الدرس في كتاب النكاح والطلاق 15، ألقاها
الإيلاء هو حلف الزوج على ترك جماع زوجته، وهو محرم إذا كان بقصد الإضرار بها. إذا رجع الزوج قبل انتهاء المدة، فلا شيء عليه.
يشترط للإيلاء أن يكون من زوج يمكنه الوطأ، وأن يحلف بالله أو صفة من صفاته على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر. الإيلاء محرم لأنه يمين على ترك واجب.
إذا استمر الإيلاء أكثر من أربعة أشهر، يجب على الزوج إما الرجوع عن يمينه أو الطلاق. الأحكام تختلف حسب حالة الزوج والزوجة، وتشمل حالات الغضبان والمريض.
ذكر مثال لرجل أخطأ في نطق الشهادة بسبب شدة فرحه، وأوضح أن هذا اللفظ غير مقصود وغير معتبر، ثم ختم بالاستغفار والتسبيح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الخامس في الإيلاء. وكما مر معنا مرارًا أن الباب بمعنى الشيء الذي يدخل منه ويخرج، وهو إما أن يكون حسيًا، وهو المعروف الذي يدخل منه الناس ويخرج في بيوتهم ومساجدهم وغير ذلك، ومنه المعنوي، وهو ما يذكره العلماء رحمهم الله تعالى في كتب العلم. فقولهم الباب الخامس، أي مدخلٌ في الكلام على أحكام الإيلاء ومسائله. أولًا: تعريف الإيلاء لغةً، مأخوذٌ من الألية بمعنى اليمين، يقال: آل فلانٌ يولي إيلاءً وأليةً، أي أقسم. فهو بمعنى اليمين، بمعنى القسم. الإيلاء بمعنى اليمين أو بمعنى القسم. وشرعًا: أن يحلف زوجٌ بالله أو بصفةٍ من صفاته، وهو قادرٌ على ترك وطء زوجته في قُبُلها أبداً أو أكثر من أربعة أشهر. وكما ترون أن التعريف الشرعي متضمِّنٌ للتعريف اللغوي وزيادة، كالعادة في التعريف الشرعي مع التعريف اللغوي، أن التعريف اللغوي يكون عامًا، والتعريف الشرعي يقيد ذلك، يخصص ذلك العام ويقيد كذلك إطلاقه. فالإيلاء شرعًا: أن يحلف الزوج بالله تبارك وتعالى أو بصفةٍ من صفاته، فخرج أن يحلف غير الزوج. فلو حلف غير الزوج بأن لا يطأ امرأة ما، فليس هذا من الإيلاء، لأن الإيلاء لابد أن يكون من زوج. وأن يكون ذلك الزوج حلف بالله أو بصفةٍ من صفاته. ومعنى هذا أنه إذا حلف بغير الله تبارك وتعالى، كان يكون حلف مثلاً بالكعبة، بالنبي، بأبيه، بأمه، بشرفه، بأي شيء سوى الله تبارك وتعالى، فإن هذا اليمين أولًا من حيث الشرع والحكم لا يجوز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلف بغير الله تبارك وتعالى. من كان حلفاً فليحلف بالله، لا تحلف بآبائكم ولا بأمهاتكم. فأشاهد من هذا أن الإيلاء لابد أن يكون فيه الحلف بالله تبارك وتعالى أو بأسمائه أو بصفاته، وأن يكون ذلك الزوج قادرٌ على الوطأ. ومعنى ذلك: إذا كان الزوج غير قادرٍ على الوطأ، كأن يكون عنيناً أو مجبوباً أو فيه عاهة أو مرض لا يستطيع معه إتيان إمرأته، فحلف على أن لا يقربها، فهذا ليس من الإيلاء على الراجح من أقوال العلماء. قالوا: على ترك وطئ زوجته، فلو أنه ترك حلف على ترك كلام إمرأته مثلاً، فهذا ليس بمولي، لأن العبر بالإيلاء أن يكون حلف على أن لا يطأ امرأته، على وطأ، وأن يكون هذا الوطأ في مكان الحرث، في قبلها. فلو أنه حلف على غير ذلك، لم يكن كذلك إيلاءً. وأن يكون قالوا: أن يكون في قبلها أبداً، أو أكثر من أربعة أشهر. فلو أنه حلف أن لا يطأ امرأته أقل من أربعة أشهر، يعني مدة ثلاثة أشهر مثلاً، أو شهر، أو شهرين، أو يوم، أو يومين، أو ما شابه ذلك، فهذا ليس بإيلاء، أي لا يترتب عليه أحكام الإيلاء. وإن كان من حيث المعنى هو أقسم على أن لا يأتي امرأته. قالوا: أو أكثر من أربعة أشهر، فلو أنه حلف دون أربعة أشهر، فلا يكون موليًا. لذا هذا التعريف كما تروا فيه تبيين لمعنى الإيلاء شرعًا. وقد ذكر بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى أن الإيلاء لا بد أن يتوفر فيه، أو أن أركان الإيلاء ستة. ذكروا أن للإيلاء أركاناً ستة، أولها المولي، وهو الزوج. ثانيها: الحالف الذي هو الزوج، وثانيها المحلوف عليها، وهي الزوجة. والثالث: المحلوف به، وهو القسم بالله تبارك وتعالى بأسمائه أو بصفاته. الرابع: المحلوف عليه، وهو وطء الزوجة في قبلها. الخامس: المدة، أي أن تكون المدة في أكثر من أربعة أشهر، أو قل أربعة أشهر فما فوق، أن يقسم على أن لا يأتيها أربعة أشهر فما فوق. حالف ومحلوف عليها ومحلوف به ومحلوف عليه ومدة الحلف. وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226 - 227]. الشاهد: قول الله تبارك وتعالي: ﴿الَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي يحلفون أن لا يأتوا نساءهم في مكان الحرث. ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي على النساء يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر. ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي إن رجع الزوج فوطى امرأته، فإن الله غفور رحيم. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ استدل به بعض أهل العلم على أن الإيلاء من الزوجة بقصد الإضرار محرم، فإن رجع فإن الله غفور رحيم. وإن لم يرجع فإن الله سميع عليم، فاستدلوا به على أن في قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي غفور مما صدر منه من الإثم، وأيضا لما فيه من الإضرار بالمرأة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار». لكن استثنى العلماء رحمهم الله تعالى ما إذا كان ذلك الإيلاء لأجل تأديب المرأة. كأن تكون المرأة لا تقوم بحقوق الزوج، أو لا تقوم بحقوق الله تبارك وتعالى، فاحتاج الزوج إلى تأديبها في ذلك، فقالوا: لا بأس بذلك، لكن بشرط أن لا تتعدى المدة لأربعة أشهر، وبشرط كذلك أن لا يمتنع من كلامها، ولكن يهجرها في المضجع، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهَجَرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم آل من نسائه شهرا، وهو بهذا القصد وبهذا الغرض. فإذا كان بهذا القصد وبهذا الغرض، فلا بأس في ذلك، لأن القصد منه إرجاع المرأة إلى سواء السبيل، وإلى طريق الاستقامة، بتأدية حق الله تبارك وتعالى، وبتأدية حق زوجها. وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ استدل من استدل من أهل العلم بأن مضي الأربعة الأشهر في الإيلاء لا يكون طلاقا بمجرده، ولكن لا يكون طلاقا إلا بعد أن يعزم الزوج على الطلاق، لقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. قالوا: فقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يدل على أن الطلاق يقع بلفظ يسمعه ربنا تبارك وتعالى، كما يسمعه العباد ممن حضر ذلك الطلاق، ويعلمه الله تبارك وتعالى كما علمه من حضره من أولئك العباد. وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قالوا: فقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يدل على أن الطلاق يقع بلفظ يسمعه ربنا تبارك وتعالى. كما يسمعه العباد، بل علم الله تبارك وتعالى وسمعه أتم وأكمل. وهذا هو الراجح من قولي العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة، والذي عليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى. وهي: هل بمضيء الأربعة الأشهر إذا لم تحصل فيئة يحصل الطلاق؟ أم أنه لابد من تطليق من الزوج؟ قولان مشهوران من عهد الصحابة رضي الله عنهم. وهذين القولين سرأ فيمن بعد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. فمن أهل العلم قال: إذا مضت الأربعة الأشهر ولم يفئ الرجل إلى امرأته، فإنها تطلق بمجرد مضي الأربعة الأشهر. ومن أهل العلم قال: لا، إذا مضت الأربعة الأشهر، يقال للزوج من قبل الحاكم: إما أن تطلق، وإما أن تطأ امرأتك. فإن وطأها، فإنها زوجة له لا تطلق. وإن طلقها حصل الطلاق. وإن امتنع عن هذا وذا، قال: أجبره الحاكم. فإن امتنع، طلق الحاكم عنه، لأن هذا مما يدخل فيه التوكيل والوكالة. ولما فيه من الإضرار بالمرأة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار». فهذا هو الراجح من قولي العلماء رحمهم الله تعالى: لابد من تطليق، حتى تكون المرأة قد فارقت زوجها. بعد ذلك: شروط الإيلاء. أولًا: أن يكون من زوج يمكنه الوطأ، فلا يصح من عاجز عن الوطأ لمرض لا يرجاء برؤه، أو شلل، أو جب كامل، كما تقدم معنا. لأن مثل هذا ليس عنده قدرة على أن يطأ المرأة. فلو أنه حلف على ترك الوطأ، لكان حلفه تحسيل حاصل. لماذا؟ لأنه ليس في معنى الإضرار بالمرأة، لأنه لا يستطيع على الوطأ. وقولهم: أو جب كامل، المجبوب هو الذي قطع ذكره. فقولهم: جب أو جب كامل، أي إن قطع فلم يبقى معه شيء. فهذا لا يعتبر إيلاءه. فلو حلف على ترك جماع أهله، لكان لغوا لا يكون إيلاء. لكن كما ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى: لو بقي معه شيء قدر الحشف فما فوق، وحلف، فإنه يقع منه ذلك الإيلاء. الأمر الثاني، أو الشرط الثاني: أن يحلف بالله أو صفة من صفاته، لا بطلاق أو عتق أو نذر. بمعنى أن الحلفة المعتبر ها هنا أن يكون بالله أو صفة من صفاته. كان يقول مثلاً: والله، بالله، تالله، لا أجامعك أبداً، أو لمدة عام، أو ما شابه ذلك. أو يقول: والذي نفسي بيده، لا أقربك أبداً، أو ما شابه ذلك من التعبيرات بالإخسام بالله أو بصفة من صفاته. لا بطلاق أو عتق أو نذر. وهذا الأخير كذلك فيه خلاف، يعني لو قال: إن جامعتك فامرأتي طالق، لمدة عام. أو يقول: لا أجامعك لمدة عام، فإن جامعتك فامرأتي طالق. أو يقول: عبدي طارق أطالق. أو يقول: عبدي حر، طليق، حر، طليق. أو يقول: علي كذا وكذا نذر. فهل يقع هذا؟ أم لا يقع؟ هل يقع هذا الإله؟ أم لا يقع؟ قولان للعلماء رحمهم الله تعالى. فمنهم كما سمعتم، كما هو الحال عندنا ها هنا قول: لا يقع، لأنه ليس بحلف بالله، ولا بأسمائه، ولا بصفاته. ومن أهل علم قال: بأنه وإن كان كذلك، لكنه في قوة الحلف، لأن معنى الحلف العزيمة على أن لا يفعل شيئا، أو على أن يفعل شيئا. وهذا التعليق بالشرط، وبوصف ما هو في معنى هذا، في معنى هذا، لذا يأخذ حكمه. وهذا القول وجيه، عليه تدل عمومات كثيرة، تدل عليه عمومات كثيرة. في هذا المعنى، منه ما جاء في سنن أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «من حلف بالله فقال: أنا بريء من الإسلام، إن كان كذا وكذا، قال: إن كان صادقا، فالأمر فيه ماذا واضح. وإن كان كاذبا، فلن يرجع إلى الإسلام بسلامه». أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. الأمر الثالث: أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر، كما تقدم. فلو أنه حلف دون ذلك، فلا شيء عليه، ليس بإيلاء، يعني ليس بإيلاء ليترتب عليه أحكام الإيلاء. وفي مثل هذا قال علماء: الأولى في حقه إن قصد بذلك الإضرار، أن يرجع عن ذلك. لو أن رجلا حلف بالله تبارك وتعالى أن لا يأتي امرأته أسبوعا مثلا، أو شهرا مثلا. ما هو الأولى في حقه؟ أن لا يأتيها شهرا كما حلف، أو أن يأتيها، وأن يكفر عن يمينه؟ الجواب: أن عليه أن يأتيها، وأن يكفر عن يمينه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لا أحلف على شيء، فأرى غيره خيرا منه، إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني». والأمر كذلك هاهنا، ففرق بين أن يريد التأديب، فيمكث حتى تمضي المدة، كما حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبين أن يريد الإضرار، إن أراد الإضرار، عليه أن يرجع عن ذلك اليمين، وأن يكفر عن ذلك اليمين. دال: أن يحلف على ترك الوطأ في القبل، أي الفرج. فلو حلف على ترك الوطأ في الدبر، لم يكن موليا، لأنه لم يترك الوطأ الواجب. وهذا كذا، وهذا أيضا أمر واضح، لأن الثاني يجب عليه أن يتركه، بخلاف الأول، فإنه يجب عليه أن يأتي امرأته بالمعروف. الأمر الهاء: أن تكون الزوجة ممن يمكن وطأها. أما المرأة المتعذر وطأها، كالرتقاء والقرناء. الرتقاء: قالوا هي التي انضم فرجها، والتصق، فلا يمكن جماعها. من الرتق الذي هو ضد الفتق. فهذه المرأة يكون فيها عاهة، لا يستطيع معها الزوج أن يأتيها. والقرناء: قالوا هي المرأة التي في فرجها مانع يمنع من ولوج الذكر فيه، إما غدة غليظة، أو لحمة متصلة، أو عظم. قالوا: فلا يصح الإيلاء منها، لماذا؟ لأنه أصلا لا يستطيع إتيانها. حكمه: حكم الإيلاء. قالوا: الإيلاء محرم في الإسلام، لأنه يمين على ترك واجب. ما هو الواجب؟ أن يأتي امرأته بالمعروف، لأنه من حق الزوجة على زوجها. قال: فإذا أقسم الزوج على عدم جماع زوجته أبدا، أو أكثر من أربعة أشهر، فهو مول. فإن حصل منه وطء لها، وتكفير عن يمينه، قبل انتهاء الأربعة الأشهر، فقد فاء، أي رجع إلى فعل ما تركه. والله يغفر له ما حصل منه. وإن أبى أن يطأ بعد مضي المدة، وطلبت المرأة ذلك منه، فإن الحاكم يأمره بأحد أمرين. أولًا: الرجوع عن يمينه، ووطء زوجته، ويكفر عن اليمين. الثاني: أو الطلاق. قاله: إن أبى إلا التمسك بيمينه، أي رفض الطلاق، ورفض أن يطأ امرأته، وأن يرجع إلى امرأته. قاله: فإن رفض الأمرين السابقين، فإن القاضي يطلق عنه، أو يفسخ، لأنه يقوم مقام المولي عند امتناعه. والطلاق تدخله النيابة. فإن انقضت مدة الإيلاء، وبأحد الزوجين عذر يمنع الجماع، مضت الأربع الأشهر. قال: الحاكم: راجعها. لكن الزوج مريض، كان حينها لا يستطيع إتيان امرأته. أو كانت المرأة مريضة، لا يستطيع زوجها إتيانها، فما الحكم ها هنا؟ قالوا: فإن انقضت مدة الإيلاء، وبأحد الزوجين عذر يمنع الجماع، أمر الزوج أن يفيئ بلسانه، أي أن يرجع عن يمين بلسانه، فيقول: متى قدرت جامعتك. لأن القصد بالفيئة: ترك ما قصده من الإضرار بها. والحق الفقه بالمولي في هذه الأحكام: من ترك وطء زوجته إضرارا بها، بلا يمين، أكثر من أربعة أشهر، وهو غير معذور. يعني هذا من الإلحاق، إلحاق الحكم بنظيره. لو أن رجلا ما حلف على أن لا يطأ امرأته، لكنه تعمد ترك امرأته أربعة أشهر فأكثر، تعمد ترك امرأته أربعة أشهر فأكثر. فهذا كما قال علماء رحمهم الله تعالى: يكون حكم المولي، حكم المولي. بمعنى أن للمرأة أن تطاربه: إما بالفيئة، أي بالرجوع إليها، بأن يطأها. وإما أن يطلقها. فإن ترافع الحاكم، ألزم بذلك إلزاما، إما أن يطأها، وإما أن يفارقها. إن أرادت المرأة ذلك. وهذا في جميعها، في جميع الحكمين، يعني سواء كان في الإيلاء الصريح، أو كان في الإيلاء الحكم. بمعنى أن المرأة لو جاءت المدة مثلاً، وهي لا تريد أن تفارق زوجها، زوجها ممتنعاً الرجعة، وهي تقول: أنا أصبر. فلنقول: يلزم الحاكم أن يأمره بالفراق؟ الجواب: لا، ما دامت هي صابرة، هي متنازلة عن حقها. لكن الكلام ها هنا: إذا طالبت، إما أن يعطيها حقها، وإما أن يفارقها. فالرجل بين أمرين، والحاكم بين حكمين، بالنسبة لهذه المرأة: إما أن يرجعها زوجها، فيطأها. وإما أن يفارقها بطلاق. الرابع من أحكام الإيلاء، قالوا: ينعقد الإيلاء من كل زوج يصح طلاقه، مسلماً كان أم كافراً، حراً أم عبداً. ومن الغضبان والمريض. ومن الزوجة التي لم يدخل بها، لعموم الآية. لكن مع تنبيه هنا: أن الكافر لا يدخل في قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ الرَّحِيمُ﴾ لأن الكافر كافر، لا ماخرة له، ولا رحمة. ولكن المعنى يدخل في العموم، بمعنى أنه إذا آل من نسائه، تترتب عليه أحكام الإيلاء. إما أن يراجعها بعد الأربعة إلى الأشهر، وإما أن يفارقها. وقوله: «ومن الغضبان». كما تقدم معنا في تفصيل الغضبان: من أن الغضبان على قسمين. وألحق به قسم ثالث، كما مر معنا في طلاق الغضبان. غضبان مطبق، لا يدري ما يقول، ولا يعقل ما يقول أصلاً، أشبه ما يكون بالمجنون. فهذا أقواله وأفعاله غير معتبرة، لأنهم أشبه ما يكون بالمجنون. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة، ومنهم المجنون حتى يفيق». وهذا حكمه. الحال الثاني: يكون ذلك الغضبان يعي ما يقول غضبا، لكن يعي ما يقول. فهذا إيلاؤه معتبر، كما تقدم معنا كذلك في طلاقه أنه معتبر. وقسم ثالث: وسط بين هذا وذا، وهو ما إذا حصل منه الإيلاء، وهو في شدة الغضب، لكنه خرج منه اللفظ دون أن يريد، ودون أن يقصد ذلك اللفظ، دون أن يقصد ذلك. يعني أشبه ما يكون بسبق اللسان. فهذا هل يلحق بالحكم الأول، أو بالحكم الثاني؟ الذي مال إليه العلامة إبن القيم رحمه الله تعالى: أنه يلحق بالقسم الأول، لأن العبر بالألفاظ بمقاصدها قصد اللفظ. وهذا ما قصد اللفظ، ولا عناه. وقوله: «ومن الزوجة التي لم يدخل بها» لعموم الآية. يعني سواء آل الرجل من زوجته المدخول بها، أو من زوجته الغير مدخول بها. لماذا؟ لأنها زوجة. والله تبارك وتعالى يقول: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فما دام أنها في عقده، فهي من نسائه، دخل بها أو لم يدخل بها. فيترتب عليها جميع أحكام الزوجات. قال: في هذا التشريع أيضا من الأحكام: في هذا التشريع الحكيم من الله سبحانه، بأمر المولي بالوطء أو الطلاق، إزالة للظلم والضرر عن المرأة. وإبطال لما كان عليه في الجاهلية من إطالة مدة الإيلاء، لأنه تنزيل من حكيم حميد، تنزيل من الله رب العالمين تبارك وتعالى. قال: لا ينعقد الإيلاء من مجنون، أو مغمى عليه، لعدم تصورهما ما يقولان، فالقصد معدوم منهما. وقبل ذلك: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة، ومنهم المجنون حتى يفيق». والمغمى هو في حكم المجنون، أو في حكم النائم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «رفع القلم عن ثلاثة، عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ». فالمغمى عليه يدور بينهما، كما يقول فقهاء رحمه الله تعالى، باعتبار قلة الإغماء، وطول مدة الإغماء وقلتها، وقصرها. فبعض أهل العلم من يلحق المغمى به بالمجنون مطلقا. ومنهم من يلحقه بالنائم مطلقا. ومنهم من يفصل، فيقول: المغمى عليه إذا كان مغمى عليه فترة قصيرة، كفترة النوم، فهو في حكم النائم. وإن كان في مدة طويلة، هي فوق مدة النوم، فإنه يلحق بالمجنون. فهذا التفصيل حسن. فالحاصل: المجنون والمغمى عليه، ومن كان في معناهما ممن لا قصد له. ومن كان في معناهما ممن لا قصد له، فإنه يلحق بهما، كالصبي مثلا. الصبي لو أن طفلا تزوج، زوجه أبوه بامرأة، فآل على ذلك. هذا غير معتبر، لأنه لا قصد له. كذلك لو أن رجلا خرج منه لفظ الإيلاء من شدة الفرح، أو من شدة الغضب، كما تقدم، وهو لا يقصد ذلك اللفظ. كذلك الرجل الذي قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك»، أخطأ من شدة الفرح. هذا اللفظ غير مقصود، فغير معتبر. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.