الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش انتشار الشرك في الأمة الإسلامية واتباعها لسنة اليهود والنصارى، ويستدل على ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ». كما يشير إلى أن بعض القبورية ينفون وقوع الشرك في الأمة.
النص يحذر من تقليد الكفار وانتشار العلمانية والليبرالية بين المسلمين، ويبين أصل العلمانية من النصارى وثورتها على الكنيسة في أوروبا. كما يشير إلى أن الليبرالية امتداد للعلمانية.
يشرح المقطع عودة عبادة الأوثان قبل قيام الساعة مستشهدًا بحديث عائشة وحديث جرير بن عبدالله حول ذي الخلصة، ويؤكد أن الله لم يسلط عدوًا على المسلمين يستأصلهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان. وهذا باب مهم جدًا، لأن بعض القبورية الآن ينشرون أن الشرك لا يقع في هذه الأمة، مخالفين الشرع ومخالفين الواقع. أو لو سألتهم: طيب، هؤلاء الذين يدعون النبوة، يدعون كذا، هؤلاء ما هم؟ يقولون: مشركون. طيب، كيف ما يقع في هذه الأمة، وهذا مشركون وهم غرهم؟ ما جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أيس الشيطان أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم». فهذا الحديث يقولون: هذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنه لا شرك. ليس في الحديث أنه لا شرك، النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن الشيطان أيس، يأس أن يعبده المصلون. أنا من صلى لله عز وجل، فمستحيلًا يعبد الشيطان. أنا، لكن هذا ليس من الله، وليس هو من شرع الله، وليس هو من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وإنما هو إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بيأس الشيطان. والشيطان لا يعلم الغيب، الشيطان ما يعلم الغيب، فكيف نصدق الشيطان أو نقول: أن هذا لا يحصل في الأمة بسبب يأس الشيطان؟ هذا خطأ، وهذا فهم خاطئ جدًا. فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن يأس الشيطان. الشيطان لما رأى الناس أقبلوا على دين الله، وكسرت الأصنام، ولم يوجد من يشرك بالله شيء، خلاص الناس تركوا عبادة الأصنام، والتجأوا إلى الله، الشيطان دخله اليأس. قال: للعن مدام أن الناس يصلون ويعبدون الله، صعب أنهم يرجعون ويعبدون الأصنام، وصعب أنهم يشركون بالله بعد أن عرفوا دين الله. لكن ما معي إلا التحريش بينهم، وحرش بينهم، أجعلهم يقتل بعضهم بعضًا، ويهجر بعضهم بعضًا، ويغضب بعضهم على بعض، ولكن بالتحريش. فهذا معنى الحديث، وليس فيه أنه ليس في شرك في هذه الأمة. بل سيأتي في هذه الأحاديث أن الشرك موجود في هذه الأمة، وأن من اتباع السنن التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذُوا الْقُدَّةِ بِالْقُدَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍ لَدَخَلْتُمُوهُ». وهذا يدل على أن هذه الأمة يتابعون أهل الكتاب في كل شيء، ومن ذلك أنهم يشركون بالله، يقولون: أن عيسى بن الله. بل أيضًا حتى يعظمون أولياءهم، ويعظمون الصالحين، ويعبدونهم من دون الله، ويحلون لهم الحرام، ويحرمون لهم الحلال، فيتبعونهم على ذلك. فلهذا هذه الأمة تتبع تتبع الأمم السابقة من اليهود والنصارى. ولهذا المؤلف رحمه الله من فقهه ذكر هذه الآية في بداية هذا الباب، قال: وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. فالآن الشيخ ذكر هذه الآية في هذا الباب، الله عز وجل يخبر عن أهل الكتاب، والمؤلف يقول هنا: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان. والآية في أهل الكتاب. إيش استدلال الشيخ؟ استدلال الشيخ بالحديث الذي سيأتي: أن هذه الأمة تتبع سنن من. كان قبلها. ومن هذه السنن: أنهم يعبدون غير الله عز وجل. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ. الجبت هو السحر، والطاغوت: الطاغوت هو عبادة الأوثان، يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون: الذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا. فالآن الشيخ هنا استدل بهذه الآية؛ لأنه لأن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق. حتى لا يستغرب: كيف الشيخ ذكر هذه الآية في هذا الباب؟ ذكرها لأجل هذا، لأجل أنه ما دام أنه حصل في أهل الكتاب، سيحصل في هذه الأمة. وفعلًا الآن هذه الأمة اتبعت أهل الكتاب في الغلو في مثل هذه الأمور. قال: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. الآن وجه الشاهد من الآية: وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ. والمراد: أي الذين يعبدون الطاغوت. الذين يعبدون الطاغوت. معنى: هناك من أهل الكتاب من اليهود خاصة، من يعبد غير الله، من يعبد غير الله. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾. أنا شر عقاب، ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ﴾. فمن سنن اليهود والنصارى التي تبعهم المسلمون، أو من أسلم تبعهم فيها: هو اتخاذ عبادة الطاغوت. وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ. فهذا وجه الشاهد الذي أراده الشيخ من ذكر هذه الآيات. قال: قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾. فعلى هذه سنة اليهود والنصارى، بعض هؤلاء استدل بهذه الآية. يقول: الله أقرهم. لا، الله ما أقرهم، بل الله عز وجل أشار إلى أنهم مخطئون. وَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ. غلبوا على أمرهم، معناهم: الملوك الذين غلبوا أمر الناس، فهم الذين أتوا بهذه الفكرة. والله عز وجل قد أنكر عليهم في بداية الآيات. فلهذا قال: وَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا. على قبورهم نتخذ مسجدًا. فهذه سنة من؟ سنة اليهود، سنة اليهود والنصارى. قال: عن نبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍ لَدَخَلْتُمُوهُ». الضب: هذا معروف، الذي يكون مثل الوزغة الكبيرة، كبير سمين، يسمى ضب، يدخل الجحر له جحور، يدخل فيها. فهذا يقول: جحره صغير، لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. عن أنكم تتابعونهم في كل شيء. وهذا هو الواقع الآن، تجد أن هذه الأمة تتبع اليهود والنصارى في سننهم كلها. ما من شيء عند اليهود والنصارى إلا وقد فعل في هذه الأمة. بل هناك وجد لهم دعاء من زمن قديم، وجد لهم دعاء بين المسلمين. وأما الآن فالدعاء زاد، هؤلاء الذين يشيدون بحضارة اليهود والنصارى والكفار، يشيدون بحضارتهم، وأيضًا كذلك يرفعون من أخلاقهم. أخلاقهم من كذا، انظر إلى كذا في أوروبا، وانظر إلى كذا. معنى: أي شيء يعيب المسلمين، ويرفع أولئك. حتى قال بعض الإخوان المسلمين: قال: ذهبنا إلى أوروبا، فوجدنا الإسلام، ولم نجد المسلمين. وعندنا في بلاد الإسلام، وجدنا المسلمين، ولم نجد الإسلام. ننظر إلى هذه المقالة الخبيثة التي قالها هؤلاء. ظنوا أن هذه مقالة لها أثر. أنا قال: وجدنا الإسلام في أوروبا، لكن لم نجد المسلمين. وعندنا هنا وجدنا وجدنا المسلمين، ولم نجد الإسلام. يعني الإسلام مهم موجود عند العرب، وفي عند المسلمين، الإسلام قد رفع. بقية كفر، إذا كان الإسلام ما في موجود، معناه أنهم كفار. لكن هؤلاء قالوا: وجدنا المسلمين، لكن الإسلام لم نجده. ويريد أخلاق أخلاق الإسلام. مهم موجودة عند المسلمين، لكن موجودة عند الكفار. وهذا كذب، أي أخلاق عند الكفار، وهم مثل بهائم في شهواتهم، أكثر قوانينهم شهوانية، معناه: يفكرون في شهواتهم فقط. فأي أخلاق عندهم؟ وقد يكون عندهم شيء من الأخلاق في المعاملات، فهذا ممكن أن تكون حتى عند المسلمين، وإن فقدت مثلًا عن بعض المسلمين، ليس كلهم. فالمهم أن هذا يريد أن يتبجح بمثل هذا الكلام. ووجد كما قلنا من يدعو إلى تقليد هؤلاء الغرب والكفار، يدعو دعوة من المسلمين الآن: الحداثة، والليبراليين، والعلمانيين. غالبًا دعوتهم إلى هؤلاء. أنا أصل دعوتهم: يدعون إلى أن المسلمين يقلدون الغرب في كل شيء، حتى في الدين. ولهذا مسألة العلمانية هذه التي انتشرت بين المسلمين، أصلها من النصارى. العلمانية أصلها من النصارى، عندما قامت الثورة على الكنيسة في أوروبا، وفصلوا الدين عن الدولة. أنا قالوا: الدين في الكنيسة فقط، وأما الأحكام وكذا، هذا للدولة، ما له دخل الكنيسة. فتلقف هذه الفكرة كثير من من ينتسب للإسلام، وقالوا: الدين في المسجد، الدين في المسجد فقط. ويا ليتهم اكتفوا بهذا، لكن تجد أنهم يعادون دين الله، ويثنون على دين الكفار. كل شيء في الدين هنا يعادونه، لكن أديان الكفار ما يعادونها، يكونون معهم، حتى مع الإلحاد. ولهذا تجد العلمانية مالت إلى الإلحاد، العلمانية في آخرها مالت أو مالوا إلى الإلحاد، أكثر تطور بهم الأمر. ولهذا لما أدرك اليهود والنصارى والكفار: أن العلمانيين الآن أصبحوا أقرب للإلحاد، وهذا يضرهم، ليس يضرهم من ناحية أنهم يكونون من الملحدين، لا، يضرهم أن المسلمين ينفرون منهم. فجاءوا بالليبراليين، هؤلاء جاء الآن فرقة الليبرالية. الليبرالية هي أصل العلمانية، معنى: أصلهم علمانيين، لكن بطريقة أخرى. أن يدعون الإسلام، ويقولون: نحن من المسلمين كذا، ويتكلمون بالإسلام، لكن ينكرون أشياء كثيرة من أمور المسلمين. وخدمة للغرب، الغرب الآن ما يحبون الحجاب، حجاب المرأة، يريدون المرأة تتحرر. على معنى: تتحرر على معنى رأيهم، ليس تتحرر من الحجاب، وإنه تتحرر من الحلال. أن يريدون المرأة مثل ما تكون في الغرب، عندهم كل يوم مع واحد، شهر مع واحد. فالمهم أنهم ذكر الآن أكثر كلام الليبراليين على الحجاب، على الختان، على كذا، أكثر شيء على المرأة، متعلقون بالمرأة كثيرًا. ولهذا تأتي المنظمات هذه: اليونسيف، وغرها، لأجل نشر مثل هذه الأشياء عند النساء. وأيضًا يحرصون على النساء؛ لأجل أن تتبرج المرأة؛ لأن يعلمون أن تبرج المرأة فساد المجتمع، إذا تبرجت المرأة فسد المسلمون، وإذا فسدت المرأة فسد الرجل. فلهذا فهم يهتمون بهذا؛ لأجل أن يفسدوا أهل الإسلام. فالمهم أنه وجد لهم دعاء يدعون إلى طريقتهم. وهذا مصداق ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍ لَدَخَلْتُمُوهُ». قالوا: يا رسول الله، لليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ في رواية أخرى قالوا: يا رسول الله، فارس، الروم؟ قال: فمن؟ القوم إلا هم. قال: والمسلم عن ثوبان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله زوى لي الأرض، زوى: معنى جمع، زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها. وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها». أنا ما زوى لي منها، أي ما جمع لي، ما جمع لي منها، جمعت الدنيا كلها للنبي صلى الله عليه وسلم، فرأى مشارقها ومغاربها. قال: جمع الله عز وجل الأرض كلها، فرأى مشارقها ومغاربها، قال: «وإن أمتي سيبلغ ملكها». مثل ما زوى أو ما زوى لي منها، يعني ملك هذه الأمة سيكون سيغطي هذه الأرض. وفعلًا قد ملك المسلمون الأرض كلها، مشارقها ومغاربها، في المشرق إلى الصين، وفي المغرب إلى أوروبا وأمريكا. والإسلام كان في أمريكا قبل دخول هؤلاء الأوروبيين، قبل أن يدخلوا هؤلاء كان في أمريكا إسلام الهنود الحمر، هؤلاء مسلمون، وهم سكان أمريكا الأصليون، كانوا على إسلام. وما يذكرون عن هذا البحار كريستوفر كولومبوس، هذا الرجل شرير، قتل أهل الإسلام، وقتل المسلمين الذين كانوا في ذلك المكان. لكن هم ما يذكرون هذا، يذكرون فقط أنه اكتشفها، وما اكتشف شيء، دخل فيها هو ناس أصلا. بس هم يصورون للناس أن الهنود الحمر ما كان أحد يعرفهم، أنه ما كان أحد يعرفهم أبدًا. وهذا كذب، بل قد جاء المسلمون إليهم، وجاء الإسلام إليهم. لكن هم حاولوا أن يعموا التاريخ، ويحرقوا كثير من كتب التاريخ؛ لأجل أن يظهروا ثقافتهم وحضارتهم، وأنهم هم الذين اكتشفوا أمريكا. والمهم أن هذا كله من الكذب والتزوير، بل هذا كريستوف وكلومبوس لما دخل أمريكا قتل أكثر الهنود، وحاول أن يضل يضل يضل يضل الآخرين، حتى هرب بعضهم إلى الجبال، فكانوا يعيشون في الجبال غالبًا. لكن كان الإسلام فيهم، وقد ذكر بعض الرحالة في مذكراتهم من المسلمين: أنهم وجدوا في الهنود الحمر الإسلام، وانتشر الإسلام عندهم. وإنما قتلهم هؤلاء؛ لأجل أنهم من المسلمين، وإلا فما سيقتلونهم؟ لماذا يقتلونهم؟ ما في مبرر لقتلهم، وإنما قتلهم؛ لأجل أنهم من أهل الإسلام. قال: لهذا بعد ذلك أذنوا بالهجرة من أوروبا إلى أمريكا، وصارت أمريكا معنى محل لأهل أوروبا. قال: «وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وعطيت الكنزين الأحمر والأبيض». الأحمر هو الذهب، والأبيض هو الفضة. «وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة». بسنة عامة، معنى: جوع، السنة هي القحط، القحط معنى: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنه دعا الله عز وجل ألا يهلك هذه الأمة بسنة عامة، أي بالجوع؛ لأن الجوع مهلك وعذاب. فلهذا دعا الله عز وجل أن لا يهلكهم جميعًا بجوع. ولهذا جاء في الحديث في الصحيحين: أن نبيًا من أنبياء الله اغتر بقومه، اغتر بقومه، أنا رأى قومه كثير، اغتر بهم. فأوحى الله عز وجل إليه أن يختر إحدى ثلاث: إما أن يسلط عليهم عدوًا من غيرهم، فيستبيح بيضتهم، أو القتل، أو الموت، أو القتل بالجوع، أو الموت. فأن لا بد يكون فيهم موت، لكن اختر أحد الثلاث: إما أن يسلط عليهم عدو، وإما أن يقتلهم بالجوع، وإما أن يموتوا. يموتوا معنا مثلًا بسبب أو بدون سبب. فاختار الموت هذا النبي اختار لقومه الموت، لم يختر العدو، ولم يختر الجوع. فمات في يوم وليلة، أو في ثلاث، معنى: سبعون ألفًا. فلهذا فالجوع مهلك عظيم، وعذاب. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم شفقة على أمته، وحرصًا عليها صلى الله عليه وسلم، فكان يدعو ربه أن لا يهلك أمته بسنة عامة. قال: «وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم». معنى: عدو خارجي، ليس من المسلمين، من الكفار، فهذا العدو يستبيح بيضتهم. ليش؟ معنى: يستأصلهم جميعًا. هذا لا يوجد في المسلمين أبدًا، صحيح وجد من الكفار من تسلط على المسلمين في وقت الاستعمار وكذا، لكن ما وجد أحد أنه عدو قتل أهل الإسلام جميعًا، أو أباد الإسلام، لا أبدًا. منذ أن بعث الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم، والإسلام قائم، لكن يقوى ويضعف، يقوى ويضعف، لكن أهل الإسلام موجودون في كل وقت وحين. وإن كان بعض الوقات مثلًا ضعف الإسلام في وقت الاستعمار وكذا، لكن الإسلام باق، معنى: العدو موجود، وأمور الشرع مطبق، حاولوا أن يمنعوا في بعض الأماكن في الجزائر في تونس، ما استطاعوا يمنعوا أهل الإسلام من الصلاة، يمنعوا، كسروا المساجد، فرنسا لما دخلت إلى الجزائر كسرت المساجد، وكسرت، لكن ما استطاعوا أن ينهوا أهل الإسلام. بل قتلوا كما يقولون مليون مسلم، لكن الله عز وجل أعز دينه، ما استطاعوا أن يبيدوا أهل الإسلام أبدًا. حتى في الجزائر، معنى: الجزائر فرنسا حاقدة، وأهل الإلحاد لما دخلوا الجزائر دخلوا بشدة بقوة، أنا أرادوا يبيدوا أهل الجزائر، لكن سبحان الله ما استطاعوا، ما استطاعوا الآن، وبقي الإسلام في الجزائر قوي جدًا. حتى لما خرج أهل الفرنسيون ازداد الإسلام كثيرًا. لو لا أهل الإخوان المسلمين الذين احتووا الأمر، وقاموا بثورة، فصار تلك الفتنة العظيمة في الجزائر، وتشتت الناس، تشتت أهل الإسلام جميعًا، وإلا رأينا لما اجتمعوا مع جبهة الإنقاذ، مع لي بالحاج وكذا، معنى: ناس لا معنى على مد البصر كثير جدًا اجتمعوا، لكن ضيعوا هذا الجمع كله بهذه الثورة التي أقاموها. قاموا ثورة، وصارت صار الدولة معها فرنسا، ويضربون في الناس، ويقتلون. والمهم حصل ما حصل، وتشرد الناس، واختلطت الأفهام، وصار بعض من يدعي السلفية، وهو في الجبال يكفر الناس، ويقتل الجنود وغيرها، حتى تاب بعضهم وخرج. والمهم أن استقرت الأمور بعد ذلك. لكن انظر كيف أن هذا العدو الغاشم لم يستطع أن يبيض الإسلام. كذلك لما وجدوا هذا الأشياء أو فشلوا في الجزائر، وفي تونس، وفي المغرب، في المغرب العربي كله، لما دخلوا المشرق غيروا سياستهم؛ لأنهم ما استطاعوا في المغرب العربي أنهم يبيضوا الإسلام، ويقتلوا المسلمين. لكن لما دخلوا المشرق حاولوا أنهم لا يستخدمون القوة الشديدة، وإنما حاولوا أن يغزوا الناس بأناس من الجواسيس، وكذلك بأناس يعملون لهم، معنى: يغزونهم بالأفكار. ثم بعد ذلك رأوا أن جلوسهم عند المسلمين، واستعمارهم لا يجدي شيئًا، بل يكلفهم أموال. فلهذا خرجوا، ومنهم من خرج بثورة، ومنهم من خرج لنفسه. لكن وضعوا أشواكهم في المسلمين، وضعوا ناس يدعون لهم، ورأوا أن بث الأفكار في المسلمين أشد من الاستعمار. وهذا فعلًا معنى الآن الذي يقرب أهل الإسلام هو بث الأفكار هذه. فهذه الأفكار معنى: سمومها أشد من الاستعمار. لكن الله عز وجل ظاهر دينه، مع وجود كثرة من يغزون المسلمين، ويحاولون بكل قواهم، إلا أن الله عز وجل يعز دينه، ويظهر الإسلام، حتى في بلدانهم. وهذا أمر الله جل وعلا. فالمهم أن النبي صلى الله وسلم دعا الله عز وجل أن لا يسلط عدوًا على هذه الأمة يستبيح بيضتهم، أي: يستأصلهم. قال: «وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد». لا يرد قضاء الله عز وجل. «وإني أعطيتك لأمتك ألا يهلكهم بسنة عامة». أنا ما أميتهم بالجوع أبدًا. «وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها». لو اجتمع الكفار كلهم على المسلمين، ما استطاعوا أن يبيدوا أهل الإسلام، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا. في حديث المسجد الذي دعا فيه النبي عليه الصلاة والسلام، دعا بثلاث أشياء. قال: «دعوت ربي بثلاث، فاستجاب لي باثنتين، ومنعني واحد». دعوت الله عز وجل أن لا يسلط على أمتي عدوًا من غيرهم فيستبيح بيضتهم. ودعوت الله عز وجل أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، فاستجاب لي. ودعوته أن لا يجعل بأسهم بينهم. قال: فمنعني إياها. وهذا حكمة الله، وقضاء الله عز وجل. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. يلبسكم شيعًا، يجعلكم فرق تتناحرون بينكم. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. قال: «نعوذ بوجهك». قال: «أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ». قال: «نعوذ بوجهك». مع أن يكون عذاب من فوق، أو من تحت، يهلك الناس. قال: «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ». قال: «هاتاني أهوى، هاتاني أهوى». نبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذه قد منعه الله عز وجل إياها. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هاتان أهوى، هاتان أهوى» عليه الصلاة والسلام؛ لأن يأتي عذاب يغشى الناس، ويقتلهم مثل ما حصل في الأمم السابقة. أو يأتي عذاب من تحت، من الزلازل، والبراكين وكذا، فيقتل الناس. لكن اختار النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون بأسهم بينهم؛ لأن الله عز وجل قد قضى ذلك. فقال: «هاتاني أهوى، هاتاني أهوى» عليه الصلاة والسلام. قال: «وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا». قال: ورواه البرقاني في صحيحه. البرقاني له مستخرج على البخاري، فقوله في صحيحه، أي: في المستخرج؛ لأنه خرجه على صحيح البخاري. قال: وزاد: «وإنما خاف على أمتي ألا المضلين». إذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة. يعني: يعني يضرب بعضكم رقابة بعض. إذا وقع السيف في هذه الأمة لم يرفع إلى يوم القيامة. «ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين». وهذا هو وجه الشاهد، يعني: يلحقون بأهل الشرك، معناه: الشرك واقع في هذه الأمة. قالوا: «حتى تعبد في أمة الأوثان». وجه في الصحيح، صحيح البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات آل دوس عند ذي الخلصة». تضطرب، أي: تزاحم النساء عند ذي الخلصة، هذا الصنم، معناه: أن الشرك موجود أيضًا في هذه الأمة، وسيأتي أناس يشركون بالله، بل حتى بالأصنام، يعبدون الأصنام كما في هذا الحديث. وأيضًا يعبدون الأوثان من الأشجار، والأحجار، وغيرها. وهذا واقع. قال: «وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي». وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعد. «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة». أنا هناك أهل الحق، لا زالوا موجودين في كل وقت وحين، لكن يضعفون ويقون، ولا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى. فخلاصة هذا الباب: أن شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب أراد أن يبين: أن عبادة الأوثان واقعة في هذه الأمة، ولا محالة. وهذه الأدلة صريحة في أن طائفة من هذه الأمة يتبعون المشركين في شركهم، ويشركون بالله عز وجل، ويعبدون الأوثان. بل جاء في صاحب مسلم، في حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزة». لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزة. وهذا صريح أن الشرك موجود. لكن هل المراد النبي صلى الله عليه وسلم أن اللات نفسه يأتي الصنم هذا اللات، وهذه العزة؟ أم أن المراد ما يشبه هذا؟ وهذا ممكن، ممكن أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن اللات نفسها ترجع الصنم اللات والعزة يعاد. وممكن أنه المراد به مثله، مثل ما حصل في ذي الخلصة. لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الصنم، مع أنه قد كسره. قال لجرير بن عبدالله: يا جرير، ألا تريحني من ذي الخلصة؟ وذي الخلصة كان صنم في تبالة. أنا ليست تبالة هذا من العلماء من الباحثين من قال: تبالة هذه التي عندنا، بعض الباحثين قال: هي نفسها التي في حضرموت. لكن الصحيح الظاهر والله أعلم: أنها تبالة التي في نجران، التي يسمونها يقولون: أهوى من تبالة على الحجاج، هي في نجران منطقة سمى تبالة في نجران. كان ذي الخلصة فيها في الحجاز؛ لأنه ذكر ذي الخلصة أنه في الحجاز، ليس في اليمن. يعني لو كان في حضرموت سيكون بعيد جدًا على جرير. لكن جرير ذهب ورجع، الحديث يدل على أنه رجع بسرعة، فدل على أنها في الحجاز، كانت في تبالة هذه تبالة الحجاز أو تبالة التي في نجران. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» فذهب جرير وكسرها، كسر ذلك الصنم. لكن هذا الصنم نفسه يرجع. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات آل دوس عند ذي الخلصة». وأل دوس: هم سكان تبالة هذه، الله أعلم هل هذه تبالة أو تلك؟ لكن ظاهر الأدلة أنها تبالة الحجاز. وهنا عندنا ما عندنا آل دوس، آل دوس هناك في قريب نجران، وقريب جازان، معنا قبائل دوس قريب، معناهم من اليمن، لكن قريب هذه المناطق. فلكن هنا ما عندنا آل دوس، لكن العلم سيأتون، الله أعلم. صلى الله عليه وسلم. طيب، إن شاء الله نكفى هذا. هذه تبالة قديمة، آه قديمة هذه.