التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 64

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 64

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 64، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير الإسلام من الغلو ومخالفة الكفار

حذر الإسلام من الغلو في الدين ومخالفة أهل الكفر في تفريقهم بين الأشراف والضعفاء في تطبيق الحدود، وأمر بتسوية الحدود بين الناس بغض النظر عن مكانتهم. هذا التحذير يأتي في سياق الحفاظ على العدالة وتطبيق شرع الله بالتساوي.

أهمية تطبيق الحدود على الجميع

يؤكد الإسلام على تطبيق الحدود على الجميع دون استثناء، ويشير إلى قصة يهودي محكوم عليه بالجلد والتحديم، وكشف النبي عن تغيير اليهود لحكم الرجم في كتابهم. كما ثبت أن النبي أحيا أمر الرجم وأنه ثابت عنه.

تفسير الآيات المتعلقة بالكفر والظلم

يفسر المقطع الآيات القرآنية المتعلقة بالكفر والظلم والفسق، ويبين اختلاف الخوارج وأهل التكفير مع السلف في تفسير الكفر المخرج من الملة. كما ينتقد الكلام الباطل في تكفير المخالفين دون تطبيق شرع الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد هو رسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما كان عليه النصارى من الغلو في الدين، وأنه هو الذي أهلكهم. لهذا قال في حديث ابن عباس: «أيها الناس، إياكم الغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين». قال رحمه الله: من ذلك أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم حذرنا من مشابهة من قبلنا في أنهم كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء. والآن الشيخ رحمه الله يسرد الأوجه التي جاءت في الشرع بالمخالفة، وهي كثيرة جدًا. وهذا يريد أن يبين رحمه الله أن الشرع فرق بين أهل الإسلام وأهل الكفر. وكل ما كان يتميز به أهل الكفر، فإن أهل الإسلام يخالفونهم في ذلك. فمن ذلك أيضًا قال: حذرنا من مشابهة من قبلنا في أنهم كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأمر أن يسوى بين الناس في ذلك. وإن كان كثير من ذوي الرأي والسياسة قد يظن أن إعفاء الرؤساء أجود في السياسة، فإن الإسلام لم يفرق بين الأشراف وبين غيرهم، خاصة في الحدود. أما مثلًا في الأمور التي ليست بحدود، ممكن أن يقام لذوي الهيئات عثراتهم، لأن أهل الهيئات من الشيوخ أو من العلماء والوجهاء والأمراء، فإنه قد تغفر زلاتهم أو يتغاضى عن عثراتهم لأنها قليلة، بخلاف غيرهم. أما الحدود فلا، إذا ثبت الحد فيقام على الشريف والضعيف، وعلى الوجيه وغيره، وعلى العالم وغيره، كل أحد إذا وقع في الحد فإنه يقام عليه. ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ابنته، كما سيأتي الحديث. وذكر الشيخ هنا يقول: إنه وإن كان كثير من ذوي الرأي، أي من يعرف رأيه في معنى له آراء وله كذا، يرى أن السياسة إعفاء الرؤساء أجود للسياسة، معنى لا يقام عليهم الحد، يظن أن هذا أجود حتى لا يمتهن، لكن هذا يجرئ هؤلاء الرؤساء وهؤلاء الأمراء والكبار على انتهاك حرمة الشرع. قال: ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها في شأن المخزومية التي سرقت، قال: «لما كلم أسامة فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: يا أسامة، تشفع فيها في حد من حدود الله؟ إنما أهلك بني إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. والذي نفس بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» صلى الله عليه وسلم. فهذا الحديث بسبب هذه المرأة التي سرقت، وبنت مخزوم من أشرف بطون قريش، فكلموا أسامة، قالوا: ما لنا إلا أن نكلم أسامة، حب رسول الله ومن أحبه، فأسامة أراد أن يشفع، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يا أسامة، تشفع في حد من حدود الله؟». قال: وكان بن مخزوم من أشرف بطون قريش، ومما يدل سيأتي سيذكره المؤلف، قريبًا سيذكر حديث البراء بن عازب، لكن سيذكره بعد ذلك المؤلف في أن اليهود والنصارى ما يقيمون الحدود على أشرافهم. قال: وكان بن مخزوم من أشراف بطون قريش، واشتد عليهم أن تقطع يد امرأة منهم، فبيّن صلى الله عليه وآله وسلم أن هلاك بني إسرائيل إنما كان في تفضيل رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر أن فاطمة ابنته التي هي أشرف النساء، لو سرقت وقد عصمها الله من ذلك لقطع يدها، ليبين أن وجوب العدل والتعميم في الحدود لا يستثنى منه بنت الرسول، فضلًا عن بنت غيره. قال: وهذا يوافق ما في الصحيحين عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محممًا مجلودًا، محممًا معناه المراد في محمم أي أنه يسود وجهه ويدار به في السوق، قال: مجلودًا، فدعاهم فقال: «هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟». النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه، قال: «هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» قالوا: نعم. قال: «فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أنشدوك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، فهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟». وجاء في سيرة ابن هشام أنه سأل عبد الله بن صوريا، وهو كان يعتبر عندهم من العلماء، والذي كان هو ماسك المدراسة، مدراسة اليهود، كان هو فيها عن المكان الذي يقرؤون فيه التوراة، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إليه، وقال له: «أنشدوك بالله، عبد الله بن صوريا، أنشدوك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكن كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. قال: فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه». هؤلاء اليهود أماتوا الرجم، فأحياه النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من الأدلة المتكاثرة على أن الرجم كان قد قرره النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجبه في الزاني المحصن، في الزاني المحصن. وقد كان يقرأ آية في كتاب الله عز وجل، ثم نسخ لفظها وبقي الحكم. وقال عمر رضي الله عنه: إن النبي عليه الصلاة والسلام رجم الزاني المحصن، وإنا قد رجمنا، وإنه سيأتي أقوام ينكرون الرجم. إن عمر رضي الله عنه لما رأى أنه لفظه غير موجود، بين أن هناك أقوام سيأتون وينكرون هذا الرجم، لكنه ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾. يقول: ائتوا محمدًا، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه. كما قلنا: التحميم هو تسويد الوجه، يسوّدون وجهه بفحم أو بشيء سواد، ثم يدورون به بعد يجلدون، يدورون به في الأسواق. قال: ﴿وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا﴾. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: في الكفار كلها، أو في الكفار كلها. وهذا الحديث في صحيح مسلم، حديث البراء بن عازب، وهو حديث صحيح في صحيح مسلم. وبينا أن هذه الآيات نزلت في الكفار، ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذكر أن في هذه الآيات تفسيرين للسلف. التفسير الأول هو تفسير ابن عباس وغيره، أن هذه الآيات، أو الكفر الذي فيها والفسق الذي فيها والظلم، إنما هو دون الكفر والفسق والظلم المعروف، وهو المخرج من الملة، هذا دونه لا يخرج من الملة، كما قال ابن عباس: «ليس الكفر الذي تذهبون إليه». وجاء في رواية: «أنه ليس كمن كفر بالله وملائكته ورسله». وهو أثر صحيح عن ابن عباس، وإن أنكره بعض السرورية القطبية، فهو أثر صحيح. والتفسير الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام عن السلف، ما ذكره أبو عبيد القاسم وغيره، أن هذه الآيات نزلت في الكفار، وليست في المسلمين. ومن فعل ذلك من المسلمين فهو قلد الكفار، وليس بكافر، ليس كافرًا، لكنه قلد الكفار وأطاعهم أو تشبه بهم، فهو ليس كافرًا. وهذا يؤيد التفسير الأول، فليس هناك من السلف من حمل هذه الآية على الكفر المخرج من الملة إلا الخوارج، كما قال ذلك بعض المفسرين مثل الجصاص. الجصاص يقول: إنه لم يحمل هذه الآية أحد من السلف أو من المفسرين على أن الكفر هنا الكفر المخرج من الملة إلا الخوارج. وهذا علامة فيهم أنهم حملوا هذه الآية على الكفر المخرج من الملة. والآن الخوارج، وكان أهل التكفير من أصحاب الهجرة أو أصحاب القاعدة أو السرورية القطبية، كلهم اتفقوا على أن الكفر هنا كفر مخرج من الملة. هؤلاء اتفقوا وخالفوا السلف على أن الكفر كفر مخرج من الملة، وهذا باطل. لأنه لو حكمنا، لو أخذنا هذه الآية على عمومها، وأن الكفر كفر مخرج من الملة، لحكمنا على كل الناس بالكفر. لأن الله عز وجل قدم «من»، ومن من ألفاظ العموم. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ﴾ أي كل أحد، ليس هي خاصة بالحكام كما يقولون، هذه ليست خاصة بالحكام، بل يدخل فيها الحاكم وكل من كان تحته رعيته، حتى رب الأسرة، حتى رب الأسرة إذا كان مثلًا الولد من البيت يخرج بلباس غير شرعي، مثل هؤلاء الذين يلبسون البناطيل الممزقة، مثل ما يقولون، وأيضًا يلبس قميصًا يرتفع عن عورته، وكذلك مشطته أيضًا مثل مشطة الكفار، فهذا خروجه من بيته وسكوته، وسكوت الأب عليه يعتبر على قولهم كفرًا مخرجًا من الملة. معناه أن الأب كفر، لماذا؟ لأنه داخل في هذا، لأنه لم يحكم شرع الله. بل هؤلاء الذين يتكلمون بهذا، وأن هذا كفر، لم يحكموا شرع الله في بيوتهم، لم يحكموا شرع الله في بيوتهم. فهل معنى ذلك أنهم كفار؟ هذا كلام باطل. ولهذا لما خالف السلف، لما خالف هؤلاء السلف، تكلموا بمثل هذا الكلام الباطل.