التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 12

الدرس في التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أسباب وضع الأحاديث الموضوعة وتحريمها

ذكر المؤلف أسباب وضع الأحاديث الموضوعة وتحريم الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم. وأكد أن الكذب حرام بإجماع العلماء مع استثناء بعض الطوائف.

أقسام الحديث المردود وعلله

يناقش المقطع أقسام الحديث المردود بسبب ضعف في الراوي أو الرواية، ويشرح كيفية التعرف على علل الحديث. كما يتطرق إلى كبار العلماء في هذا الفن.

الإدراج في الإسناد والمتن وتطبيقاته

يتناول المقطع شرح الإدراج في الإسناد والمتن مع تقديم أمثلة وتوضيح مواضع حدوثه، خاصة في آخر المتن. كما يشرح كيفية حدوث الإدراج بعطف جملة على أخرى.

التفريغ النصي الكامل

طيب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال المصنف رحمه الله: والحامل للواضع على الوضع إما عدم الدين، كالزنادقة. الزنادقة جمع زنديق، والزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر. والزنادقة يعمدون إلى وضع الحديث المكذوبة للطعن في الدين، ومن أمثال هؤلاء محمد بن شجاع الذي وضع حديث «إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق»، يعني حديث موضوع مكذوب لا يقبله عقل. «إن الله خلق الفرس فأجراها الفرس فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق»، هكذا يقول هذا الزنديق، هكذا يمن وضعوا أحاديث - يعني في الطعن في الإسلام - بإباحة شيء من المحرمات. فقد يكون القصد من وضع الأحاديث هو الطعن في الإسلام، وهؤلاء كما قلنا قد كثروا في زمن المهدي، فتتبعهم رحمه الله وقتلهم حتى سمي بقصاص الزنادقة. قال: أو غلبة الجهل، كبعض المتعبدين - يعني يحملهم على وضع الأحاديث غلبة الجهل - كنوح هذا من أبي مريم، الذي قال: «رأيتنا شغلوا بمغازي ابن إسحاق وفقه أبي حنيفة، فوضع في فضائل القرآن سورة سورة». هذا من الجهل. قال: أو فرط العصبية، كبعض المقلدين - فرض العصبية كبعض المقلدين للمذاهب ولبعض الأئمة - فيضع أحاديث انتصارا لمذهبه، مثل الرافضة مثلا الذين غلوا في علي رضي الله عنه فوضعوا أحاديث في فضائل علي، مثل «علي خير البشر، فمن أبى فقد كفر». وهذا وضع، وهكذا أيضا «النظر إلى علي عبادة»، وهكذا أيضا بعض المرجئة لما وقع الخلاف بينه وبين أهل السنة في الإيمان وضع حديث «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان لا يزيد ولا ينقص»، يعني ينتصر به لمذهب المرجئة. وهكذا وضع رجل من متعصب الحنفية حديثا بإسناده، ساقه بإسناده «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يخرج في أمة رجل أشر من إبليس يدعى محمد بن إدريس، وأبو حنيفة سراج أمتي». ونحو ذلك من مثل هذه الأحاديث الموضوعة. قال: أو اتباع هوى بعض الرؤساء، كما فعل غياث بن إبراهيم مرة معنا في درس الماضي، حين زاد في حديث «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر» زاد «أو حمام»، لما رأى الخليفة يلعب بالحمام زاد «أو حمام». قال: أو الإغراب لقصد الاشتهار - يعني يضع الحديث ليكون الحديث غريبا فيشتهر - ويطلب هذا الحديث، كان يقلب - يعني سند الحديث - فيأتي بحديث موضوع ويضع له سند - يعني رواة وثقات - فيظن أن الحديث صحيح. قال: «وكل ذلك حرام بإجماع من يعتد به». وهناك أيضا أسباب خاصة كما ذكر أول العلم، قد يضع الإنسان حديثا لأغراض شخصية، كما ذكروا أن أعمى لم يجد من يقوده وضع حديث في فضل من قاد أعمى حتى يقوده إذا وجده أحد يأخذ بيده ويقوده. وآخر يريد أن يبيع الهريس، فيريد أن يمشي بضاعته فيضع حديثا «عليكم بالهريسة؛ فإنها تشد الظهر»، أو نحو ذلك. قال: «وكل ذلك حرام بإجماع من يعتد به»، إلا أن بعض الكرامية - هم أتباع محمد بن الكرام، وهم فرقة من فرق المرجئة - يقولون بأن الإيمان إقرار وتصديق باللسان دون القلب، وقالوا بأن المنافقين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنين؛ كانوا مؤمنين. قال: إلا أن بعض الكرامية وبعض المتصوفة نقل عنهم إباحة الوضع في الترغيب والترهيب، وهو خطأ من فاعله؛ لأن الترغيب والترهيب من جملة الأحكام الشرعية، لا يجوز فيها الكذب. لا يجوز وضع أحاديث من أجل أن يرغب الناس أو يرهبوا. ويقول بعضهم: نحن لا نكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، بل نكذب له. هذا من تلبيس الشيطان. نحن لا نكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، بل نكذب له؛ فالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم بأن تنسب حديثا إليه ولم يقله، هذا كذب. ثم تقول: أن أكذب له. من قال لك: تكذب له؟ من أمرك بهذا؟ سواء كذبت عليه أو كذبت له، هذا كذب. والكذب من كبائر الذنوب. قال: واتفقوا على أن تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر. بل قال الإمام الذهبي في الكبائر: الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم كفر ينقل عن الملة. ولا ريب أن نتعمد الكذب على الله ورسوله في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض. وإنما الشأن في الكذب عليه في سوى ذلك. قال: «وبالغ أبو محمد الجويني فكفر من تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم». وهذا إذا كان هذا الكذب فيه تعمد تحليل حرام أو تحريم حلال. قال: «واتفقوا إلا مقرونا ببيانه»، يعني ببيان وضعه، فيقول مثلا: «حديث كذا وكذا هذا موضوع»، يبين أنه موضوع. لقوله صلى الله عليه وسلم: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين»، أخرجه مسلم. «من حدث عني بحديث يرى - يعني يظن - أنه كذب»، كيف إذا كان يجزم بأنه كذب؟ من باب أولى أن يدخل في الحديث وفي الوعيد. قال: والقسم الثاني من أقسام المردود هو ما يكون بسبب تهمة الراوي بالكذب، وهو المتروك. ما يكون بسبب تهمة الراوي بالكذب؟ متى يتهم الراوي بالكذب؟ أن يكون ممن عرف منه الكذب في كلام الناس، وإن لم يكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. الأمر الثاني: أن يكون الحديث من طريقه، ويكون مخالفا لقواعد الشريعة، فيكون هو المتهم بهذا الوضع. قال: والثالث المنكر، على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة - قيد المخالفة - لأن المشهور في المنكر مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه. فالغالب أنهم يشترطون المخالفة لهذا. قال: والمنكر على رأي من لا يشترط المخالفة، فيجعلون تفرد الضعيف منكرا، سواء خالف أو لم يخالف. وبهذا أشار البيقوني رحمه الله، لما قال: «والمنكر الفرد به راو غدا، تعديله لا يحمل التفرد»، يعني بمجرد أن تفرد بالحديث وهو ضعيف، فيسمى حديثه منكرا. قال: وكذا الرابع والخامس، فمن فحش غلطه أو كثرت غفلته أو ظهر فسقه، فحديثه منكر. من فحش غلطه - يعني كثرة غلطه - أو كثرت غفلته، كثير الغفلة، أو ظهر فسقه، فحديثه منكر؛ فحديثه منكر مسمى منكر. وهذه المراتب أو درجات الخمس لا تقبل في الشواهد والمتابعات. الكذاب والمتروك والمنكر وفاحش الغلط وكثير الغفلة، وهكذا الفاسق، هؤلاء لا تقبل حديثهم في الشواهد والمتابعات؛ لأن الضعف شديد. قال: ثم الوهم، وهو القسم السادس، أنه هو رواية الحديث على سبيل التوهم - يعني بالشك - فيرويه على القول المرجوح دون تثبت. قال: وإنما أفصح به لطول الفصل. وإنما أفصح به - يعني عرفه باسمه الصريح - ولم يقل: السادس. قال: ثم الوهم، قال: لطول الفصل - يعني في ذكر هذه الأقسام. قال: إن اطلع عليه - أي على الوهم - بالقراء أو إن اطلع عليه - أي على الوهم - بالقراء، للدالة على وهم راويه، من وصل مرسل أو منقطع أو إدخال حديث في حديث، أو نحو ذلك من الأشياء القادحة، كإرسال موصول أو وقف مرفوع أو إبدال راوي ضعيف بثقة. قال: ويحصل معرفة ذلك بكثرة التتبع - يعني النظر في الأسانيد والمتون - وجمع الطرق. فهذا هو المعلل، وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها - يعني علل الحديث - ما يسمى بعلل الحديث، هذا من أغمض أنواع علوم الحديث؛ لأنها أمور خفية لا تعرف إلا بالنظر في الأسانيد وتتبعها. ولهذا ما تكلم في هذا الفن إلا القليل من أئمة الحديث ممن كان عندهم معرفة، الإطلاع بأسانيد وطرق الحديث. قال: ولا يقوم به إلا من رزقه الله فهما ثاقبا وحفظا واسعا ومعرفة تامة بمراتب الرواة وملكة قوية بالأسانيد والمتون. ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن، كعلي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري ويعقوب بن شيبة وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني، أمثال هؤلاء من أئمة الجرح والتعديل تكلموا في هذا الفن، وهذا النوع من أنواع الحديث، وهو الحديث المعلل. قال: وقد تقصر عبارة المعلل عن قامة الحجة على دعواه - يعني قد يعلل الحديث ولا يذكر العلة - يعرف أن الحديث هذا معل، فيه علة، لكن ربما قد لا يذكر هذه العلة. كما قال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: «معرفة الحديث إلهام». فلو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة - يعني لم يكن عنده برهان - ربما يثبت به علة هذا الحديث، لكن يعرف أن هذا الحديث معل؛ أن الحديث معل. قال: وقد تقصر عبارة المعلل عن قامة الحجة على دعواه، كالصيرفي في نقد هذه الدينار والدرهم. الصيرفي - يعني الذي يصرف النقود - يعمل بالصرافة، من شدة خبرته ربما لو ألقي الدرهم في الأرض وسمع صوته يعلم: هل هو مزيف أو غير مزيف؟ وهكذا إذا روما لمس الأوراق يعرف: هل هي مزيفة أو غير مزيفة؟ لو قلت له: أيش الدليل؟ أيش الحجة؟ قد ما يدرك لك حجة، لكن خبرة من كثرة الخبرة. وهكذا أيضا علماء العلل، من شدة خبرتهم يعللون الحديث، وربما يقصرون عن ذكر الحجة في إعلال هذا الحديث. إذا الحديث المعل قد يكون سبب إعلاله وجود الوهم من الراوي الذي يهم، فيوصل المرسل أو يرسل الموصول أو يوقف المرفوع أو العكس. وإذا الحديث المعل ما فيه علة خفية قادحة تقدح بصحة الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه؛ الظاهر السلامة منه. قال: ثم المخالفة، هو القسم السابع، إن كانت واقعة بسبب تغيير السياق - أي سياق الإسناد - فالواقع فيه ذلك التغيير هو مدرج الإسناد. وهو أقسام: الأول أن يروي جماعة الحديث بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راو فيجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد، ولا يبين الاختلاف. هذا يعتبر من الإدراج في الإسناد. يروى الحديث من الأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راو فيجمع كل الأسانيد على إسناد واحد، ولا يبين الاختلاف الواقع في سند هذا الحديث. مثل حديث «إنما الأعمال بالنيات» وحديث «من اتقى الشبهات وقد استبرأ لدينه وعرضه». هذا الحديث - يعني سفيان - روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم عن علقمة إلى عمر رضي الله عنه. قال: فجاء أحد الرواة وروى الحديثين عن سفيان بالإسناد الأول - إسناد حديث «إنما الأعمال بالنيات» - وحديث «من اتقى الشبهات» رواه بالإسناد الأول - يعني سفيان عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة إلى آخر - وهذا الإسناد إنما هو إسناد حديث «إنما الأعمال بالنيات». وأما حديث «من اتقى الشبهات» فهو رواه من طريق أخرى، فلم يبين هذا الاختلاف، فيكون هذا من إدراج من إدراج الإسناد. قال: والثاني أن يكون المتن عند راو إلا طرفا منه، فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه راو عنه تاما بالإسناد الأول - يعني لا يذكر إسناد الطرف الثاني - فيجعل الحديث كأنه بإسناد واحد، وهو قد روي بإسنادين. قال: ومنه أن يسمع الحديث من شيخه إلا طرفا منه، فيسمعه عن شيخه بواسطة، فيرويه راو عنه تاما بحذف الواسطة. يسمع الحديث من شيخه إلا طرفا منه - يعني قطعا من الحديث ما سمعها من شيخه - وإنما سمعها بواسطة، يرويها عن شيخه. فيأتي راو ويروي عنه ويحذف الواسطة ويذكر المتن كله كأنه سمعه كله من شيخه، يكون هذا أيضا مدراج الإسناد. قال: والثالث أن يكون عند الراوي متقالفان مختلفان بإسنادين مختلفين - متنان مختلفان بإسنادين مختلفين - يعني كل متن له إسناد، فيرويه ما راو عنه مقتصرا على أحد الإسنادين، أو يروي أحد الحديثين بإسناده الخاص به، لكن يزيد فيه من المتن الآخر ما ليس في المتن الأول. هذا أيضا من إدراج الإسناد. قال: الرابع أن يسوق الراوي الإسناد فيعرض له عارض فيقول كلاما من قبل نفسه، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد، فيرويه عنه كذلك. أن يسوق الراوي الإسناد فيعرض له عارض فيقول كلاما من قبل نفسه - يعني من نفسه - فيظن بعض من سمعه أن هذا هو متن الحديث، فيرويه عنه كذلك. وهذا أقرب إلى الإدراج في المتن، أقرب منه من الإدراج في الإسناد. ومثل بذلك بما حصل لموسى الزاهد أو لثابت بن موسى - ثابت بن موسى الزاهد - قال: حاتم دخل ثابت على شريك وهو يقول: «حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر». قال: وسكت. وسكت المستملي - الذي يملي كلام شريك - فلما نظر إلى ثابت - وكان ثابت رجلا عابدا - لما نظر إليه قال: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه في النهار». أو «من حسنت صلاته في الليل حسن وجهه في النهار». فظن ثابت أن هذا هو متن الحديث، ظن هذا هو متن الحديث، فصار بعد ذلك يحدث بهذا الحديث - بهذا الإسناد - عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه في النهار». وهذا حديث موضوع، حديث موضوع، لكن لم يتعمد الوضع، إنما حصل خطأ. وعد أيضا من إدراج المتن. قال: «وأما مدرج المتن، ويقع في المتن كلام ليس منه - ليس - يعني ليس من متن الحديث - فتارة يكون في أوله، وتارة في آخره، وتارة في أثنائه - يعني في وسط المتن - وتارة في آخره. وهو الأكثر - يعني أكثر ما يقع الإدراج في آخر المتن - لأنه يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوف من كلام الصحابة أو من بعدهم».