الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستهل الدرس بذكر مكانة الإمام مالك العلمية وهيبته في مجلسه، وإعجابه بقراءة الإمام الشافعي للموطأ حتى سمعه كاملاً، مع نقل قول الشافعي في فضل مالك وسفيان وتحذيره من البدع، ثم يسوق حديث ابن عمر عن أمر النبي ﷺ بالصلاة في الرحال في الليالي الباردة والممطرة.
يوضح المقطع أن ابن عمر أذن في ليلة باردة ممطرة ثم قال: «ألا صلوا في رحالكم»، مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه كان يأمر المؤذن بذلك في السفر، ويدل الحديث على سنة المؤذن أن ينادي بذلك بعد الفراغ من الأذان ترخيصاً للناس في ترك صلاة الجماعة لعذر المطر والبرد.
يبين الدرس مشروعية التخلف عن صلاة الجماعة والصلاة في البيت عند نزول المطر أو هبوب ريح باردة شديدة استناداً لقاعدة «المشقة تجلب التيسير»، وأن من ترك الجماعة لعذر كتب له الأجر كاملاً، مع توضيح أن قيد «في السفر» ليس مفهوماً مقيداً بل خرج مخرج الغالب فيشرع النداء في الحضر أيضاً، وأن ألفاظ «صلوا في رحالكم» و«صلوا في بيوتكم» بمعنى واحد دالة على الإذن بالتخلف دون حرج أو إثم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال إمام مسلم الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله: حدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميم، أبو زكريا النيسابوري، الملقب بريحانة نيسابور. قال: قرأته على مالك، وهو مالك بن أنس، مالك بن أنس الحميري الأصبحي، وأصبح؛ يعني أصلها من اليمن، إمام دار الهجرة، كان يعني عظيماً جليلاً، رحمه الله، ذهيبة؛ كان ذهيبة عظيمة، وكان يعظم أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. إذا أراد أن يحدث كان يتجمل ويلبس أحسن ثيابه، فكان مهاباً عند طلابه. هذا قيل فيه: يأبى الجواب فلا يراجع هيبةً والسائلون نواكس الأذقانِ أدبٌ وقارٌ عزُّ سلطانِ التقى فهو المطاع وليس ذا سلطاني من أجل تلاميذه، من أجل تلاميذ الإمام مالك: الإمام الشافعي. نعم، الإمام الشافعي. فالإمام الشافعي رحل إلى الإمام مالك وقرأ عليه الموطأ. لما جاء إليه ليقرأ عليه، قال له الإمام مالك: انظر من يقرأ لك. فقال: أقرأ، فإن عجبتك قراءتي فذاك. فقرأ، وكان الإمام مالك يعني لا يسمع للتلميذ شيئاً كثيراً، يعني يقرأ، استمع له لبعض الأحاديث في المجلس. فقرأ الإمام الشافعي، وكان الإمام الشافعي يعني فصيحاً بليغاً. فلما استمع له الإمام مالك أعجبته قراءته واستقامة لسانه، فكان كلما قرأ قال له: هين، يعني: زد. وهكذا استمع له وزاد في الاستماع له حتى قرأ الإمام الشافعي عليه الموطأ كاملاً حفظاً، قرأه الإمام الشافعي حفظاً، رحمه الله. ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: «لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز». أي: سفيان بن عيينة. وكان يقول: «إذا ذكر الأثر فمالك النجم»، فمالك النجم. وكان يجله كثيراً، ويقول: الإمام مالك يعني معلمنا، ومنه أخذنا العلم. وكان أيضاً رحمه الله يعني إماماً في السنة، إماماً في السنة، وهو القائل: «كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر»، ويشير إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام. ويقول أيضاً: «من قال إن في الدين بدعة حسنة فقد اتهم محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه خان الرسالة». الذي يقول أن في الدين بدعة حسنة فهو يتهم النبي عليه الصلاة والسلام بالخيانة، لأن هذه البدعة إذا كانت حسنة معنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما بينها ولا دل الأمة عليها ولا دعا إليها، فخانه في هذا الخير وهذا الأمر الذي ينبغي أن يبين للأمة. وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «ما من خير إلا ودللتكم عليه، وما من شر إلا وحذرتكم منه». ثم يأتي من يقول بأن هذه بدعة حسنة، هذا اتهام للنبي عليه الصلاة والسلام بالخيانة. قال: عن نافع، وهو مولى ابن عمر، قيل أصله من المغرب، وقيل من نيسابور. قال: أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال: «ألا صلوا في الرحال». ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: «ألا صلوا في الرحال». وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، وهو أبو عبد الرحمن الخارفي، الخارفي الحافظ، الحافظ الثقة، وكان الإمام محمد رحمه الله يعظمه تعظيماً عجيباً. قال: حدثنا أبي، وهو عبد الله بن نمير، أبو هشام الكوفي، قال فيه الحافظ: ثقة، صاحب حديث، من أهل السنة. قال: حدثنا عبيد الله، وهو ابن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب القرشي، وهو أيضاً ثقة ثبت، وكان يعني من أشراف أهل قريش، صاحب علم وعبادة وفضل. قال: حدثني نافع عن ابن عمر أنه نادى بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ومطر، فقال في آخر ندائه: «ألا صلوا في رحالكم، ألا صلوا في الرحال». ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر في السفر أن يقول: «ألا صلوا في رحالكم». وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم الحافظ. قال: حدثنا أبو أسامة، وهو محمد بن أسامة بن زيد القرشي، أبو أسامة الكوفي، كان أيضاً من أهل الحفظ. قال: حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه نادى بالصلاة بضجنان، وضجنان كما ذكر الإمام النووي رحمه الله هو جبل على بريد من مكة، ثم ذكر بمثله، وقال: «ألا صلوا في رحالكم». قال: ولم يعد ثانية «ألا صلوا في الرحال» من قول ابن عمر. هذا الحديث فيه أن ابن عمر رضي الله عنهما أنه نادى بالصلاة، أي: أذن، أذن للصلاة في ليلة ذات برد وريح، وفي الرواية الأخرى: ومطر، يعني رياح مع برودة ونزول المطر. فنادى فقال في أثناء الأذان: «ألا صلوا في الرحال»، وفي الرواية الأخرى: في آخر ندائه، يعني بعد الفراغ من الأذان، بعد أن فرغ من الأذان قال: «ألا صلوا في رحالكم، ألا صلوا في الرحال». ثم رفع ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر أن يقول: «ألا صلوا في الرحال». فهذا الحديث فيه أن من السنة إذا كانت يعني هناك مطر، إذا نزل المطر وكانت هناك رياح وبرودة، فيشرع للمؤذن أن يقول في أذانه: «ألا صلوا في رحالكم» أو «صلوا في بيوتكم»، «ألا صلوا في رحالكم، ألا صلوا في رحالكم»، أو «ألا صلوا في الرحال، ألا صلوا في الرحال» بعد الفراغ من الأذان. والرحال جمع رحل، وهو المسكن الذي يسكنه الإنسان، المسكن الذي يسكنه الإنسان سواء كان من حجر أو خشب أو شعر أو جلد أو غير ذلك. فحينئذ يقول المؤذن في آخر أذانه: «ألا صلوا في الرحال». وهذا موضع من المواضع، وكيفية من الكيفيات التي ينادى فيها بالترخص بترك صلاة الجماعة، بقول المؤذن: «ألا صلوا في الرحال». في هذا الحديث: أن ابن عمر رضي الله عنه أنه يقال في آخر النداء، في آخر النداء يعني بعد الفراغ من الأذان. وسيأتي معنا أنه يقال بدل «حي على الصلاة»، كما سيأتي عن ابن عباس، وأيضاً ثبت كذلك أن يقال بدل «حي على الفلاح» بدل «حي على الصلاة» و«حي على الفلاح» يقول المؤذن: «صلوا في بيوتكم». فهذه الرواية تدل على مشروعية نداء المؤذن بقوله: «ألا صلوا في الرحال» في آخر الأذان. وهذا كما سمعت موضع من المواضع التي يشرع فيها هذا النداء. وكذلك أيضاً في هذا الحديث دلالة على أنه يشرع للمسلم أن يتخلف عن صلاة الجماعة عند نزول المطر، عند نزول المطر أو هبوب الرياح الشديدة الباردة، فيشرع للمسلم أن يتخلف عن صلاة الجماعة ويصلي في بيته، وله في ذلك رخصة، له في ذلك رخصة. وهذا من تيسير الشريعة، ومن القواعد الشرعية: «المشقة تجلب التيسير». فخروج الإنسان مع نزول المطر أو هبوب الرياح الشديدة الباردة قد يتضرر المسلم بذلك، فحينئذ تكون له يعني رخصة وتيسير من الشرع أن يصلي في بيته. وإذا وجد العذر وترك الإنسان صلاة الجماعة لأجل هذا العذر يكتب له الأجر كاملاً بإذن الله، يكتب له الأجر كاملاً. وكذلك أيضاً فيه حرص الصحابة رضي الله عنهم وأهل الفضل وأهل العلم على المسارعة في فعل العبادات والطاعات التي يعظم أجرها، ومن ذلك الأذان. فالأذان عبادة عظيمة وأجرها عظيم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة»، كما بحديث عمار في الصحيح، وأخبر أن المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له يعني ما يسمعه من جن وإنس إلى آخر ذلك. ففي الأذان فضيلة عظيمة. ولهذا ابن عمر رضي الله عنه حرص على أن يؤذن في هذه الليلة حتى ينال أجر هذه العبادة وهذه الطاعة. وكذلك أيضاً فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعني يأمر المؤذن في مثل هذه الأحوال التي ينزل فيها المطر وتهب فيها الرياح الشديدة أن يرخص للناس في التخلف، أن يرخص للناس في التخلف بقوله: «ألا صلوا في رحالكم»، وذلك حتى لا يشق على الناس، وربما يعني يصابون بشيء من الضرر، وخاصة إذا كانت الأرض يعني طينية، إذا اختلط بها الماء أصبحت زلقة ومحل يعني سقوط، ولا شك أن مثل ذلك فيه ضرر عظيم على الإنسان إذا خرج ومشى فيها. فلذلك يرخص له في التخلف وعدم الخروج لشهود صلاة الجماعة. وقوله في الحديث هنا: «أو ذات مطر في السفر»، هل هذا قيد له مفهوم؟ يعني أنه في غير السفر لا يشرع النداء بهذا النداء: «ألا صلوا في رحالكم»؟ الجواب: لا. الجواب أنه ليس له مفهوم، وإنما هذا القيد خرج لبيان الواقع، أن ذلك يعني كان هذا الأذان في تلك الليلة في السفر، كان في السفر. أو يقال: ذكر هذا القيد يعني خرج مخرج الغالب، خرج مخرج الغالب، يعني أن الإنسان في السفر قد يحصل له شيء من المشقة، والسفر مظنة المشقة، بخلاف الحضر. ومع ذلك إذا وجد المطر وكذلك الرياح الشديدة الباردة في الحضر فيجوز، يجوز للمؤذن بل يستحب للمؤذن أن يقول في آذانه: «ألا صلوا في رحالكم»، ويشرع للمسلم أن يتخلف عن صلاة الجماعة ويصلي في بيته. ويدل عليه الأحاديث الأخرى التي ستأتي، وأيضاً حديث ابن عباس: حين صلى النبي أو جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين من غير سفر ولا مطر، فلما سئل عن ذلك قال: «أراد أن لا يحرج أمته». ويدل أيضاً على مشروعية التخلف عن صلاة الجماعة لأجل المطر. إذن هذا القيد لا مفهوم له، وإنما ذكر كما سمعتم يعني بيان للواقع أو خرج مخرج الغالب، وإلا فيشرع النداء بهذا النداء ولو في غير السفر. وكما سمعتم: المؤذن يقول: «صلوا في رحالكم» أو «صلوا في بيوتكم» أو «ألا صلوا في الرحال» أو «صلوا في البيوت»، كل هذه الألفاظ بمعنى واحد، كلها بمعنى واحد، يعني فيها الإذن بالتخلف عن صلاة الجماعة، وأن يصلي المسلم في بيته، وأنه لا حرج عليه في ذلك ولا إثم عليه في هذا التخلف. طيب، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا، وصلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر