التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 62

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 62

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 62، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التحذير من التشدد في العبادات

التشدد في العبادات يؤدي إلى المشقة والمضرة، وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وأمر بالتدرج في العبادة. النبي صلى الله عليه وسلم رفض التشدد وأمر بالوسطية في العبادة.

أهمية التدرج في العبادة وطلب العلم

التدرج في العبادة وطلب العلم ضروري لتهيئة النفس وترويضها على الطاعة والعلم. التدرج يجعل النفس تلتذ بالعبادة والعلم ويمنع الإحباط.

الوسطية في العبادة وفق سنن النبي

النبي صلى الله عليه وسلم حذّر من التشدد في العبادة وأمر بالاقتصاد فيها، مستشهدًا بقصة ثلاثة من أصحاب النبي الذين أقسموا على أنفسهم بالصيام الدائم والصلاة الليلية. سنّة النبي هي الوسطية في العبادة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذكرنا بالعكس ما ذكره الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معنى التشدد، بيّن رحمه الله أن التشدد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب منزلة الواجب والمستحب في العبادات، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات، أنا يجعل ما ليس بمكروه ولا حرام يجعله مثل الحرام. هذا التشدد في المباح، أما من يجعل، أما من يترك الحرام أو المشبوه به، فهذا فعل عظيم وواجب على المسلم. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام». فهذا ليس من هذا الباب، عندما يترك الإنسان شيئًا شبهة أو لأجل الشبهة فيه، ليس هذا من التشدد، بل هذا من الاحتياط والورع لدينه. وإنما المتشدد الذي يجعل المباح الذي هو لا اختلاف في إباحته يجعله كالحرام، أو يجعل المباح كالواجب، فهذا تشدد. قالوا: فيه أيضًا تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء يكون سببًا لتشديد آخر يفعله الله، إما بالشرع وإما بالقدر، على من شدد على نفسه شدد عليه الله إما شرعًا وإما قدرًا. قال: فأما بالشرع، فمثل ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يخاف في زمانه من زيادة إيجاب أو تحريم، كنحو ما خافه لما اجتمعوا لصلاة التراويح معه، أنا خاف النبي صلى الله عليه وسلم أن تفرض عليهم. وكذلك خوفه في السواك، قالوا: لما كانوا يسألون عن أشياء لم تحرم، ومثل أن من نذر شيئًا من الطاعات وجب عليه فعله، وهو منهي عن نفس عقد النذر، أنا يريد حديث عبد الله بن عمر: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر، وقال: إنما يستخرج به من البخيل». قالوا: كذلك الكفارات الواجبة بأسباب. وأما بالقدر، فكثير قد رأينا وسمعنا من كان يتنطع في أشياء، فيبتلى أيضًا بأسباب تشدد الأمور عليه في الإيجاب والتحريم، مثل كثير من المسوسين في الطهارة، وإذا زادوا على المشروع ابتلوا بأسباب توجب حقيقة عليهم أشياء مشقة ومضرة، مشقة ومضرة تشق عليهم وتضرهم؛ لأنهم خالوا في الشرع، فجعل الله عز وجل عليهم التشديد. شددوا على أنفسهم في الطهارة، وشددوا أيضًا على أنفسهم في بعض العبادات، فشدد الله عز وجل عليهم. وأيضًا من تنطع وشدد على نفسه في العبادة غالبًا أن هذا التشدد يضر به، وليساد هذا الدين أحد إلا غلبه. فلهذا قال العلماء: إن المسلم لا يشدد على نفسه في الطاعة، فمثلًا إذا أراد أن يصلي يصلي على قدر استطاعته، لا يكلف نفسه أنا يسمع أن السلف كانوا يقومون نصف الليل، هو يريد أن يفعل مثل السلف، يقوم نصف الليل ويصلي مثلًا عشر ركعات، فهذا خطأ. لماذا؟ لأن هذه الأشياء ما تأتي بوهلة واحدة، ما تأتي إلا بالتمرد، بالتدرب، تدرب الإنسان على صلاة الليل، يصلي أولًا يحاول أنه يصلي الوتر ركعتين ويوتر بواحدة، ويدوم على ذلك. إن رأى نفسه دامت زاد، إن رأى نفسه أيضًا دامت زاد، وهكذا حتى مثلًا يصلي إحدى عشرة ركعة. وكذلك في القراءة، النبي صلى الله عليه وسلم تدرج مع عبد الله بن عمر، قال: «اقرأ القرآن في شهر». بل جاء في رواية عند البخاري: «في أربعين». قال: «إني أطيق أكثر من هذا»، فتدرج معه حتى قال له: «اقرأه في سبع، ولا تزد». فأنا لا تزد على السبع، أنا كل في قراءة، أنا تقرأ مثلًا خمسة أجزاء أو نحوها، حتى يكون سبعة أيام قد انتهيت من الختمة. لكن من جاء مثلًا من أول وهله وقرأ خمسة أجزاء، يريد أن يقوم الليل بخمسة أجزاء، هذا سيطرق لا شك، وما يستطيع أن يستمر. لماذا؟ لأنه لم يمرن نفسه. فهذه العبادات تحتاج للتمرين للنفس، لا تحتاج للهجوم. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليصل أحدكم نشاطه ما دام نشيطًا، فإذا تعب فليرقد»، لا يكلف نفسه فيأتي بعد ذلك يصلي وهو نائم. فهذه العبادات تحتاج إلى تمرين ثابت. قال ثابت البناني رحمه الله: «روضت نفسي على صلاة الليل عشرين سنة حتى راضت». فليس بالهي أن الإنسان يقوم الليل ويكثر في الصلاة، أو يصوم النهار ويكثر في الصيام. فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم تدرج مع عبد الله بن عمر. فالعبادات تحتاج إلى تدرج، وتمرين يمرن النفس عليها. وأما الهجوم هذا، فهو يعتبر من التشدد، يشدد على نفسه، يلزمها بشيء لا تستطيعه. أنا الآن مثلًا ما تعود أن يقوم الليل، سيقوم من أول أيام قيامه نصف الليل ويصلي إلى الفجر مثلًا، لا شك أنه لو فعل ذلك مرة أو مرتين ما سيستمر. لماذا؟ لأنه شدد على نفسه، والغالب أنها تنفر النفس إذا شدد عليها، وهذا من طبيعة النفس. لكن تأتي بالتمرن، حتى طلب العلم، طلب العلم غالبًا لا يأتي لذة وشهوة العلم ومحبة العلم لا تأتي في يوم ولا في يومين، ولا أيضًا في شهر ولا في شهرين، بل غالبًا أن الإنسان إذا بدأ في طلب العلم تنفر نفسه، خاصة في المراكز عندما يكون مثلًا ينتقل من بيته ومن بلده إلى بلد آخر، تجد أن نفسه تضيق ويجد ضيقًا في نفسه، ويجد نفورًا من نفسه، حتى تتروض هذه النفس. فإذا روضها وصبرها على قليل قليل، تأتي بعد ذلك النفس ويأتي محبة العلم. بل إذا زاد تأتي الشهوة العظيمة للعلم. العلم له لذة وشهوة تدرك بكثرته، حتى أن الإنسان ما يستغني عنه، أنه يحب العلم ويحب الفوائد، ويحب كذلك القراءة محبة عظيمة، حتى يجد أنه لا شيء أحلى منها في هذه الحياة. وهذا شيء تجده النفس بالتمرن كذلك. فلهذا فالتشديد على النفس لا ينفعها، لكن يشدد على نفسه قليلًا قليلًا على قدر صبره. فلهذا كلما ارتقى واستمر في شيء يرتقي أكثر، ثم إذا استمر في هذا يرتقي، وهكذا حتى تتروض هذه النفس على العبادة. وهذا الذي يسميه أهل التصوف الرياضة، رياضة النفس عن ترويضها على العبادة والطاعة حتى تلتذ بعد ذلك بالطاعة. لو دخلت في أول الطاعة بالتشديد عليها نفرت. حتى أيضًا كذلك في العلم، في أنواع العلم، عند دراستك للعلم، ما يأتي إلا بالتدرج. ما يكون الإنسان مثلًا يأتي ويريد أن يدرس نوعًا من أنواع العلم، فيبدأ بكبار الكتب، مثلًا يريد أن يدرس في النحو يبدأ بالكافية، يريد أن يدرس الفقه يبدأ مثلًا بكتب الشوكاني أو من هذا القبيل، فهذا خطأ. وأيضًا ينفر النفس من هذا العلم. فلهذا هذا الأمر لا بد منه، لا بد أن يعرف، وهو من تربية النفس على الطاعات وعلى العلم. فلهذا قال الشيخنا: وإما بالقدر، إما بالشرع يشدد عليه في الشرع، كما ذكر المؤلف مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاف أن تفرض التراويح على المسلمين، وكذلك بالقدر مثل ما ذكر عن المسوسين، كذلك عن من يشدد على نفسه في الطاعة. قال: وهذا المعنى الذي دل عليه الحديث موافق لما قدمناه في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. يريد إتمام الحديث، حديث أنس: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم». قالوا: هذا المعنى الذي دل عليه الحديث موافق لما قدمناه في قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، عن الأصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، وضعها ربنا جل وعلا من رحمته على هذه الأمة. قال: فإن ذلك يقتضي كراهة موافقتهم في العصار والأغلال، أنا لا يوافقون على ما أصروا وغلوا في دينهم. والأصار ترجع إلى الإيجاب الشديد، والأغلال هي التحريمات الشديدة، أنا يشدد على نفسه في الوجوب هذا يسمى أصر، وتشديد على نفسه في التحريم يسمى أغلال. قال: فإن الإصراء هو الثقل والشدة، وهذا شأن ما وجب، والغل يمنع المغلول من الانطلاق، وهذا شأن المحظور. وعلى هذا دل قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وسبب نزولها مشهور. قال: وعلى هذا ما في الصحيحين عن أنس بن مالك، أنه قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي عليه الصلاة والسلام يسألون عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، أخبروا بعبادة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أتقى الناس وأخشى الناس لله عليه الصلاة والسلام». فقالوا: «وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟! قد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر». انظر إلى الشيطان لعب بعقولهم، ظنوا أنهم هم خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يفعل أكثر من هذا، لكن الله عز وجل جعله قدوة لهذه الأمة، فحتى لا يشدد على الأمة كانت عبادة النبي صلى الله عليه وسلم وسطًا وصفًا، وأيضًا طريقته وصف بين الغال والجاف. قال: «فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا». الليل كله سأصلي، وأيضًا كل ليلة. وقال الآخر: «أنا أصوم الدهر أبدًا، ما أفطر أبدًا». وقال الآخر: «أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا». في رواية: «أنه قال: أو حرم على نفسه اللحم». قال: «فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له». وهذا لا شك فيه، وهو أتقى هذه الأمة، اختاره الله عز وجل لرسالته، وهو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام. قال: «إني لا أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». رواه البخاري، وهذا لفظه، ومسلم، ولفظه عن أنس: «أن نفرًا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام سألوا أزواج النبي عليه الصلاة والسلام عن عمله في السر». فقال بعضهم: «لا أتزوج النساء». وقال بعضهم: «لا آكل اللحم». وقال بعضهم: «لا أنام على فراش». فحمد الله وأثنى عليه، أي نبي صلى الله عليه وسلم بعدما سمع ما قالوا، أنا نقل إليه، فقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». قالوا: لأحاديث الموافقة لهذا كثيرة في بيان أن سنته التي هي الاقتصاد في العبادة، وفي ترك الشهوات خير من رهبانية النصارى التي هي ترك عامة الشهوات من النكاح وغيره، عن رهبان النصارى يتركون الزواج بالنساء. ولهذا القصة المشهورة عن أبي بكر الباقلاني، وهي قصة صحيحة ذكرها الإمام الخطيب البغدادي في كتابه في التاريخ، لما ذكر قصة أبي بكر الباقلاني ابن الطيب، لما دخل على ملك الروم، وكان عنده الأساقفة والرهبان، فسلم عليهم، وقال لهم: «كيف الأولاد؟» أنا غضب ملك الروم هذا، كيف تقول هؤلاء كيف الأولاد؟ قال: «لا تدري أن هؤلاء لا يتزوجون؟!» قال: «هؤلاء معنا من المخلوقين، تنزهونهم عن الولد، ولا تنزهون الله عن الولد». أنا الله عز وجل ما نزهته عن الولد، وهؤلاء رهبانكم تنزهونهم أن يكون لهم ولد. وهذا قمة التناقض، فلهذا دين النصارى مبني على التناقض. قال رحمه الله: وقد خالف هذا بالتأويل، ولعدم العلم، طائفة من الفقهاء والعباد. ومثل هذا ما رواه أبو داود، فإن شاء الله نكتفي بهذا، ونقوم في درس الغد بترجمة نانسي قنقر.