شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 33

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف السحر وحكمه في الإسلام

يناقش تعريف السحر في اللغة والشرع، ويبين حكمه الشرعي بناءً على آراء العلماء. يعتبر بعض العلماء السحر كفرًا إذا استعان بالشياطين، بينما يرى آخرون أنه قد يكون فسقًا إذا كان باستخدام العقاقير والأدوية.

حد الساحر وحكم قتله واستدلالاته الشرعية

يتناول حكم الساحر وحدّه وفقًا للشريعة الإسلامية، حيث يُقتل سواء كان كافرًا أو غير كافر. يستدل العلماء بذلك من خلال أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم، مثل جندب بن كعب وعمر بن الخطاب.

تفسير الآيات المتعلقة بالسحر والطاغوت ووجوب قتل الساحر

يناقش تفسير بعض الآيات القرآنية المتعلقة بالسحر والطاغوت، ويشرح معنى الجبت والطاغوت والفرق بينهما. يتطرق أيضًا إلى حكم الساحر ووجوب قتله دون استتابة.

وجود السحر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد عمر بن الخطاب

يذكر وجود السحر واستخدام الجن فيه عند بعض المسلمين، ويشير إلى حادثة سحر النبي صلى الله عليه وسلم على يد لبيد بن الأعصم اليهودي، وكذلك وجود السحر في عهد عمر بن الخطاب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: باب ما جاء في السحر. وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَد عَلِموا لَمَنِ اشتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾، وقوله: ﴿يُؤمِنونَ بِالجِبتِ وَالطّاغوتِ﴾. قال عمر: بالجبت؛ أي السحر، والطاغوت: الشيطان. وقال جابر: الطاغوت: الكاهن كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحدًا. في باب السحر، والسحر المراد به في اللغة: ما خفي ولطف، يقال: سحر. وفي الشرع: هو عمل خفي غالبًا ما يستعان به بالجن والشياطين. وقوله جل وعلا: ﴿وَلَقَد عَلِموا لَمَنِ اشتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾؛ أي: من فعله ومن قال به، ليس له في الآخرة من خلاق؛ أي: حظ، لأنه من أهل النار، من أهل الخسارة. وقوله: ﴿يُؤمِنونَ بِالجِبتِ وَالطّاغوتِ﴾؛ الطاغوت: هو الشيطان، والجبت: السحر. والسحر من الأشياء المحرمة التي جاء تحريمها بالكتاب والسنة. ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أَحَدٍ حَتّى يَقولا إِنَّما نَحنُ فِتنَةٌ فَلا تَكفُر﴾؛ فلهذا السحر محرم، لكن هل هو كفر أو ليس بكفر؟ فهذا خلاف بين العلماء، فمنهم من فصل، ومنهم من قال: إنه كفر بالاطلاق، ومن فعله فهو كافر. قال بعض العلماء: إنه كفر؛ لأنه استعانة بالشياطين. لكن هناك من السحر ما لا يكون فيه شيء من الاستعانة، مثل السحر بالعقاقير والأدوية، يكون أيضًا من السحر. فلهذا جاء الإمام الشافعي؛ إنه قال: إن السحر إن كان من استعانة بالشياطين فهو كفر، وإن كان بالعقاقير والأدوية فهو فسق، ليس كفرًا. واختلف العلماء في الساحر؛ فالجمهور على أنه يعتبر كافرًا. وبعضهم قال: بحسب سحره، وهو قول الشافعي كذلك؛ إن كان استعانة بالجن والشياطين فهو كفر وشرك، وإن لم يكن فيه استعانة، وإنما عقاقير فقط وأدوية، فهو ليس كافرًا. وأما الإمام أحمد، عنده: كافر، سيأتي حكمه في ناحية الحد. قالوا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». وجه الشاهد: أن السحر جعله من الموبقات المهلكات. وهل ذكره مع الكبائر لا يدل على كفره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الشرك بالله، فلا يدل على عدم كفره، بل يعتبر كفرًا. من سحر الناس أو تعلم السحر؛ كما في حديث عائشة، يقول: «من تعلم السحر تعلم شعبة من النجوم»، زاد ما زاد: «سيتعلم علم النجوم»، وهو علم من علوم السحرة. ثم ذكر تفسير هذه الآية: ﴿يُؤمِنونَ بِالجِبتِ وَالطّاغوتِ﴾؛ يريده الكتاب: يؤمنون بالجبت؛ أي بالسحر. انتشر عندهم السحر عند اليهود خاصة، مثل ما حصل في أيام قوم موسى مع فرعون لما جاء بالسحرة، لكن السحرة أسلموا؛ لأنهم وجدوا أن الذي مع موسى ليس سحرًا. قال: وعن جندب، وعن جندب مرفوعًا: «حد الساحر ضربة بالسيف»، رواه الترمذي، وقال: صحيحًا أنه موقوف. حديث جندب، وقيل: إن جندب هذا هو جندب الخير، يقال له: جندب الخير، وليس هو جندب بن عبد الله البجلي، ولا جندب بن سفيان؛ هذا جندب الخير. فهذا الحديث جاء من طرق عن جندب، وهي صحيحة، لكن في بعض أسانيده ضعف. وذكر في رواية الترمذي: أن جندبًا رأى الناس مجتمعين في مكان، فلما رأى رجلًا يدخل من فم البقرة ويخرج من دبرها، ويدخل من دبرها ويخرج من فمها؛ يعني: يخيل للناس هكذا. فقام جندب لما دخل هذا الساحر البقرة، قام وجاء بسيفه فقطعها؛ يعني: جاء بالسيف من نصفها وقطعها مع الساحر؛ يعني: ما وجدوا الساحر إلا وهو مرمي. وقرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَأَلقوا السِّحرَ وَما أَلقَوا السِّحرَ وَما أَلقَوا إِلّا عَينَ السّاحِرِ وَلا يُفلِحُ السّاحِرُ حَيثُ أَتى﴾، يعني: كيف تنظرون إلى السحر؟ مثل ما أنكر الله عز وجل أنكر موسى على قومه. ويقال: إن هذا الساحر كان له صلة ببعض أمراء بني أمية، ظهر أنه الوليد بن عبد الملك؛ فلهذا عاقب جندب بأن حبسه، لكن لم يدم طويلًا وأخرجه. في هذا الحديث: حد الساحر، ما هو حد الساحر؟ هذا أيضًا المسألة في خلاف بين العلماء؛ فمن قال: إنه كافر، يعتبر حده حد كفر، ردة. ومن قال: إنه ليس بكافر إلا إذا كان استعان بالجن، فإذا كان لم يستعن بالجن، فيقال: إنه فاسق، وليس بكافر، ولكن يقام عليه الحد؛ لأن الحد هنا قد حصل اتفاق بين الصحابة بحده. فلهذا قال العلماء: إنه يحد، سواء كان قلنا كفرًا أو غير كفر؛ وهو يحد بضربة بالسيف. وأيضًا كذلك إذا كان كافرًا أو ليس بكافر، يعتبر هذا حكم حده حد الساحر. واتفق أو جاء آثار عن الصحابة، ولم يأت ما يخالف؛ جاء عن حفصة بنت عمر أنها قتلت الساحرة جارية كانت لها سحرتها فقتلتها. وكان أيضًا عمر أرسل إلى بعض نوابه لما اشتكى إليه أن هناك ساحرة ظهروا، قال: «اقتلوا كل ساحر وساحرة». ولهذا لما سئل الإمام محمد عن حد الساحر، قال: جاء عن ثلاثة من الصحابة؛ جاء عن عمر، وعن حفصة بنته، وكذلك عن جندب الخير؛ فقال: جاء عن ثلاثة من الصحابة قتله؛ أنه يقتل. وعلى الصحيح أيضًا: أنه بدون توبة يقتل؛ معنى: ما يترك، بل يقتل بسرعة. فهذا خلاص ما يقال في الحد: فهو يقتل، سواء كان كافرًا أو ليس بكافر يقتل. وهل يجوز أن يقتل غيلة؟ معنى: يقدر به، معنى: كيف؟ لأنه مهماشر، معنى: بدون أن يحس، معنى: يقتل تعرف الاغتيال من وراء هذا آمن وراء، أو مثلًا بدون أن يشعر وهو معاشر في الطريق يحمل، مثلًا يرمى في مكان، هذا يسمى اغتيال ويسمى غيلة. كثير من أهل العلم يقول: لا، لابد أن ينفذ الحكم فيه الحاكم. وهذا قال جمهور العلماء: إنه لابد أن ينفذ هذا الحكم هو حد من الحدود ينفذه الحاكم، لا ينفذه الإنسان من نفسه؛ لأن هذا يجر إلى الفساد، معنى: أقصد فساد المجتمعات، كل من أراد أن يقتل أحد قتله. قال: في صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب أن يقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر. وصحت الحفصة رضي الله عنها أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت. وكذلك صح عن جندب، قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: جندب، وحديث عمر، وحديث عائشة؛ فهذه ثلاثة أو ثلاثة من الصحابة قالوا بقتل الساحر: عمر، وحفصة، وكذلك أيضًا جندب. قال: فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة، وهي قوله: ﴿وَلَمَنِ اشتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾، وأيضًا قوله جل وعلا قبل ذلك: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أَحَدٍ حَتّى يَقولا إِنَّما نَحنُ فِتنَةٌ فَلا تَكفُر﴾. قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؛ فيه معناه أقصد في النهر في السحر في الأحاديث. قال: تفسير آية النساء: ﴿يُؤمِنونَ بِالجِبتِ وَالطّاغوتِ﴾؛ لم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت. الجبت: السحر. وما فسره عمر رضي الله عنه. قال: تفسير الجبت والطاغوت، والفرق بينهما: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. والفرق بينهما: أن السحر قد يكون بواسطة الشياطين، وقد يكون بغيرهم، والشيطان عم فيدخل في السحر والغواية. قال: الرابع: أن الطاغوت قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس؛ قد يكون الطاغوت من الإنس كما جاء في قصة كعب بن الأشرف، فسمي طاغوتًا. كعب بن الأشرف اليهودي الذي كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ويجعل جوار يغنينا في هجو النبي عليه الصلاة والسلام، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلم، وكان أخوه عبد الله بن عتيق، وجماعة من الصحابة فقتلوه؛ هؤلاء الطواغيت الذين يأمرون الناس بعبادتهم. والطاغوت: كما قال بالنماء بالقيم: هو كل من تجاوز حده من معبود أو متبوع أو مطاع. قال: الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي. السادسة: أن الساحر يكفر، هذا تكلمنا عليه. السابع: أنه يقتل ولا يستتاب، ولا يقتل حد الردة أو حد السحر، لكن لا يستتاب؛ لأنه لو قلنا حد الردة، معنى: حد الردة كثير من أهل العلم يقولون: إنه يستتاب، لكن هنا المراد: أنه بدون توبة يقتل مباشرة. معنى: ما يقال له: توب وإلا قتلناك، لا هو تعلم السحر والعمل بالسحر يعتبر خلاص حد مثل الزاني، مثل الزاني مثلًا هل يقال له: يحذر مثلًا التوبة؟ لا، يقام عليه الحد. السارق أيضًا يقام عليه الحد، أشار بالخمر يقام عليه الحد، ما يقال له مثلًا: خلاص التبت تركناك. ليس مثل مثلًا قاطع الطريق، قاطع الطريق إذا قبض عليه وتاب، تاب الله عز وجل عليه، ما يقام عليه الحد، لكن إلا إذا كان قد زن أو سرق أو قتل، إذا كان عليه شيء من هاجل جراعي يقام عليه الحد، وإلا لم يكن عليه شيء وتاب، قال: أنا خلاص تبت من هذه العمل، وكذا ما في شيء ما يقام عليه. فهذا الفرق بين الردة وغيره، ولهذا القول الصحيح: أنه لا يفرق بين من كان مسلمًا أو كافرًا أو سوى كان قلنا حد ردة أو حد كفر، فكله سوى يقام عليه الحد. وغالب هؤلاء توبتهم صعبة؛ هؤلاء توبتهم صعبة لماذا؟ لأن الجن إذا سخروا لبعض الناس، فتجد أنهم ما يخدمونهم إلا بمقابل. عن الجن: من عاداتهم أنهم لا يخدمون الإنس إلا بمقابل: ﴿رَبَّنا استَمتَعَ بَعضُنا بِبَعضٍ وَبَلَغنا أَجَلَنا الَّذي أَجَّلتَ لَنا﴾، قال: ﴿النّارُ مَثواكُم خالِدينَ فيها﴾؛ معنى: لا يظن الظان أن الجن يخدمونه بدون مقابل. معنى: بعضهم بعض السحر يقول: أنا الجن عندي أتصر فيهم في أي وقت أعمرهم يتبعوني، يظن أنه ملكهم كما يقول مالك جن، لكن هم يذلونه من ناحية عبادته، من ناحية أيضًا أنه يتقرب إليهم بالقربان. ولهذا تجد عندنا نعرف ناس يستخدمون الجن في السحر وغيره، فإذا كان عندهم أعراس أو عندهم كذا لابد أن الجن يأخذون لهم النصيب الأوفر. قال: الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر، فكيف بعده؟ على وجود السحر، بل وجده في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ سحران النبي صلى الله عليه وسلم سحره لبيد بن الأعصم اليهودي.