضه وعقوبته». ولفظ الحديث: «مطل الواجد ظلم، يحل عرضه وعقوبته». المراد بالواجد: يعني الذي يجد سداد الدين، الذي يجد سداد الدين. استدنت من إنسان مالاً، قلت: «سأوفيه لك بعد شهر». مضى الشهر، جاء صاحب الدين: «يا فلان أين المال؟» قلت: «انتظرني، أنظرني أياماً». بعد أيام قلت: «أنظرني أسبوعاً»، وهكذا تماطله، والمال في يدك تستطيع أن تسدده وأن تدفع له ماله. هذه المماطلة، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مطل الواجد ظلم». الواجد الذي عنده ما يسدد به الدين، هذا ظلم، «يحل عرضه وعقوبته»، يعني: يحل لصاحب الحق أن يحاكمه، وأن يتكلم عليه، وأن يعاقبه. «يحل عرضه وعقوبته». المراد من هذا أن «اللي» بمعنى المماطلة. فالناظم في هذا البيت ينصح من أراد أن يفعل معروفاً: لا تخدش هذا المعروف بالمماطلة والتأخير وعدم المبالاة. أن تعد إنساناً أن تفعل له معروفاً ثم تؤخر وتماطل، فتخدش هذا المعروف وتجرحه وتنقصه وتذهب جماله وحسنه. لا، إذا أردت أن تفعل معروفاً فلا تخدش هذا المعروف بالمماطلة، بل أسرع وبادر بفعله. «لا تخدشن بمطل وجه عارفة، فالبر يخدشه مطل وليان». ثم قال رحمه الله: «لا تستشر غير ندب حازم فطن يقض، قد استوى فيه إسرار وإعلان». قال الشارح: أي: لا تستشر غير ندب حازم يقض. قال: هذه ثلاث صفات نبه عليها الناظم رحمه الله، تراعى في الشخص الذي يستشار. وأنت تعرف أن الشريعة حثت على الاستشارة ورغبت فيها، وقال الله عز وجل: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وفي المأثور عن أهل العلم: «ما خاب من استشار». يعني: من استشار غيره لا يخيب، لأنه يعمل عقول غيره مع عقله، بدل من أن يتفرد بعقل نفسه، فهو يستشير عقول غيره، قد تكون هناك عقول هي أكمل وأفضل وأحسن من عقله، فبهذا يكمل له ما أراد أن يقدم على فعله. قال: فالاستشارة هي زيادة في العقل، لأنك ضممت إلى عقلك عقل غيرك ممن عنده بصيرة ورأي. لكن ليس كل أحد يصح لأن يستشار، والاستشارة هذه أمر خطير جداً، لماذا؟ لأنها أمانة. الاستشارة أمانة، والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن المستشار مؤتمن على هذه الاستشارة. يعني: إذا استشارك إنسان في أمر، لابد أن تذكر له الخير الذي تراه في هذا الأمر، ولا تكتم ذلك، أو تراعي مصلحة نفسك. لا، انظر الخير الذي له، هذه أمانة. المستشار مؤتمن، أنت مؤتمن على هذه الاستشارة. إن كان في هذا الأمر خير لهذا المستشير دللته عليه، وإن كان فيه شر عليه حذرته منه، لأنك مؤتمن. قالوا: أحياناً يدخل الإنسان بسبب الاستشارة في منعطف خطير في حياته، ربما يبقى عليه إلى أن يموت، وربما أيضاً بالاستشارة يدخل مسلكاً جميلاً حميداً، يحمد سيره عليه إلى أن يموت. فالاستشارة أمرها مهم جداً، وليس كل أحد يصلح أن يستشار. إذن، من الذي يصلح لأن يستشار؟ يأتيك الجواب في هذا البيت، حيث قال: «لا تستشر غير ندب حازم يقض». هذه ثلاث أوصاف لمن يستحق أن يستشار. قال: يعني: احصر استشارتك في من هذه صفاتهم. «الندب» قالوا في اللغة: رجل ندب، أي: خفيف في الحاجة، يعني: معروف بسرعته في خدمة الناس وأمور البر والعمل في أبواب الإحسان. رجل مبادر ومسارع للخيرات. هذا الندب هو الذي تستشيره، تعرف أن الإنسان يحب أن يعين غيره، يحب فعل المعروف للناس، وهو يفعل هذا من قلبه ورغبة في الأجر من الله، هذا يستشار. قال: والندب الذي هو صاحب همة عالية وجد ونشاط في العمل الخيري، تستفيد من هذه الصفة التي فيه، لأنك إن استشرته سيقول لك: «لا تستعجل الآن، ارتح لك شهر، شهرين، ثلاثة، والدنيا إن شاء الله فيها خير، والأمور بالسهالة، ما هي داعي للعجلة»، وهكذا يعطل عليك الأمر الذي تريد بسبب كسله. قال: «والدنيا إن شاء الله فيها خير، والذي مات والذي مات تحصله اليوم، تحصله الشهر القادم، تحصله السنة القادمة، واترك الآن العمل، اجلس جسمك ارتاح إلى آخرة». يعني: من هذه المعاني التي فيها ما يدل على الكسل والخمول. قال: فالكسول من طبيعة كسله يعطي مشورته، والندب الشخص النشيط، بنشاط وهمته وعزيمته، أيضاً يعطي من يستشيره دفعة مفيدة جداً، استفدت منه في هذا الجانب. إذن الوصف الأول في المستشار: أن يكون ندباً، عنده همة ونشاط ومحبة في فعل المعروف ومسارعة. قال: «والحازم الضابط»، هذا الوصف الثاني: «غير ندب حازم». حازم بمعنى: عنده ضبط، يعني: ضابط للأمور، وعنده تمييز لها بين الحسن والسيء والطيب والرديء، معروف بضبطه وإتقانه للأمور، يعني: ما عنده تخبيط. لا، مع كونه ندباً، ندب كذلك عنده حزم، عنده حزم وتمييز الأمور وضبط للأمور. قال: الصفة الثالثة: «يقض»، أي: نبيه، فيه نباهة، ويعرف كيف يبدي الرأي المناسب في الوقت المناسب في المجال المناسب. فهذه ثلاث صفات ذكرها رحمه الله، جميلة جداً في من يصلح فعلاً أن يستشار: ندب، حازم، يقظ. ثم أضاف لها في الشطر الآخر صفة رابعة، وهي قوله: «قد استوى فيه إسرار وإعلان». قال: والإسرار: بين الإنسان وبين الله، لكن لا يعرف عنه خلال ظاهره خبث وشر وبطانة شر وكيد. يعني: أن هذا الإنسان ظاهره الخير والصلاح والاستقامة، ولا يعرف في باطنه الشر والسوء. والإنسان يعامل بظاهره، يعامل بظاهره. يعني: مثل هذا لا يخاف منه أن يكون من أهل المكر والخداع والكيد، فمثل هذا يستشار. قال: أن مثل هذه المعاني قد تنكشف بفلتات اللسان، يعني: من عنده أشياء يخفيها ولا يظهرها من كيد ومكر وخداع. قال: مثل هذه الأشياء قد تظهر على فلتات اللسان، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، يعني: في المنافقين. فحينئذ إذا استوى فيه إسرار وإعلان، يعني: كان ظاهره كسره، وعلانيته كباطنه، فهذا الذي يستشار. إذن عندنا أربعة أوصاف في من يستحق الاستشارة: أن يكون ندباً، حازماً، يقظاً، وأن يستوي سره وعلانيته، ظاهره كباطنه، وسره كعلانيته. فهذا أهل للاستشارة. ثم قال رحمه الله: «فللتدابير فرسان إذا ركبوا فيها أبر، كما للحرب فرسان». قال: «فللتدابير فرسان إذا ركبوا فيها أبروا». التدابير: تدابير الأمور. ما كل أحد يصلح يعني أن يدير الأمور وأن يقوم بها. وفي الحديث: «الناس كإبل مئة لا تجد فيها راحلة»، والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله في «صحيح الجامع». النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن الناس كإبل، يعني: كمئة، مئة الإبل، يريد الإنسان منها راحلة يركبها، ولا يجد منها واحدة صالحة للركوب. ومعنى الحديث: أن الناس كثير، لكن من الذي يصلح منهم، ومن الذي كامل منهم؟ قلة، أو لا تجد أحداً من الناس وجود فيه صفات الكمال. واضح. «الناس كإبل لا تجد فيها راحلة». قال: وقرأ شرحاً جميلاً جداً لهذا الحديث في جزء مفرد لابن رجب رحمه الله تعالى، وهو مطبوع. قال: «فللتدابير فرسان»، فللأمور والأعمال الصالحة، ولا سيما المصالح، مصالح الأمة العامة ومنافع الناس، لها فرسان، يعني: لها رجال يقومون بتدبيرها وبفعلها ومراعاتها. «إذا ركبوا فيها أبروا»، يعني: إذا استلموها وكانت بين أيديهم أبروا، أي: فازوا وظفروا، وحمدوا، وحمد غيرهم العاقبة. «فللتدابير فرسان إذا ركبوا فيها أبروا، كما للحرب فرسان». مثل ما أن للحرب لها فرسان، الذين يحسنون الفروسية والقتال. قال: أيضاً لتدابير الأمور لها فرسان، إذا كانت بأيديهم حصلوا، وحصل الناس معهم النتائج الحميدة الطيبة. وهذا البيت كأنه تأكيد لما قبله، كما ذكر أنه صفات من يستشار، بيّن أن ليس تدبير الأمور يكون لكل أحد، بل خاصة من الناس الذين عندهم الأهلية لذلك، فلذلك قال: «فللتدابير فرسان إذا ركبوا فيها أبروا، كما للحرب فرسان». طيب، نكتفي بهذا القدر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.